قال: وكان أمر المطيّبين والأحلاف أن قريشا لما بنت الكعبة جزأوها [٢] أربعة أجزاء فصار لبني عبد مناف ما بين الحجر الأسود إلى ركن الحجر [٣] فناء البيت أجمع، وصار لأسد وعبد الدار وزهرة الحجر كله، وصار لمخزوم وتيم دبر البيت، وصار لسائر قريش ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود، فلما بنوه وفرغوا منه تنافسوا في الركن من يرفعه فقالت بنو عبد مناف: هو حيزنا، وقالت قريش: ليس الركن مما اقتسمنا، وأرادوا فيه الشر حتى حكموا أول من يطلع عليهم من قريش من باب السيل وهو باب آل شيبة، فطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه فحكموه فأخذ ردائه فوضعه ثم رفع الحجر بيده صلى الله عليه، وقال لكل ربع: خذوا بطرف من أطراف الثوب، فرفعوه جميعا ثم دخل رسول الله ﷺ تحت الحجر فبناه بيده ﵇، فلما فرغوا من البنيان وعمروا البيت والسقاية قالت بنو عبد مناف [٤]: بيد إخواننا [٥] عبد الدار خلال ليست بأيدينا، بأيديهم الرفادة واللواء والندوة والحجابة، وليس بأيدينا إلا السقاية، فقالوا [٦] لهم: هلم أعطونا بعض ما في أيديكم، فقال بنو عبد الدار: لا نعطيكم ما ورثناه عن أبينا وجدّنا مذ كنا، قالت بنو عبد مناف: فحاكمونا إلى من/ أردتم، قالوا:
_________________
(١) في الأصل: بني.
(٢) في الأصل: جزوا لها.
(٣) الحجر بالكسر: حرم الكعبة، لمزيد المعرفة به راجع معجم البلدان لياقوت ٣/ ٢٢١ وأخبار مكة للأزرقي ص ٢٢٥- ٢٢٧.
(٤) في الأصل: قصي.
(٥) في الأصل: أخوالنا، كان لقصي أبناء أربعة: عبد مناف وعبد الدار وعبد العزى وعبد.
(٦) في الأصل: قالوا.
[ ٢٧٣ ]
نحاكمكم إلى جابر بن محمد [١] بن وائلة بن شيبان بن محارب بن فهر وهو أبو كرز [٢] بن جابر صاحب النبي صلى الله عليه المقتول يوم الفتح، فاختصموا إليه وكان يقال له [٣] عابد فهر، فقالت بنو عبد مناف: [من-] [٤] وراثة أبينا قصي ليست بأيدينا إلا السقاية، وقالت بنو عبد الدار: وراثة أبينا [٥] وما ولّاه أبوه دون [٦] سائر [٧] بنيه، فقال جابر: البخت متبع والعدل [٨] ملزوم والسابق أولى أن تشركوهم [٩]، تشركوا اصبروا أن تفككوا، فلما منعهم قالت بنو عبد مناف: أعطوا بني أسد الرفادة وشأنكم بما بقي، فقالت بنو عبد الدار:
لا نحل عقدا ولا ننبذ [١٠] سببا ولا نعق أبا، فلما أبوا عليهم تداعت قريش حتى رأوا [١١] ما طلبت بنو عبد مناف ورغبوا في الولاية معهم فتحالفوا فاحتلفت بنو عبد مناف وأسد وزهرة وتيم والحارث بن فهر وأخرجت أم حكيم بنت عبد المطلب لهم جام جزع [١٢] فيها طيب فغمسوا فيها أيديهم فكانوا المطيّبين، واحتلفت بنو عبد الدار ومخزوم وعدي وجمح وسهم فأخرجت بنو عبد الدار جفنة [١٣] فيها دم فغمسوا فيها أيديهم، فسموا اللعقة وهم الأحلاف، ثم عقدوا
_________________
(١) في الاستيعاب ١/ ٢٢٣: جابر بن حسيل أو حسل بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن شيبان (وفي الإصابة ٣/ ٢٩٠ محرفا- سيفان) بن محارب بن فهر، وفي نسب قريش ص ٤٤٨: جابر بن حسل بن الأحب (بدل لاحب) بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر.
(٢) كرز كصبح.
(٣) في الأصل: هو.
(٤) ليست الزيادة في الأصل.
(٥) في الأصل: أمينا.
(٦) في الأصل: علي.
(٧) في الأصل: ساير- بالياء المثناة.
(٨) في الأصل: الهدم، ولعل الصواب ما أثبتنا.
(٩) في الأصل: تشركواهم.
(١٠) في الأصل: لنشر، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(١١) في الأصل: رأوا.
(١٢) الجزع كقتل: الخرز فيه سواد وبياض.
(١٣) في الأصل: حفنة- بالحاء المهملة.
[ ٢٧٤ ]
حلفهم وأعدوا للقتال ثم تراجعوا فقالت بنو كلاب: إخواننا وهم أدنى من غيرهم أن نقتلهم ونقطعهم وإن يقتلونا يقتلهم غيرهم، فكفوا عن القتال وتركوهم على ما في أيديهم وقد كانوا حين جاءوا إلى القتال جزأوهم [١] فجزأوا [٢] عبد مناف معها الحارث بن فهر بابني هصيص: سهم وجمح، وجزأوا [٣] عبد الدار باسر وجزأوا [٣] زهرة بمخزوم وجزأوا [٣] عديا بتيم. وقال ابن الزبعرى حين أسلم عثمان بن طلحة بن [٤] أبي طلحة العبدري وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص يذكّرهم ذلك الحلف: (الطويل)
أناشد [٥] عثمان بن طلحة حلفنا وملقى النعال عن يمين المقبل
أمفتاح بيت غير بيتك تبتغي فباب الذي تبغي من الأمر مقفل
وما عقد الآباء من كل حلفة وما خالد عن مثلها بمحلل [٦]
وقال في ذلك عكرمة بن عامر العبدري: (الطويل)
فو الله لا نأتي الذي قد [٧] أردتم ونحن جميع أو نخضب بالدم
ونحن ولاة البيت لا تنكرونه فكيف على علم البرية نظلم [٨]