قال: خرجت الأوس جالية من الخزرج حتى نزلت على قريش بمكة فحالفتها فلما حالفتها قال الوليد بن المغيرة: والله! ما نزل قوم قط على قوم إلا أخذوا شرفهم وورثوا ديارهم فاقطعوا حلف الأوس، فقالوا: بأي شيء؟
قالوا: إن في القوم حشمة، فقولوا: إنا قد نسينا شيئا لم نذكره لكم، إنا قوم إذا طاف النساء بالبيت فرأى الرجل امرأة تعجبه قبلها ولمسها بيده، فلما قالوا ذلك للأوس نفروا وقالوا: اقطعوا الحلف بيننا وبينكم، فقطعوه، ثم انقطع هذا الحلف بين قريش والأوس إلا ما كان بين عتبة بن أبي وقاص الزهري وبين عتبة بن المنذر بن أحيحة [٩] بن الجلاح [١٠] فإنه ثبت ذلك الحلف، فاتخذ
_________________
(١) في الأصل: وادام، وأدام بالضم: بئر أو واد على مرحلة من مكة في طريق السرين- تاج العروس ٨/ ١٨١ و٢٩٧ ومعجم البلدان ١/ ١٥٥.
(٢) في الأصل: هميهمة، اسمه حبيب- نسب قريش ص ١٥.
(٣) في الأصل: ثبت- بالثاء المثلثة.
(٤) في الأصل: إليهم أخوالي.
(٥) في الأصل: ساكن.
(٦) في الأصل: همهمة.
(٧) اسمها تماضر- قاله مصعب في نسب قريش ص ١٥.
(٨) في نسب قريش ص ١٥: انقرض (أبو عمرو بن عبد مناف) إلا من بنت يقال لها تماضر ولدت لأبي همهمة بن عبد العزى.
(٩) أحيحة كجهينة.
(١٠) في الأصل: الجلّاح- بتشديد اللام، وهو خطأ، والجلاح بضم الجيم وتخفيف اللام.
[ ٢٦٨ ]
عتبة بن أبي وقاص دارا بقبا [١] فكان ينزلها ويكون فيها وهي الدار التي خلف بئر غرس [٢] على اليمين المبنية [٣] بالقصة [٤] . قال: وقال ابن أبي عبيدة:
خرجت بنو عبد الأشهل وظفر [٥] وبنو معاوية وأهل راتج [٦] إلى مكة ليحالفوا [٧] قريشا وأظهروا أنهم يريدون العمرة وكان من أراد حجا أو عمرة لم يتعرض [٨] له وكانوا إذا أحرموا علقوا الحبال برؤوس الآطام وعلقوا فيها الكرانيف [٩]، فإذا رؤيت قال الناس: قد أحرم بنو فلان، فربطوا في رؤوس آطامهم الحبال وعلقوا فيها الكرانيف، فقال الناس: قد أحرمت بنو عبد الأشهل بالعمرة، وأجار [١٠] لهم أموالهم [١١] بعد خروجهم [١١] عبد الله بن معرور [١٢] أخو بني سلمة [١٣] ثم أحد بني عبيد [١٤] وكانت أمه امرأة من بني
_________________
(١) قبا كربى ألفه واو يمد ويقصر: قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة- معجم البلدان ٧/ ٢١.
(٢) بئر غرس بفتح الغين المعجمة ثم السكون وآخره السين المهملة: بئر بالمدينة عند قبا كان النبي ﷺ يستطيب ماءها ويبارك فيه- معجم البلدان ٢/ ٦ و٦/ ٢٧٦ و٢٧٧.
(٣) في الأصل: المبني.
(٤) في الأصل: بالفضة- بالفاء والضاد المعجمة، والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة: الجصة.
(٥) بنو ظفر بطن من بطون الأوس مثل بني عبد الأشهل.
(٦) راتج كقاتل: أطم من آطام اليهود بالمدينة والأطم بضم الهمزة والطاء: الحصن- معجم البلدان ٤/ ٣٠٣.
(٧) في الأصل: ليحالف.
(٨) في الأصل: يعرض.
(٩) الكرانيف جمع الكرناف بكسر الكاف وضمها أيضا وهي أصول سعف النخل تبقى في الجذع بعد قطع السعف من النخلة.
(١٠) في الأصل: أجاز- بالزاي المعجمة.
(١١) في الأصل: بعدهم من الخروج.
(١٢) في الأصل: مغرور- بالغين المعجمة.
(١٣) بنو سلمة بطن من بطون الخزرج.
(١٤) في الأصل: عبيدة- بالهاء، وبنو عبيد بن عدي بطن من الأنصار.
[ ٢٦٩ ]
عبد الأشهل، فقال قيس بن الخطيم [١] هذه القصيدة حين ساروا إلى مكة:
(الوافر)
ألمّ خيال ليلى أم عمرو ولم يلمم [٢] بنا إلّا لأمر
زجرنا النخل والآطام حتى إذا هي لم تطاوعنا [٣] لزجر
همننا بالإقامة ثم سرنا كسير حذيفة [٤] الخير بن بدر
بذم الكاهنين وذم عمرو [٥] بآية ما تناسوا كل وقر [٦]
تقول ظعينتي لما استقلت أتترك ما جمعت صريم [٧] سحر
فقلت لها دعيني إن مالي يروح إذا غلبتهم ويسري
فلست [٨] بحاضر [٩] إن لم ترونا نجالدكم كأنا شرب خمر
وتحمل جمعكم [١٠] عنا قريش كأن بنانهم تفريك بسر [١١]
تلاقوا عشرة الأحلاف طرا فشدوا كسر عزمهم بجبر
ملكنا العز قد علمت معد فلم نذلل بيثرب غير شهر
خذلناهم [١٢] وأسلمنا الموالي وفارقنا الصريخ لغير فقر
_________________
(١) الخطيم كعظيم- بالخاء المعجمة وكان قيس أوسيا قتل قبل الهجرة وكان اسم أخته ليلى وكان خلفها بيثرب- انظر الأغاني ٢/ ١٥٩- ١٦٤.
(٢) في الأصل: يلم- بتشديد الميم.
(٣) في ديوان قيس بن الخطيم ص ٦٠: لم تشيعنا (مدير) .
(٤) كان حذيفة بن بدر سيدا جوادا شجاعا من سادات فزارة بن ذبيان، وفي عهد النبوّة من المؤلفة القلوب.
(٥) في الأصل: عمر، وعمرو ابن أخته ليلى.
(٦) الوقر كقبر: الصدع في الساق والعظم وغيرهما، ويأتي بمعنى الخطب والمصيبة أيضا كالاستعارة ويقال في صدره وقر أي حقد.
(٧) في الأصل: هريم، والتصحيح من ديوان قيس بن الخطيم ص ٦٠ (مدير) .
(٨) في الأصل: فليست.
(٩) في الأصل: لحاضر، [وفي ديوانه: لحاصن- مدير] .
(١٠) في الأصل: جميعكم، [وفي ديوانه ص ٦٠: حربهم- مدير] .
(١١) في الأصل: كأن بنا فهم تقريب بسر، والتصحيح من ديوانه ص ٦٠ (مدير) .
(١٢) في ديوانه: خذلناه (مدير) .
[ ٢٧٠ ]
فإن نلحق بأبرهة اليماني ونعمان [١] يوجهنا [٢] وعمرو
فلما حالفوهم مكثوا أياما، ثم قدم أبو جهل بن هشام من سفر له فبلغه شأنهم، فقال لقريش: ما أصبتم حين حالفتموهم إنهم أهل غدر وجلب [٣]، ولقلما دخل قوم على قوم إلا أخرجوهم من بلدهم وغلبوهم على دارهم، فقالوا له: فما المخرج من حلفهم؟ قال: أنا أكفيكم ذلك إنهم لمن أشد العرب غيرة وقزازة [٤] فلعلي آتيهم من قبل ذلك، ثم خرج حتى جاءهم فقال: إنكم حالفتم قومي وأنا غائب عنكم فجئتكم لأحالفكم وأذكر لكم من أمرنا أمرا تكونون منه على رؤوس [٥] أموركم، إنا قوم نخرج نساءنا إلى أسواقنا فيبعن [٦] وابتعن [٧] ولا يزال الرجل منا يدرك المرأة منهن إذا أعجبته فيضرب عجيزتها فإن كنتم [٨] طيبي الأنفس [٩] أن تفعل نساؤكم كما تفعل نساؤنا حالفناكم وإن كرهتم ذلك فردوا إلينا حلفنا، قالوا: إنا لا نقر بهذا وقد رددنا إليكم حلفكم، فانقطع ذلك الحلف وكان هذا سبب انقطاعه