فكان جميع من أحصي يومئذ بمصر أعلاها وأسفلها من جميع القبط فيما أحصوا وكتبوا أكثر من ستة آلاف «١» نفس، فكانت فريضتهم يومئذ اثني عشر ألف دينار في كل سنة؛ وقيل غير ذلك.
وقال عبد الله بن لهيعة عن يحيى بن ميمون الحضرمي: لما فتح عمرو مصر، صالح أهلها عن جميع من فيها من الرجال من القبط ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك، ليس فيهم امرأة ولا شيخ ولا صبي، فأحصوا بذلك على دينارين دينارين، فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف. قال: وشرط المقوقس للروم أن يخيروا، فمن أحب
[ ١ / ١٨ ]
منهم أن يقيم على مثل هذا أقام على ذلك لازما له مفترضا عليه ممن أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج؛ وعلى أن المقوقس له الخيار في الروم خاصة حتى يكتب إلى ملك الروم يعلمه بما فعل؛ فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم، وإلا كانوا جميعا على ما كانوا عليه.
قلت: وقد اختلف بعد ذلك في فتح مصر: هل فتحت صلحًا أم عنوة، فمن قال: إن مصر فتحت بصلح، احتج بما ذكرناه ونحوه بمثل ما ذكره القضاعي وغيره، وقالوا: إن الأمر لم يتم إلا بما جرى بين عبادة بن الصامت وبين المقوقس؛ وعلى ذلك أكثر علماء أهل مصر، منهم عقبة بن عامر ويزيد بن أبى حبيب والليث ابن سعد وغيرهم.
وذهب الذي قال إنها فتحت عنوة إلى أن الحصن فتح عنوة وكان حكم جميع الأرض كذلك؛ وهم عبيد الله بن المغيرة الشيباني ومالك بن أنس وعبد الله ابن وهب وغيرهم.
وذهب قوم إلى أن بعضها فتح عنوة، وبعضها فتح صلحًا، منهم عبد الله ابن لهيعة وابن شهاب الزهري وغيرهما.
قال عبيد الله بن أبي جعفر حدثني رجل ممن أدرك عمرو بن العاص قال: للقبط عهد عند فلان، وعهد عند فلان؛ فسمى ثلاثة نفر. وفي رواية: إن عهد أهل مصر كان عند كبرائهم.
قال: وسألت شيخًا من القدماء عن فتح مصر، قلت له: فإن ناسًا يذكرون أنه لم يكن لهم عهد؛ فقال: ما يبالي ألا يصلّى من قال إنه ليس لهم عهد؛ فقلت:
فهل كان لهم كتاب؟ فقال: نعم، كتب ثلاثة: كتاب عند طلما صاحب إخنا،
[ ١ / ١٩ ]
وكتاب عند قزمان صاحب رشيد، وكتاب عند يحنس صاحب البرلس؛ قلت:
كيف كان صلحهم؟ قال: دينارين على كل إنسان جزية وأرزاق المسلمين؛ قلت:
أفتعلم ما كان من الشروط؟ قال: نعم، ستة شروط: لا يخرجون من ديارهم، ولا تنزع نساؤهم، ولا أولادهم، ولا كنوزهم، ولا أراضيهم، ولا يزاد عليهم.
وكان فتح مصر يوم الجمعة مستهل المحرم سنة عشرين من الهجرة.
وقال ابن كثير في تاريخه: قال محمد بن إسحاق: فيها (يعني سنة عشرين من الهجرة) كان فتح مصر. وكذا قال الواقدي: إنها فتحت هي والإسكندرية فى هذه السنة. وقال أبو معشر: فتحت مصر سنة عشرين والإسكندرية في سنة خمس وعشرين. وقال سيف: فتحت مصر والإسكندرية في ربيع الأول سنة ست عشرة. ورجح ذلك أبو الحسن بن الأثير في الكامل لقصة بعث عمرو الميرة من مصر عام الرمادة. وهو معذور فيما رجحه. انتهى كلام ابن كثير.
وقال أيضًا في قول آخر: فتحت الإسكندرية في سنة خمس وعشرين بعد محاصرة ثلاثة أشهر عنوة، وقيل: صلحًا على اثني عشر ألف دينار، وشهد فتحها جماعة كثيرة من الصحابة ﵃ أجمعين.
قال ابن عبد الحكم: وكان من حفظ من الذين شهدوا فتح مصر من أصحاب رسول الله ﷺ من قريش وغيرهم ومن لم يكن له برسول الله ﷺ صحبة، وذكرهم جملة واحدة، فقال: الزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وكان أمير القوم، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وخارجة بن حذافة العدوي، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيس بن أبى العاص السهمي، والمقداد بن الأسود، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح العامرىّ، ونافع
[ ١ / ٢٠ ]
ابن عبد قيس الفهري، وأبو رافع، مولى رسول الله ﷺ، وابن عبدة، وعبد الرحمن وربيعة ابنا شرحبيل بن حسنة، ووردان، مولى عمرو ابن العاص، وكان حامل لواء عمرو بن العاص، ﵃. وقد اختلف في سعد بن أبي وقاص فقيل: إنما دخلها بعد الفتح.
وشهد الفتح من الأنصار عبادة بن الصامت، وقد شهد بدرًا وبيعة العقبة، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وقد شهد بدرا، وهو الذي أرسله عمر بن الخطاب ﵁ الى مصر فقاسم عمرو بن العاص ماله، وهو أحد من كان صعد الحصن مع الزبير بن العوام، ومسلمة بن مخلد الأنصاري، يقال: له صحبة، وأبو أيوب خالد بن زيد «١» الأنصاري، وأبو الدرداء عويمر بن عامر، وقيل: عويمر بن زيد.
ومن أحياء القبائل: أبو بصرة «٢» حميل بن بصرة الغفاري، وأبو ذرّ جندب ابن جنادة الغفاري.
وشهد الفتح مع عمرو بن العاص هبيب بن مغفل، وإليه ينسب وادي هبيب الذي بالمغرب، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وكعب بن ضنة «٣» العبسي،
[ ١ / ٢١ ]
ويقال: كعب بن يسار بن ضنة، وعقبة بن عامر الجهني، وهو كان رسول عمر ابن الخطاب الى عمرو بن العاص حين كتب إليه [يأمره «١»] أن يرجع إن لم يكن دخل أرض مصر، وأبو زمعة «٢» البلوي، وبرح «٣» بن عسكل ويقال: برح بن عسكر، شهد فتح مصر واختط بها، وجنادة بن أبي أمية الأزدي، وسفيان بن وهب الخولاني وله صحبة، ومعاوية بن حديح الكندىّ، وهو كان رسول عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب بفتح الإسكندرية، وقد اختلف فيه، فقال قوم: له صحبة، وقال آخرون: ليست له صحبة، وعامر، مولى حمل الذي يقال له: عامر حمل، شهد الفتح وهو مملوك، وعمار بن ياسر، ولكن دخل بعد الفتح في أيام عثمان، وجهه إليها في بعض أموره. انتهى كلام «٤» ابن عبد الحكم باختصار.
وقال ابن كثير: في فتح مصر وجه آخر على ما أخبرنا به شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن عمر البلقيني الشافعي مشافهة بإجازته من الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير مجموعًا من كلام ابن إسحاق وغيره، قالوا:
[ ١ / ٢٢ ]
لما استكمل المسلمون فتح الشأم، بعث عمر بن الخطاب عمرو بن العاص إلى مصر. وزعم سيف: أنه بعثه بعد فتح بيت المقدس، وأردفه بالزبير بن العوام وفي صحبته بسر بن أبي «١» أرطاة وخارجة بن حذافة وعمير «٢» بن وهب الجمحي، فاجتمعوا على باب مصر، فلقيهم أبو مريم جاثليق «٣» مصر ومعه الأسقف أبو مريام في أهل البنيات، بعثه المقوقس صاحب الإسكندرية لمنع بلادهم.
فلما تصافّوا قال عمرو بن العاص: لا تعجلوا حتى نعذر إليكم، ليبرز إلي أبو مريم وأبو مريام راهبا هذه البلاد [فبرزا «٤» إليه، فقال لهما عمرو: أنتما راهبا هذه البلاد] فاسمعا: إن الله بعث محمدًا بالحق وأمره به وأمرنا به محمد وأدى إلينا كل الذي أمر به، ثم مضى وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الأعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة. وقد أعلمنا أننا مفتتحوكم وأوصينا بكم حفظا لرحمنا منكم، وأن لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة؛ ومما عهد الينا أميرنا: «استوصوا بالقبطين خيرًا» فإن رسول الله ﷺ أوصانا بالقبطيين خيرًا، لأن لهم ذمة ورحمًا.
فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل «٥» مثلها إلا الأنبياء، معروفة شريفة كانت ابنة ملكنا وكانت من أهل منف والملك منهم، فأديل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوهم ملكهم وأغربوا، فلذلك صارت إلى إبراهيم ﵇. مرحبا به وأهلا وأمنا حتى نرجع إليك.
[ ١ / ٢٣ ]