لما كان المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة بلغ ابن هبيرة أمير العراقين لبني أمية أن قحطبة أحد دعاة بني العباس توجه نحو الموصل يريد الكوفة فرحل ابن هبيرة بأصحابه نحو الكوفة، وسار كل منهما حتى تواقعا، فجاءت قحطبة طعنة فوقع في الفرات فهلك ولم يعلم به قومه، وانهزم أيضًا أصحاب ابن هبيرة وغرق خلق منهم في المخايض.
وقال بيهس بن حبيب: [قلت «١»] لجمع الناس بعد أن جاوزنا الفرات: من أراد الشام فهلم فذهب معه جمع «٢» من الناس، ونادى آخر: من أراد الجزيرة، فتبعه خلق، ونادى آخر: من أراد الكوفة، فذهب كل جند إلى ناحية «٣»، فقلت: من أراد واسط فهلم فاجتمعنا على ابن هبيرة وسرنا حتى دخلنا واسط يوم عاشوراء وأصبح وأصبحوا المسودة وقد فقدوا قائدهم قحطبة، ثم استخرجوه من الماء وأمروا عليهم ابنه الحسن فقصد بهم الكوفة فدخلوها يوم عاشوراء أيضًا وهرب متوليها من قبل بني أمية وهو زياد بن صالح، فاستعمل ابن قحطبة على الكوفة أبا سلمة الخلال ثم قصد واسط فنزلها وخندق على جيشه، فعبأ ابن هبيرة عساكره فالتقوا فانهزم عسكر ابن هبيرة وتحصنوا بواسط، وقتل في الوقعة حكيم بن المسيب الجدلي، ثم وثب أبو مسلم صاحب دعوة بني العباس على ابن الكرماني فقتله بنيسابور وجلس في دست الملك وخطب للسفاح وأخذ في أسباب بيعة السفاح بالخلافة، فلما كان يوم ثالث شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثلاثين ومائة بويع بالخلافة فى دار مولاهم الوليد
[ ١ / ٣١٨ ]
ابن سعد ولم ينتطح في ذلك عنزان، وبلغ ذلك خليفة الوقت مروان بن محمد بن مروان الأموي المعروف بالحمار، فسار من الشام فى مائة الف حتى نزل الرأس دون الموصل، فجهز السفاح عمه عبد الله بن علي في جيش فالتقى الجمعان على كشاف «١» في جمادى الآخرة فانكسر مروان وتقهقر إلى الجزيرة وقطع وراءه الجسر وقصد الشام ليتقوى «٢» ويلتقي ثانيًا بالمسودة، ودخل عبد الله بن علي العباسي الجزيرة فاستعمل عليها موسى بن كعب التميمي ثم طلب الشام مجدًا، وأمده السفّاح بعمّه الآخر صالح ابن علي، فسار عبد الله حتى نزل دمشق فعجز مروان عن ملاقاته، وفر إلى غزة فحوصرت دمشق مدة ثم أخذت في شهر رمضان، وقتل خلق من بني أمية وجندهم لا يدخل تحت حصر، فلما بلغ مروان ذلك هرب إلى مصر ثم قتل في آخر السنة ببوصير حسبما ذكرناه، وهرب ابناه عبد الله وعبيد الله إلى النوبة، ووقع ما ذكرناه في ترجمة عبد الملك أمير مصر من قتل حوثرة وحسان وغير ذلك.
قال محمد بن جرير الطبري: كان بدء أمر بني العباس أن رسول الله ﷺ فيما ذكر عنه، أعلم العباس عمه أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقّعون ذلك. وعن رشيد «٣» بن كريب أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية خرج إلى الشام فلقي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فقال: يا بن عم، إن عندي علمًا أريد أن أبديه إليك فلا تطلعن عليه أحدًا، إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس فيكم، قال: قد علمته فلا يسمعنه منك أحد.
وروى المدائني عن جماعة أن الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال:
لنا ثلاثة أوقات: موت يزيد بن معاوية، ورأس المائة، وفتق بإفريقية، فعند
[ ١ / ٣١٩ ]
ذلك يدعو لنا دعاة ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم المغرب؛ فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ونقضت البربر، بعث محمد الإمام رجلًا إلى خراسان وأمره أن يدعو إلى الرضى من آل محمد ﷺ ولا يسمي أحدًا ثم توجه أبو مسلم وغيره وكتب إلى النقباء فقبلوا كتبه، ثم وقع في يد مروان الحمار كتاب إبراهيم بن محمد الإمام إلى أبي مسلم، جواب كتاب يأمره بقتل كل من يتكلم بالعربية بخراسان فقبض مروان على إبراهيم، وقد كان مروان وصف له صفة السفاح التي كان يجدها في الكتب، فلما جيء بإبراهيم قال: ليست هذه الصفة التي وجدت، ثم ردهم وشرع في طلب الموصوف له، فإذا بالسفاح وإخوته وعمومته قد هربوا إلى العراق، فيقال: إن إبراهيم كان قد نعى إليهم نفسه وأمرهم بالهرب فساروا حتى نزلوا في الحميمة «١» في أرض البلقاء، ثم قدموا الكوفة فأنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد، فبلغ الخبر أبا الجهم، فاجتمع بموسى بن كعب وعبد الحميد بن ربعي وسلمة بن محمد وإبراهيم بن سلمة وعبد الله الطائي وإسحاق بن إبراهيم وشراحيل [وعبد الله «٢»] بن بسام وجماعة من كبار شيعتهم، فدخلوا على آل العباس فقالوا: آيكم عبد الله بن محمد ابن الحارثية؟ فأشاروا إلى السفاح فسلموا عليه بالخلافة، ثم خرج السفاح يوم جمعة على برذون أبلق فصلى بالناس بالكوفة ثم عاد السفاح إلى المنبر ثانيًا وقال: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه فشرفه، وكرمه وعظمه، واختاره لنا، وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه، والقوام به والذابين عنه. ثم ذكر قرابتهم في آيات من القرآن الشريف إلى أن قال: فلما قبض الله نبيه قام بالأمر أصحابه الى أن وتب بنو حرب وبنو مروان، فجاروا واستأثروا فأملى الله لهم حينًا حتى أسفوه فانتقم منهم
[ ١ / ٣٢٠ ]
بأيدينا، ورد علينا حقنا، ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا؛ وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يأهل الكوفة، أنتم محل محبتنا، ومنزل مودتنا؛ أنتم الذين لم تتغيروا «١» عن ذلك ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدت في أعطياتكم مائة «٢» مائة فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المبير «٣» .
وكان السفاح موعوكًا فجلس، فقام عمه داود بن علي فخطب وأبلغ وقال: إن أمير المؤمنين نصره الله نصرًا عزيزًا إنما عاد إلى المنبر لأنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك فادعوا له بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن وخليفة الشيطان المتّبع لسلفه المفسدين فى الأرض الشابّ المتكهّل وسماه، فضج الناس له بالدعاء «٤» .
وأما إبراهيم بن محمد (أعني أخا السفاح) الذي وقع له مع مروان ما ذكرناه، فإن مروان قتله بعد ذلك غيلة، وقيل: بل مات في السجن بحران بالطاعون، انتهى ما أوردناه من انفصال الدولتين
*** السنة الأولى من ولاية عبد الملك بن مروان بن موسى على مصر وهي سنة اثنتين وثلاثين ومائة- فيها كانت وقائع كثيرة بالعراق وغيره قتل فيها خلائق، ففي المحرم كانت الوقعة بين قحطبة وابن هبيرة حسبما تقدم ذكره في أول بيعة السفاح.
وفيها في ثالث شهر ربيع الأول بويع السفاح عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله
[ ١ / ٣٢١ ]
ابن عباس بالخلافة، وقد تقدم أيضًا. وفيها كانت قتلة مروان الحمار، وقد تقدم ذكره أيضا، وهو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس آخر خلفاء بني أمية، وكنيته أبو عبد الملك، القائم بحق الله، وأمه أم ولد كردية، كان يعرف بالحمار وبالجعدي، وتسميته بالجعدي نسبة لمؤدبه جعد بن درهم، وبالحمار، يقال فلان أصبر من حمار في الحروب، ولهذا لقب بالحمار، فإنه كان لا يفتر عن محاربة الخوارج، وقيل: سمي بالحمار لأن العرب تسمّى كل مائة سنة حمارا، فلما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان هذا بالحمار، وأخذوا ذلك من قوله تعالى في موت حمار العزيز: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ
الآية وكان مولد مروان الحمار سنة اثنتين وسبعين بالجزيرة وأبوه متول عليها من قبل ابن عمه الخليفة عبد الملك بن مروان، فنشأ مروان في دولة أقار به وولي الولايات الجليلة، وافتتح عدة فتوحات حتى وثب على الأمر بعد إبراهيم بن الوليد، وبويع بالخلافة سنة سبع وعشرين ومائة، فلم يتهن بالخلافة لكثرة الحروب، وظهرت دعوة بني العباس وكان من أمرها ما كان وانقرض بموته دولة بني أمية. وفيها توفي خلائق يطول الشرح في ذكرهم ممن قتل في الحروب وأيضًا من أعوان بني أمية وغيرهم. وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أخو الخليفة السفاح لأبيه، وقد تقدم ذكر واقعته مع مروان الحمار في أمر الكتاب، وأمه أم ولد بربرية اسمها أسلم، وكان أبوه محمد أوصى إليه بالعهد فإنه كان بويع سرًا فأدركته المنية، وكان شيعتهم يكاتبونه من خراسان حتى وقع له مع مروان ما حكيناه، وحبسه إلى أن مات في هذه السنة وقيل في الماضية، وبعد موته انضمت شيعته على عبد الله السفاح. وفيها قتل سعيد بن عبد الملك بن مروان أبو محمد، وكان يعرف بسعيد الخير، قتل بسيف عبد الله بن علي العباسي عم السفاح، وكان ديّنا خيّرا ولى لأقار به خلفاء بني أمية
[ ١ / ٣٢٢ ]
أعمالًا جليلة. وفيها توفي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان كان شجاعًا دينًا كريمًا، وكان ولي العراق وحفر بالبصرة نهرًا يعرف بنهر ابن عمر. وفيها توفّى محمد ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أبو عبد الملك الأنصاري، ولي قضاء المدينة.
وفيها توفي محمد بن عبد الملك أخو سعيد لأبويه، تقدمت ترجمته في ولايته على مصر سنة خمس ومائة. وفيها توفي يزيد بن عمر بن هبيرة بن معاوية الأمير أبو خالد، وقيل أبو عمرو الفزاري، ولي الأعمال الجليلة وغزا القسطنطينية مع مسلمة بن عبد الملك وجمع له بين العراقين سنة ثلاث ومائة وكان خطيبًا شاعرًا شجاعًا، وكان السفاح أمنه فبعث إليه أبو مسلم الخراساني وحرضه على قتله فأمر بقتله فقتل هو وابنه داود وكاتبه عمر بن أيوب وعدة من مواليه.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعًا وإصبع واحد.