هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح واسمه الحسام (وسرح بالسين والحاء المهملتين) والحسام بن الحارث بن حبيب (بالحاء المهملة مصغرًا) بن جذيمة «١» ابن نصر بن مالك بن حسل «٢» بن عامر بن لؤي، أبو يحيى العامري عامر قريش، ولي إمرة مصر بعد عزل عمرو بن العاص في سنة خمس وعشرين، كما تقدم ذكره، من قبل عثمان بن عفان، وجاءه الكتاب بولايته وهو بالفيوم، فجعل لأهل الجواب جعلًا فقدموا به مصر، وسكن الفسطاط ومكث أميرًا على مصر مدة ولاية عثمان بن عفان كلها وهو أخو عثمان لأمه؛ قاله ابن كثير، قال: وهو الذي شفع له يوم الفتح حين كان رسول الله ﷺ أهدر دمه، يأتي ذكر ذلك مفصّلا في آخر ترجمته من كلام ابن حجر بعد أن نذكر نبذة من أموره.
ولما ولي مصر أحسن السيرة في الرعية، وكان جوادًا كريمًا، ثم أمره عثمان أن يغزو إفريقية، فإذا افتتحها كان له خمس الخمس من الغنيمة نفلًا، فسار عبد الله بن
[ ١ / ٧٩ ]
أبي سرح المذكور إلى إفريقية في عشرة آلاف وغزاها حتى افتتح سهلها وجبلها وقتل خلقًا كثيرًا من أهلها، ثم اجتمعوا على الطاعة والإسلام وحسن إسلامهم، وأخذ عبد الله بن أبي سرح المذكور خمس الخمس من الغنيمة وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، وقسم أربعة أخماس الغنيمة في الجيش فأصاب الفارس ثلاثة آلاف دينار والراجل ألف دينار.
قال الواقدي: وصالحه بطريقها على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، فأطلقها عثمان كلها في يوم واحد في آل الحكم، ويقال: في آل مروان؛ ثم غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح المذكور إفريقية ثانية في سنة ثلاث وثلاثين حين نقض أهلها العهد حتى أقرهم على الإسلام والجزية؛ واستشهد معه في هذه المرة بإفريقية جماعة منهم: معبد بن العباس بن عبد المطلب وغيره.
ثم غزا في سنة أربع وثلاثين غزوة ذات الصواري في البحر من ناحية الإسكندرية، فلقيه قسطنطين بن هرقل في ألف مركب، وقيل في سبعمائة، والمسلمون في مائتي مركب، وتقاتلا فانتصر الأمير عبد الله هذا وهزم الروم؛ وإنما سميت غزوة ذات الصواري لكثرة صواري المراكب واجتماعها. وعاد إلى مصر فبلغه في سنة خمس وثلاثين خبر من ثار على عثمان ﵁، ودخل منهم طائفة إلى مصر بأمر عثمان، فإنه كان أخرج منهم جماعة إلى البصرة والشام ومصر، فلما قدم من قدم منهم إلى مصر وافقهم جماعة من المصريين على خلاف عثمان كرهًا في ابن أبي سرح هذا لكونه ولي بعد عمرو بن العاص، وأيضًا لاشتغاله عنهم بقتال أهل المغرب وفتح بلاد البربر وأندلس وإفريقية وغيرها، ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حرب عثمان وحرب عبد الله بن أبي سرح المذكور،
[ ١ / ٨٠ ]
واجتمعوا واستنفروا من مصر في ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب لينكروا على عثمان وساروا إلى المدينة تحت أربع رايات، وأمر الجميع إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي وعبد الرحمن التجيبي، وأقبل معهم محمد بن أبي بكر الصديق، وأقام بمصر محمد بن حذيفة يؤلب الناس ويدافع عن هؤلاء، فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم منكرين عليه في صفة معتمرين، فوقع لهم مع عثمان ﵁ أمور يطول شرحها إلى أن سألوا عثمان عزل عبد الله ابن أبي سرح هذا عن ولاية مصر ويولي عليهم محمد بن أبي بكر الصديق، فأجابهم الى ذلك، فلما رجعوا وجدوا في الطريق بريديًا يسير فأخذوه وفتشوه، فإذا معه في إداوة كتاب كتبه مروان بن الحكم كاتب عثمان وابن عمه، والكتاب على لسان عثمان، فيه الأمر بقتل طائفة منهم وصلب آخرين وقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم؛ وكان على الكتاب طبع خاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان على جمله، فلما رجعوا جاءوا بالكتاب إلى المدينة وداروا به على الناس، فكلم الناس عثمان في أمر الكتاب؛ فقال عثمان ما معناه: إنه دلس عليه الكتاب ثم قال: والله لا كتبته ولا أمليته ولا دريت بشيء من ذلك والخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون وكذبه الكاذبون في ذلك؛ واستمر عبد الله بن أبي سرح على عمله على كرهٍ من المصريين إلى أن خرج من مصر متوجهًا إلى عثمان بعد أن استخلف عليها عقبة بن عامر الجهني وقتل عثمان ﵁ واستخلف علي ﵁، فعزل عبد الله بن أبي سرح هذا عن مصر وولاها لقيس بن سعد بن عبادة ﵄؛ ثم استولى على مصر جماعة من قبل علي بن أبي طالب وقاتلوا عقبة بن عامر على ما سيأتي ذكره بعد أن نذكر من توفي في أيام ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح هذا على مصر كما هو عادة كتابنا
[ ١ / ٨١ ]
هذا، وكان عزل عبد الله بن أبي سرح عن مصر في سنة ست وثلاثين بعد أن حكمها نحوًا من عشر سنين.
وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح صاحب الترجمة فلم أقف له على خبر بعد ذلك، غير أن بعض المؤرخين ذكروا أنه توفي بفلسطين في سنة ست وثلاثين المذكورة، ويقال غير ذلك أقوال كثيرة؛ منها:
قال الحافظ شهاب الدين بن حجر العسقلاني في الإصابة: روى الحاكم من طريق السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة أمن النبي ﷺ الناس كلهم إلا أربعة نفر وامرأتين: عكرمة وابن خطل ومقيس بن صبابة وابن أبي سرح، وذكر الحديث، قال: فأما عبد الله فاختبأ عند عثمان فجاء به عثمان حتى أوقفه على النبي ﷺ وهو يبايع الناس، فقال:
يا رسول الله، بايع عبد الله، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن مبايعته فيقتله» .
ومن طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن سعد ابن أبي سرح يكتب للنبي ﷺ، فزين له الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله ﷺ أن يقتل (يعني يوم الفتح) فاستجار بعثمان، فأجاره النبي ﷺ. أخرجه أبو داود.
وروى ابن سعد من طريق ابن المسيّب قال: كان رجل من الأنصار نذر إن رأى ابن أبي سرح أن يقتله، فذكر نحوًا من حديث مصعب بن سعد عن أبيه.
وروى الدار قطنىّ من حديث سعيد بن يربوع المخزومي نحو ذلك؛ ومن طريق الحكم بن عبد الله عن قتادة بن أنس بمعناه؛ وأوردها ابن عساكر من حديث
[ ١ / ٨٢ ]
عثمان بن عفان أيضًا؛ وأفاد سبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان»: أن الأنصاري الذي قال: فهلّا أو مأت إلينا، هو عباد بن بشر، ثم قال: وقيل: إن الذي قال هو عمر.
وقال ابن يونس: شهد فتح مصر واختط بها، وكان صاحب الميمنة في الحرب مع عمرو بن العاص في فتح مصر، وله مواقف محمودة في الفتوح، وأمره عثمان على مصر، ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان ولم يبايع لأحد، ومات بها سنة ست وثلاثين، وقيل: كان قد سار من مصر إلى عثمان واستخلف السائب بن هشام بن عمرو فبلغه قتله، فرجع فتغلب على مصر محمد بن أبي حذيفة فمنعه من دخولها، فمضى إلى عسقلان، وقيل إلى الرملة، وقيل بل شهد صفين، وعاش إلى سنة سبع وخمسين ذكره ابن منده.
وقال البغوي «١»: له عن النبي ﷺ حديث واحد وخرجه، ووقع لنا بعلو في المعرفة لابن منده. انتهى كلام ابن حجر باختصار، وتأتي بقية ترجمة ابن أبي سرح هذا في حوادث سنيه.
*** السنة الأولى من ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر وهي سنة خمس وعشرين من الهجرة- فيها في قول سيف عزل عثمان سعدًا عن الكوفة؛ وفيها سار الجيش من الكوفة وعليهم سليمان بن ربيعة إلى برذعة، فقتل وسبى؛ وفيها حج بالناس عثمان بن عفان ﵁.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ستة أذرع واثنا عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعًا وخمسة أصابع.
[ ١ / ٨٣ ]
*** السنة الثانية من ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر وهي سنة ست وعشرين من الهجرة- فيها فتحت سابور وكان أمير الجيش عثمان بن أبي العاص الثقفي، صالحهم على ثلاثة آلاف ألف وثلثمائة ألف؛ وفيها زاد عثمان ابن عفان ﵁ في المسجد الحرام ووسعه واشترى الزيادة من قوم وأبى آخرون، فهدم عليهم ووضع الأثمان في بيت المال، فصاحوا بعثمان، فأمر بهم إلى الحبس وقال: ما جرأكم علي إلا حلمي، وقد فعل هذا عمر فلم تصيحوا عليه؛ وفيها حج عثمان بن عفان بالناس.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعًا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعًا وأربعة أصابع، وقيل خمسة عشر إصبعًا.
*** السنة الثالثة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة سبع وعشرين- فيها توفي عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول، وكنيته أبو يحيى، وقيل: أبو الحارث، صحابي شهد بدرًا؛ وفيها فتحت الأندلس «١»، وكان أمير الجيش عبد الله بن الحصين وعبد الله بن عبد القيس، أتياها من قبل البحر، كتب إليهما عثمان ﵁ يقول: إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح قسطنطينية في الأجر آخر الزمان والسلام. قال ابن جرير: قال بعضهم وفي هذه السنة غزا معاوية قبرس. وقال الواقدي: كان ذلك في سنة ثمان وعشرين. وقال أبو معشر: غزاها معلوية
[ ١ / ٨٤ ]
سنة ثلاث وثلاثين والله أعلم. وقال الواقدي: في هذه السنة فتحت اصطخر ثانيًا على يدى عثمان بن أبي العاص. وقال الذهبي: فيها غزا معاوية قبرس وكان معه عبادة بن الصامت وزوجة عبادة أم حرام بنت ملحان الأنصارية فاستشهدت، كان النبي ﷺ يغشاها ويقيل عندها وبشرها بالشهادة؛ وفيها صالح عثمان بن أبي العاص أهل أرجان على ألفي ألف ومائتى ألف، وصالح أهل دارابجرد على ألف ألف وثمانين ألفًا؛ وفيها غزا أمير مصر ابن أبي سرح صاحب الترجمة إفريقية حسبما تقدم، وكان معه عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو ابن العاص وعبد الله بن الزبير بن العوام، وكان المسلمون في عشرين ألفًا، وكان العدو (يعني جرجير) في مائتي ألف مقاتل، وفتح الله وغنم المسلمون شيئًا كثيرًا؛ وفيها حج بالناس عثمان ﵁.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعًا وخمسة عشر إصبعًا.
*** السنة الرابعة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة ثمان وعشرين- فيها فتحت قبرس على يد معاوية، قاله الذهبي في قول، وكان عمر بن الخطاب ﵁ منع المسلمين من الغزو في البحر شفقة عليهم، فلما ولي عثمان استأذنه معاوية فأذن له ففتح الله على يده؛ وفيها غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم، قاله الواقدي، وفيها غزا الوليد بن عقبة أذربيجان. فصالحهم مثل صلح حذيفة؛ وفيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ثلاثة عشر ذراعًا وثمانية عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعًا.
[ ١ / ٨٥ ]
*** السنة الخامسة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة تسع وعشرين- فيها افتتح عبد الله بن عامر اصطخر، في قول، عنوة فقتل وسبى، وكان على مقدمته عبد الله بن معمر بن عثمان التيمي وكلاهما صحابي؛ وفيها عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة بعد عمالة ست سنين، وقيل ثلاث، وولى عليها عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وهو ابن خال عثمان؛ وجمع له بين جند أبي موسى وجند عثمان بن أبي العاص، وله من العمر خمس وعشرون سنة فأقام بها ست سنين؛ وفيها وسع عثمان بن عفان مسجد النبي ﷺ وبناه بالقصّة (وهى الكلس) كان يؤتى به من نخلة، والحجارة المنقوشة وجعل عمده حجارة مرصعة وسقفه بالساج، وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه ستة على ما كانت عليه في زمن عمر بن الخطاب ﵁؛ وفيها حج بالناس عثمان بن عفان ﵁ وضرب له بمنى فسطاط، فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى، وأتم الصلاة عامه هذا، فأنكر ذلك عليه غير واحد من الصحابة كعلي وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود؛ وفيها نقضت أذربيجان فغزاهم سعيد بن العاص حتى افتتحها ثانيًا؛ وفيها فتحت أصبهان؛ وفيها عزل عثمان الوليد بن عقبة بن أبي معيط عن الكوفة وولاها سعيد بن العاص.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم خمسة أذرع وستة عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعًا وثمانية عشر إصبعًا.
*** السنة السادسة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة ثلاثين بعد الهجرة- فيها افتتح عبد الله بن عامر مدينة هور من أرض فارس وغنم منها شيئًا كثيرا،
[ ١ / ٨٦ ]
ثم افتتح عبد الله المذكور أيضًا بلادًا كثيرة من أرض خراسان، ثم افتتح نيسابور صلحًا، ويقال عنوة، ثم صالح أهل سرخس على مائة وخمسين ألفًا، وصالح أهل مرو على ألفي ألف ومائتي ألف، ولما فتح عبد الله بن عامر هذه البلاد الواسعة كثر الخراج على عثمان وأتاه المال من كل وجه حتى اتخذ الخزائن وزاد الأرزاق؛ وفيها نقض أهل خراسان وتجمعوا، فنهض لقتالهم الأحنف بن قيس وقاتلهم حتى هزمهم، وكانت وقعة مشهورة؛ وفيها توفي الطفيل بن الحارث بن عبد المطلب المطلبي، وهو أخو عبيدة بن الحارث والحصين بن الحارث، وكان ممن شهد بدرًا مع النبي ﷺ؛ وفيها توفي أبي بن كعب في قول الواقدي، وقد تقدم، وهذا أثبت الأقوال في موته؛ وفيها توفي حاطب بن أبي بلتعة اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزى، وهو صحابي شهد بدرًا ﵁؛ وفيها توفي عبد الله بن كعب بن عمرو المازني الأنصاري البدري أيضًا، كنيته أبو الحارث وقيل أبو يحيى، شهد بدرًا وكان على الخمس يوم بدر ﵁؛ وفيها توفي عياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال أبو سعد القرشي، كان أيضًا ممن شهد بدرًا والمشاهد بعدها، هكذا قال ابن سعد وفرق بينه وبين ابن أخيه عياض ابن غنم بن زهير الفهري أمير الشام المتوفى سنة عشرين؛ وفيها توفي معمر بن أبي سرح، واسمه ربيعة بن هلال القرشي الفهري أبو سعيد، وقيل اسمه عمرو، وهو أيضًا ممن شهد بدرًا؛ وفيها توفي مسعود بن ربيعة، وقيل ابن الربيع أبو عمير القاري، والقارة حلفاء بني زهرة، وهو أيضًا ممن شهد بدرًا وغيرها ﵁.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم أربعة أذرع وستة عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعًا وإحدى وعشرون إصبعًا.
[ ١ / ٨٧ ]
*** السنة السابعة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة إحدى وثلاثين من الهجرة- فيها توفي أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي القرشي، أسلم أبو سفيان يوم الفتح وشهد حنينًا وأعطاه النبي ﷺ من الغنائم مائة من الإبل وأربعين أوقية، وقد فقئت عينه يوم الطائف، ثم شهد غزوة اليرموك، وفيها توفي أبو الدرداء، واسمه عويمر بن يزيد، وقيل عبد الله بن قيس بن ثعلبة بن أمية بن مالك بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج الأنصاري الصحابي المشهور ﵁؛ وفيها توفي نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي، كنيته أبو سلمة له صحبة ورواية ﵁؛ وفيها توفي كسرى ملك فارس وهو يزدجرد بن شهريار، وسبب هلاكه أنه هرب من كرمان إلى مرو فلم يتم له ذلك، فخرج أيضًا هاربًا إلى أن نزل برجل ينقر الأرحاء فأوى إليه، فقتله الرجل وأخذ ما عليه من الجواهر.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعًا واثنا عشر إصبعًا.
*** السنة الثامنة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة اثنتين وثلاثين- فيها سار عبد الله بن عامر من البصرة إلى المشرق فافتتح بها بلادًا كثيرة: الطالقان وجرجان وبلخ وطخارستان، وكان على مقدمته الأحنف بن قيس، وقيل بل جهز عبد الله بن عامر الأحنف وأقام هو بالبصرة يمده بالمال والرجال؛ وفيها غزا عبد الرحمن بن ربيعة بلنجر، وكان صاحبها نازلًا قريبًا من باب الأبواب وبعث يطلب من سعيد بن العاص المدد فأمده بحبيب بن مسلمة الفهري فأبطأ حبيب على
[ ١ / ٨٨ ]
عبد الرحمن فسار عبد الرحمن نحو بلنجر المذكورة وحصرها؛ وفيها توفي أبو ذر «١» الغفاري، واسمه جندب بن جنادة بن كعيب بن صعير بن الوقعة بن حرام بن سفيان بن عبيد ابن حرام، كان من أحد السابقين الأولين وكان خامسًا في الإسلام ﵁:
وفيها توفي العباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو الفضل، عم النبي ﷺ، وولد قبل النبي ﷺ بسنتين أو بثلاث، أسلم بعد وقعة بدر ﵁، وقد استسقى به عمر بن الخطاب في أيام خلافته في بعض السنين؛ وفيها توفي عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فأر بن مخزوم بن صاهلة ابن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، أبو عبد الرحمن الهذلي حليف بني زهرة، أسلم قبل عمر، وكان سبب إسلامه مرور النبي ﷺ به وقصته مشهورة، وهو أحد كبار الصحابة ﵁، وهو من السابقين الأولين وشهد بدرًا والمشاهد كلها؛ وفيها توفي عبد الرحمن بن عوف ابن الحارث بن زهرة بن كلاب، أبو محمد القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا للإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى بعد موت عمر لأجل الخلافة؛ وفيها توفي أبو الدرداء عويمر وقد تقدم ذكره، والصحيح أنه توفي في هذه السنة؛ وفيها توفى الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس، عم عثمان ابن عفان ﵁، وأبو مروان بن الحكم، نفاه النبي ﷺ إلى الطائف فدام به إلى أن أستقدمه عثمان في خلافته، وسمي الحكم هذا طريد رسول الله ﷺ ولعينه؛ وفيها توفي سلمان الفارسي، وكنيته أبو عبد الله، ويقال له سليمان الخير، أصله من اصطخر، وقيل من أهل أصبهان، من قرية يقال لها جىّ، وهو من الطبقة الثانية من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، كان
[ ١ / ٨٩ ]
من المهاجرين، شهد بدرا وأحدا؛ وفيها توفي سنان بن أبي سنان بن محصن الأسدي من الطبقة الأولى من الصحابة، كان من المهاجرين، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ؛ وفيها توفي عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدىّ ابن سعد بن سهم، كنيته أبو حذافة، كان ممن هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها، وهو رسول النبي ﷺ إلى كسرى؛ وفيها توفي كعب الأحبار بن نافع الحميري من مسلمي أهل الكتاب، كنيته أبو إسحاق، أسلم على يد أبي بكر الصديق، وقيل على يد عمر ﵄، وهو من الطبقة الأولى من التابعين؛ وفيها توفي أبو مسلم الجبلي (بالجيم) وهو من جبل صيدا بساحل دمشق، أدرك رسول الله ﷺ وأسلم على يد أبي بكر الصديق ﵁، وقيل بعد ذلك، وهو من الطبقة الأولى من التابعين؛ وفيها توفي معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي الأزدي، حليف بني عبد شمس بن عبد مناف، أسلم بمكة قديمًا وهاجر إلى الحبشة وشهد خيبر ﵁.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعًا وتسعة أصابع.
*** السنة التاسعة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة ثلاث وثلاثين- فيها نفى عثمان ﵁ جماعة من أهل الكوفة إلى الشام كانوا يعيبون عليه ويطعنون فيه ويسبون سعيد بن العاص والي الكوفة، فكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فكتب إليه عثمان يسيرهم إلى الشام، فسيرهم وفيهم عروة بن الجعد البارقي ومالك بن الحارث الأشتر النخعي وجندب بن زهير وعمرو بن الحمق وابن أبي زياد وغيرهم؛ وفيها غزا معاوية بن أبي سفيان بلاد الروم ووصل إلى
[ ١ / ٩٠ ]
حصن المرأة من أعمال ملطية وافتتحه؛ وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية وكانوا نقضوا كما تقدم في ترجمته؛ وفيها بعث عبد الله بن عامر الأحنف ابن قيس إلى خراسان وكانوا أيضًا قد نقضوا العهد فقاتلهم وظفر بهم ولحقه عبد الله ابن عامر فهدم مدينتها؛ وفيها توفي المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الكندي، وكنيته أبو معبد، ويقال له ابن الأسود لأنه كان حالف الأسود بن عبد يغوث في الجاهلية فتبناه، وإنما قيل له الكندي لأن أباه كان حالف كندة، وهو في الصحابة من الطبقة الأولى، كان من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، وكان يقال له فارس الإسلام ﵁.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعًا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعًا واثنا عشر إصبعًا.
*** السنة العاشرة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة أربع وثلاثين- فيها غزا أمير مصر صاحب الترجمة غزوة ذات الصواري وانتصر على الروم حسبما تقدم ذكره؛ وفيها سارت ركائب المنحرفين عن عثمان وكان جمهورهم من أهل الكوفة؛ وفيها توفي إياس بن أبي البكير الكناني حليف بني عدي، كان من المهاجرين، شهد بدرًا هو وإخوته: خالد وعاقل وعامر، ولم يشهد بدرًا إخوة أربعة سواهم، وقد شهد إياس هذا فتح مصر ﵁؛ وفيها توفى عبادة ابن الصامت في قول، وقد تقدم ذكره وهو أحد النقباء ليلة العقبة ومن كبار الصحابة؛ وفيها توفي مسطح بن أثاثة بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي المذكور في حديث الإفك، شهد بدرًا والمشاهد بعدها، وكان فقيرًا ينفق عليه أبو بكر الصديق ﵁؛ وفيها توفي أبو عبس بن جبر بن عمرو الأنصاري الأوسي،
[ ١ / ٩١ ]
واسمه على الأصح عبد الرحمن، وكان اسمه في الجاهلية عبد العزى فغيره رسول الله ﷺ، وهو من الذين قتلوا كعب بن الأشرف اليهودي وشهد بدرًا وغيرها؛ وفيها توفي أبو طلحة الأنصاري، واسمه زيد بن سهل بن الأسود، أحد بني مالك بن النجار، كان من النقباء ليلة العقبة، شهد بدرًا والمشاهد بعدها.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ستة أذرع وتسعة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعًا وستة أصابع.
*** السنة الحادية عشرة من ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر وهي سنة خمس وثلاثين- فيها عزل عبد الله بن أبي سرح عن مصر في قول؛ وفيها كانت غزوة ذي خشب وأمير المسلمين فيها معاوية بن أبي سفيان؛ وفيها كان خروج أمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح من مصر متوجهًا إلى عثمان، واستخلف على مصر عقبة بن عامر الجهني، وقيل السائب بن هشام العامري، وجعل على خراجها سليم بن عتر «١» التجيبي، وكان ذلك في رجب من سنة خمس وثلاثين وسار إلى عثمان فاستمر أمر مصر مستقيمًا إلى شوال من السنة؛ وفيها خرج محمد ابن [أبي «٢»] حذيفة بن عتبة بن ربيعة على عقبة بن عامر خليفة عبد الله بن أبي سرح على مصر، وملك مصر على ما سيأتي ذكره؛ وفيها كانت مقتلة عثمان بن عفان ﵁ في ذي الحجة منها وقصته مشهورة، وقد استوعب ذلك جماعة من المؤرخين في عدة كراريس لا سبيل إلى تلخيصها في هذا المحل، غير أننا نذكر نسبته ومدة خلافته لا غير، فنقول:
[ ١ / ٩٢ ]
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس أمير المؤمنين، أبو عمزو، وقيل أبو عبد الله القرشي الأموي؛ وأمه أروى، هو أحد السابقين الأولين وذو النورين وصاحب الهجرتين وزوج الابنتين، مولده قبل عام الفيل بستة أعوام، وقيل بعده بستة أعوام، وخلفه رسول الله ﷺ في غزوة بدر لمرض زوجته رقية بنت النبي ﷺ فتوفيت بعد بدر بليال، وضرب له النبي ﷺ بسهم من بدر وآجره، ثم زوجه بالبنت الأخرى أم كلثوم.
قال الذهبي: روى عطية عن أبي سعيد قال: رأيت رسول الله ﷺ رافعًا يديه يدعو لعثمان، وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حين جهز جيش العسرة، فصبها في حجر النبي ﷺ فجعل يقلبها بيده ويقول: «ما ضر عثمان بعد اليوم ما عمل» رواه أحمد في مسنده، وفضائله كثيرة يضيق هذا المحل عن ذكر شيء منها.
قلت: بويع عثمان بالخلافة لما مات عمر في ذي الحجة سنة أربع وعشرين من الهجرة، فدام في الخلافة حتى قتل في هذه السنة ﵁، وتولى الخلافة من بعده علي بن أبي طالب ﵁؛ وفيها توفى كعب «١» الأحبار، وكان أسلم في خلافة أبي بكر الصديق، وكان من أوعية العلم؛ وفيها توفي عبادة بن الصامت الأنصاري الصحابي المشهور أحد النقباء مات بالرملة.
أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة وعشرون إصبعًا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبعان.
[ ١ / ٩٣ ]