هو أبو عون، واسمه عبد الله وقيل عبد الملك بن يزيد الأمير أبو عون، أصله من أهل جرجان ولي صلاة مصر وخراجها باستخلاف صالح بن علي بن عبد الله بن العباس له في مستهل شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة، واستمر أبو عون بمصر إلى أن وقع الوباء بها فخرج منها، واستخلف على مصر صاحب شرطته عكرمة بن عبد الله ابن عمرو بن قحزم (وقحزم بفتح القاف وسكون الحاء المهملة وفتح الزاي وبعدها ميم) ثم عاد أبو عون إلى مصر بعد الوباء وأقام بها إلى أن خرج منها ثانيًا إلى دمياط في سنة خمس وثلاثين ومائة، واستخلف على مصر عكرمة أيضًا وجعل على الخراج عطاء بن شرحبيل. وفي هذه السنة خرج القبط عليه بسمنود بالوجه البحري من
[ ١ / ٣٢٥ ]
أعمال مصر فبعث إليهم أبو عون جيشًا فحاربوهم وقتلوهم، وفي أيام أبي عون هذا سكنت أمراء مصر العسكر «١» .
وسببه أنه لما قدم صالح بن علي العباسي وأبو عون هذا بجموعهم إلى مصر في طلب مروان الحمار نزلت عساكرهما الصحراء جنب جبل يشكر الذي هو الآن جامع أحمد بن طولون وكان فضاءً، فلما رأى أبو عون ذلك أمر أصحابه بالبناء فيه فبنوا وبنى هو به أيضًا دار الإمارة ومسجد عوف بجامع «٢» العسكر، وعملت الشرطة «٣» أيضًا في العسكر وقيل لها الشرطة العليا، وإلى جانبها بنى الأمير أحمد بن طولون جامعه «٤» الموجود الآن، وسمي من يومئذ ذلك الفضاء
[ ١ / ٣٢٦ ]
العسكر وصار منزلًا لأمراء مصر من بعد أبي عون وصار العسكر مدينة ذات أسواق ودور عظيمة، وفيه أيضًا بنى الأمير أحمد بن طولون بيمارستانه «١»، وكان البيمارستان المذكور بالقرب من بركة قارون «٢» التي صارت الآن كيمانًا وبعضها بركة على يسار من مشى من حدرة ابن «٣» قميحة يريد قنطرة السد، وعلى هذه البركة بنى كافور الإخشيدي دارًا «٤» صرف عليها مائة ألف دينار وسكنها، وزادت العمائر في العسكر إلى أن ولي أحمد بن طولون وقدم إلى مصر من العراق، فنزل على عادة الأمراء بدار الإمارة بالعسكر، فما زال بها أحمد بن طولون إلى أن بنى القصر والميدان «٥»
[ ١ / ٣٢٧ ]
بالقطائع «١» وتحول إليها، ودام بها إلى أن مات وولي ابنه خمارويه بن أحمد بن طولون وجعل دار الإمارة بالعسكر ديوان الخراج، يأتي ذكر ذلك في ترجمتهما إن شاء الله تعالى.
فلما زالت دولة بني طولون وولي محمد بن سليمان الكاتب الأتي ذكره سكن بدار في العسكر عند المصلى القديمة حيث الكوم المطل الآن على قبر القاضي بكار «٢» بن قتيبة، وما زالت الأمراء بعد ذلك تنزل بالعسكر إلى أن قدم القائد جوهر المعزي من المغرب إلى مصر وبنى القاهرة المعزّية فى سنة ثمان وخمسين وثلثمائة. انتهى أمر العسكر وسبب بنيانه باختصار، وهذا التعريف بالعسكر مقدمة لما يأتي بعد ذلك من سكن أمراء مصر به.
وأما أبو عون فإنه لما أرسل وحارب القبط وقتلهم بسمنود عاد إلى مصر، وبينما هو كذلك في أموره ورد عليه كتاب الخليفة أبي العباس عبد الله السفاح بعزله وولاية صالح بن علي العباسي ثانيًا على مصر على الصلاة والخراج، ومع ذلك ولاية فلسطين أيضًا والغرب، ثم وردت الجيوش من قبل السفاح مع صالح بن علي لغزو المغرب، وكانت ولاية أبي عون على مصر في هذه المرة الأولى ثلاث سنين إلا
[ ١ / ٣٢٨ ]
أربعة أشهر، ويأتي بقية ترجمة أبي عون هذا في ولايته الثانية على مصر إن شاء الله تعالى.
*** السنة الأولى من ولاية أبي عون على مصر وهي سنة أربع وثلاثين ومائة- على أنه حكم مصر أشهرًا من سنة ثلاث وثلاثين ومائة التي ذكرناها فى حوادث صالح بن على. اهـ. فيها (أعني سنة أربع وثلاثين ومائة) تحول الخليفة السفاح من الحيرة ونزل الأنبار وسكنها. وحج بالناس في هذه السنة عيسى بن موسى العباسي. وفيها كانت حروب كثيرة من جهة ملك الصين وغيره كما هي عوائد أوائل الدول، والسفاح مشغول في تمهيد الممالك في هذه السنة والخالية.
وأما عمال السفاح في هذه السنة: على الشأم عبد الله بن علي عم السفاح، وعلى مصر أبو عون صاحب الترجمة، وعلى الجزيرة وأذربيجان أخو الخليفة السفاح، وعلى ديوان الأموال خالد بن برمك، وعلى خراسان أبو مسلم الخراساني، وعلى البصرة سليمان بن علي عم السفاح. وفيها توفي يزيد بن يزيد «١» بن جابر الأزدي، كان من الزهاد الخائفين البكائين، أثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل ﵁. وفيها توفي يونس بن عبيد أبو عبد الله مولى عبد القيس من الطبقة الرابعة من تابعي أهل البصرة، كان يحدث ثم يقول: أستغفر الله ثلاثًا. وفيها كان الطاعون بالري وأعمالها ومات فيه خلق كثير.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وستة عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشرة أصابع.
[ ١ / ٣٢٩ ]
*** السنة الثانية من ولاية أبي عون على مصر وهي سنة خمس وثلاثين ومائة- فيها خلع زياد طاعة الخليفة السفاح بما وراء النهر فتهيأ لحربه أبو مسلم الخراساني، وبعث نصر بن راشد إلى ترمذ «١» ليحصنها، فقاتلته طائفة من الخوارج، وسار أبو مسلم وحارب زياد بن صالح المذكور وقبض عليه.
وذكر الذهبي هذه الواقعة في سنة خمس وثلاثين ومائة. وفيها أيضًا كانت حركة ملك الصين، وكان زياد بن صالح المذكور متولي سمرقند فتهيأ لقتاله وكتب إلى أبي مسلم الخراساني بذلك، ووقع لهم معه أمور وحروب إلى أن انهزم ملك الصين، كل ذلك قبل خروج زياد بن صالح عن الطاعة. وفيها توفيت رابعة «٢» العدوية البصرية الزاهدة العابدة، وكانت مولاة لآل عتيك، وكان سفيان الثوري وأقرانه يتأدبون معها، وكانت رابعة تصلي الليل كله فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعةً خفيفة حتى يسفر الفجر ثم تثب إلى الصلاة وتقول: يا نفس كم تنامين، وإلى كم لا تقومين «٣»؛ يوشك أن تنامين نومة لا تقومين منها إلا بصرخة «٤» .
وفيها قتل سليمان بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي، وكان سليمان مباينًا لمروان الحمار والتجأ لبنى العباس فأمنه السفاح وصار يجالسه، فأرسل إليه أبو مسلم الخراساني يقول: قد بقي من الشجرة الملعونة فرع، في كلام طويل، فلم يلتفت السفاح إلى كلامه فدس أبو مسلم إلى سديف الشاعر مالًا وقال له: قل في هذا المعنى شعرًا، فأنشد سديف المذكور السفاح وأشار إلى سليمان:
[ ١ / ٣٣٠ ]
لا يغرنك ما ترى من رجالٍ إن تحت الضلوع داءً دويا
فضع السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أمويا
فكان ذلك سبب قتله فضرب السفاح عنقه وعنق ولديه وصلبهم. وفيها توفي عطاء الخراساني البجلي أبو عثمان بن أبي مسلم ميسرة مولى المهلب بن أبي صفرة من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، كان عالمًا زاهدًا فقيه أهل خراسان.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع واثنا عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع.