كانت ولايته هذه الثانية على مصر من قبل صالح بن علي العباسي لما توجه إلى فلسطين كما تقدم ذكره، ثم أقره الخليفة أبو جعفر المنصور على إمرة مصر على صد؟؟؟ ها وخراجها معًا، وكان يوم دخول أبي عون المذكور إلى مصر يوم سادس عشرين شهر رمضان من سنة سبع وثلاثين ومائة، وجعل على شرطته عكرمة بن عبد الله وعلى الدواوين عطاء بن شرحبيل، ودام أبو عون على صلاة مصر وخراجها معًا إلى أن قدم الخليفة أبو جعفر المنصور إلى بيت المقدس، فكتب بطلب أبي عون المذكور إلى عنده ببيت المقدس وأمره بأن يستخلف على مصر، فاستخلف أبو عون المذكور عكرمة على الصلاة وعطاء بن شرحبيل على الخراج، وخرج من مصر في النصف من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائة، فلما وصل أبو عون إلى المنصور ببيت المقدس عزله عن إمرة مصر وولى عليها موسى بن كعب، فكانت ولايته
[ ١ / ٣٣٦ ]
هذه الثانية على مصر ثلاث سنين وستة أشهر، ودام أبو عون في صحبة الخليفة أبى جعفر المنصور، وحضر وقعة الراوندية مع المنصور، والراوندية: قوم من أهل خراسان على رأي أبي مسلم صاحب الدعوة يأتي ذكرهم في الحوادث في سنة الواقعة مع المنصور.
*** السنة الأولى من ولاية أبي عون الثانية على مصر وهي سنة ثمان وثلاثين ومائة- فيها بعث أبو جعفر المنصور لقتال ملبد الشيباني خازم بن خزيمة، فسار خازم في ثمانية آلاف فارس، وكان ملبد هذا قد خرج على المنصور من أول خلافته فالتقوا فقتل ملبد بعد حروب كثيرة. وفيها غزا صالح بن علي الروم على دابق «١»، وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمته وأخذ ملطية، وكانت الروم أخذوها من مدة سنين. وفيها حج بالناس الفضل بن صالح بن علي العباسي من الشام من عند أبيه. وفيها توفّى زيد ابن واقد الدمشقي؛ وفيها ظهر عبد الله بن علي العباسي وبعث بالبيعة مع أخيه سليمان متولي البصرة إلى أبي جعفر المنصور فأمنه أبو جعفر المذكور وعفا عنه.
وفيها دخل عبد الرحمن «٢» بن معاوية الأموي إلى الأندلس واستولى عليها وامتدت أيامه وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربعمائة، وكان هرب من بني العباس إلى المغرب ودخل الأندلس، فسمي بعبد الرحمن الداخل، يأتي ذكره وذكر أولاده من بعده في عدة أماكن من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وذكر الذهبي وفاة جماعة كثيرة في هذه السنة، قال: وتوفي زيد بن واقد القرشي بدمشق، وسهيل بن أبي صالح في قولٍ، وسليمان بن فيروز أبو إسحاق
[ ١ / ٣٣٧ ]
الشيباني «١» في قول، والعلاء بن عبد الرحمن المدني، وعبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله المخزومي في قول، وعلقمة بن أبي علقمة في قول، وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب في قول، وليث بن أبي سليم في قول «٢»، والمسور بن رفاعة القرظي المدني.
أمر النيل في هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعًا وسبعة أصابع.
*** السنة الثانية من ولاية أبي عون الثانية على مصر وهي سنة تسع وثلاثين ومائة- فيها حج جعفر بن حنظلة البهراني «٣» فأتى ملطية وهي خراب فعسكر بها، وأقبل الأمير عبد الواحد فنزل على ملطية فزرع أرضها وطبخ كلسًا لبناء سورها، ثم خرج عنها لأمرٍ اقتضى ذلك، فأرسل طائفة الروم من أحرق الزرع. وفيها خرج الأمير صالح بن علي المقدم ذكره والعباس بن محمد فأوغلا في بلاد الروم، وغزتا معهما أم عيسى ولبابة أختا الأمير صالح بن علي المذكور وعمتا المنصور الخليفة، وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن تجاهدا في سبيل الله، وبعد هذا العام لم يكن غزو إلى سنة ست وأربعين ومائة لاشتغال الخليفة المنصور بخروج ابني عبد الله بن الحسن عليه. وفيها عزل المنصور عمه سليمان بن علي عن البصرة وولّى عليها سفيان ابن سعيد. وفيها اختفى عبد الله بن علي وابنه خوفًا على أنفسهما، وعبد الله هذا هو الذي كان خرج على المنصور وأختفي عند أخيه سليمان الذي عزل عن البصرة في هذا العام ثم ظفر به المنصور وسجنه. وفيها حج بالناس العباس ابن أخي المنصور.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وفيها في قول صاحب المرآة: وصل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ابن مروان إلي جزيرة الأندلس وملكها، ويسمى عبد الرحمن الداخل، وكنيته أبو المطرف «١»، وأمه أم ولدٍ وبويع بالأندلس في هذه السنة، وهو أول الخلفاء من بني أمية وأقام عليها ثلاثًا وثلاثين سنة، وقد تقدم ذكر عبد الرحمن هذا في الماضية في قول الذهبي. وفيها وسع الخليفة أبو جعفر المنصور المسجد الحرام مما يلي دار الندوة.
وفيها توفي عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي قاضي دمشق في أيام الوليد بن يزيد. وفيها توفي عمرو بن مهاجر بن دينار أبو عبيد، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الشام.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وأحد عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعًا وعشرون إصبعًا.
*** السنة الثالثة من ولاية أبي عون الثانية على مصر وهي سنة أربعين ومائة- فيها بنى المصيصة «٢» جبريل بن يحيى وسكنها الناس. وفيها ثار جمع من جند خراسان على أميرها أبي داود خالد بن إبراهيم ليلًا حتى وصلوا إلى داره فأشرف عليهم وجعل ينادي أصحابه فانكسرت به آجرة فوقع من أعلى داره فانكسر ظهره ومات من الغد، فبعث الخليفة أبو جعفر المنصور على إمرة خراسان عوضه عبد الجبار بن عبد الرحمن
[ ١ / ٣٣٩ ]
الأزدي، فسار المذكور وقبض على جماعة من أهل خراسان وقتلهم. وفيها توجه الأمير عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد العباسي ابن أخي الخليفة أبي جعفر المنصور إلى ملطية فأقام بها سنة حتى بناها ورم شعثها وأسكنها الناس. وفيها حج بالناس الخليفة أبو جعفر المنصور وعاد من الحج فزار بيت المقدس وسلك الشأم في طريقه ونزل الرقة فقتل بها منصور بن جعفر العامري ثم سار إلى الهاشمية وهي مدينة الكوفة وأمر بالشروع فى بناء مدينة بغداد واختطّها.
وذكر الذهبي بناء بغداد في سنة خمس وأربعين ومائة قال: وفي هذه السنة أسست مدينة السلام بغداد وهي التي تدعى مدينة المنصور، سار المنصور يطلب موضعًا يتخذه بلدًا فبات ليلةً موضع القصر، فطاب له المبيت ولم ير إلا ما يحب، فقال: ها هنا ابنوا فإنه طيب ويأتيه مادة الفرات ودجلة والأنهار، فخط بغداد ووضع أول لبنة بيده وقال: بسم الله وبالله والحمد لله ابنوا على بركة الله؛ وسأل راهبًا هناك عن أمر الأرض وصحتها وقال: هل تجدون في كتابكم «١» أن تبنى ها هنا مدينة؟ قال: نعم؛ يبنيها مقلاص «٢»، قال: فأنا «٣» كنت أدعى بذلك، وطلب المنصور الصناع والفعلة من البلاد وأحضر المهندسين والحكماء والعلماء، وكان فيمن أحضر حجاج بن أرطاة وأبو حنيفة، ورسمت له بالرماد سورها وأبوابها وأسواقها، ثم بنيت حتى كمل المهم منها في عام والباقي في أربع سنين، وكانت بقعة بغداد مزرعة تدعى المباركة لستين نفسا فعوّضهم المنصور عنها وأرضاهم، وقيل: إنه ليس في الدنيا مدينة مدورة سواها، وعمل في وسطها دار المملكة بحيث إنه إذا كان في قصره كان
[ ١ / ٣٤٠ ]
جميع أطراف البلد إليه سواء، وسكنها المنصور ونقل إليها خزائنه، وقيل سعتها مائة وثلاثون جريبًا، وأنفق عليها مائة «١» ألف ألف درهم.
وقال بدر المعتضدي قال لنا أمير المؤمنين: انظروا كم سعة مدينة المنصور؟
فحسبنا فإذا هي ميلان مكسران في ميلين، وقيل: مسافة ما بين كل باب وباب ألف ومائتا ذراع، وكلها مبنية بالآجر واللبن، واللبنة ذراع في ذراع، وزنتها مائة رطل وسبعة عشر رطلًا. ولها أربعة أبواب بين الباب والباب ثمانية وعشرون برجًا وعليها سوران، ثم بنى الجامع والقصر، وفي صدر القصر القبة الخضراء، ارتفاعها ثمانون ذراعًا، ودامت حتى سقط رأسها في ليلة مطر ورعد في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة؛ وكان لا يدخل هذه المدينة أحد راكبًا سوى المنصور وابنه محمد المهدي «٢» .
وقال الصولي قال أحمد «٣» بن أبي طاهر: ذرع بغداد- يعني الجديدة- ذرع الجانبين ثلاثة وخمسون ألف جريب، وفي نسخة أخرى غير رواية الصولي:
أنها من الجانبين ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبعمائة، قال الصولي وذكر ابن أبي طاهر: أن عدد حماماتها كانت ذلك الوقت ستين ألفًا، وقال: أقل ما يدير «٤» كل حمام خمسة أنفس، وذكر أن بإزاء كل حمام خمسة مساجد.
قال الذهبي: وكذا نقل الخطيب في تاريخه، وما أعتقد أنا هذا قط ولا عشر ذلك، ثم قال الخطيب: حدّثنى هلال بن الحسن «٥» قال: كنت بحضرة جدّى إبراهيم
[ ١ / ٣٤١ ]
ابن هلال الصابي فقال تاجر: يذكر أن ببغداد اليوم ثلاثة آلاف حمام فقال جدي:
سبحان الله! هذا سدس ما كنا عددناه وحصرناه زمن الوزير المهلبي، ثم كانت في دولة عضد الدولة بن بويه خمسة آلاف. ونقل ابن خلكان أن استكمال بغداد كان في سنة تسع وأربعين ومائة، وهي بغداد القديمة التي بالجانب الغربي على دجلة، وبغداد اليوم هي الجديدة بالجانب الشرقي؛ وفيها دار الخلافة. انتهى كلام الذهبي وغيره باختصار. وقد خرجنا عن المقصود في هذا الكتاب لكثرة الفوائد. وفيها توفي منصور بن جعونة بن الحارث بن خالد العامري كان ممن خرج على بني العباس وامتنع عن بيعتهم.
وذكر الذهبي وفاة جماعة في هذه السنة قال: وفيها توفي أيوب أبو العلاء القصاب، وداود «١» بن أبي هند في أولها، وأبو حازم سلمة «٢» بن دينار الأعرج، وسهيل ابن أبي صالح، وسعد بن إسحاق بن كعب، وصالح بن كيسان، وعروة بن رويم.
وقيل: وفيها توفي عمارة بن غزية الأنصاري، وعمرو «٣» بن قيس السكوني الحمصي.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعًا وعشرون إصبعا ونصف.