وفي ولاية الأشتر هذا على مصر قبل محمد بن أبي بكر الصديق اختلاف كثير، حكى جماعة كثيرة من المؤرخين وذكروا ما يدل على أنّ ولاية محمد بن أبي بكر كانت هي السابقة بعد عزل قيس بن سعد بن عبادة، وجماعة قدموا ولاية الأشتر هذا، ولكل منهما استدلال قوي، والذين قدموا الأشتر هم الأكثر، وقد رأيت في عدة كتب ولاية الأشتر هي المقدمة فقدّمته لذلك.
[ ١ / ١٠٢ ]
والأشتر اسمه مالك بن الحارث، قال أبو المظفر في مرآة الزمان: قال علماء السيرة كابن إسحاق وهشام والواقدي قالوا: لما اختل أمر مصر على محمد بن أبي بكر الصديق وبلغ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: ما لمصر إلا أحد الرجلين، صاحبنا الذي عزلناه عنها- يعني قيس بن سعد بن عبادة- أو مالك ابن الحارث- يعني الأشتر هذا.
قلت: وهذا مما يدل على أن ولاية محمد بن أبي بكر الصديق كانت هي السابقة، اللهم إلا إن كان لما اختل أمر مصر على محمد عزله علي ﵁ بالأشتر، ثم استمر محمد ثانيًا بعد موت الأشتر على عمله حتى وقع من أمره ما سنذكره، وهذا هو أقرب للجمع بين الأقوال لأن الأشتر توفي قبل دخوله إلى مصر والله أعلم؛ وكان علىّ ﵁ حين انصرف من صفين رد الأشتر إلى عمله على الجزيرة وكان عاملا عليها، فكتب إليه وهو يومئذ بنصيبين: سلام عليك يا مالك، فإنك ممن استظهرتك على إقامة الدين؛ وكنت قد وليت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه خوارج، وهو غلام حدث السن غر ليس بذي تجربة للحرب ولا مجرب للأشياء، فاقدم علي لننظر في ذلك كما ينبغي واستخلف على عملك أهل الثقة والنصفة من أصحابك والسلام. فأقبل مالك- أعني الأشتر- على علي ﵁ فأخبره بحديث محمد وما جرى عليه، وقال: ليس لها غيرك، فاخرج رحمك الله فإني إن لم أوصك اكتفيت برأيك فاستعن بالله على ما أهمك، واخلط الشدة باللين وارفق ما كان الرفق أبلغ. فخرج الأشتر من عند علي وأتى رحله وتهيأ للخروج إلى مصر، وكتب عيون معاوية إليه بولاية الأشتر على مصر فشق عليه وعظم ذلك لديه، وكان قد طمع في مصر وعلم أن الأشتر متى قدمها كان أشد عليه، فكتب معاوية إلى الخانسيار «١»
[ ١ / ١٠٣ ]
(رجل من أهل الخراج، وقيل كان دهقان القلزم) يقول: إن الأشتر واصل إلى مصر قد وليها، فإن أنت كفيتني إياه لم آخذ منك خراجًا ما بقيت، فأقبل لهلاكه بكل ما تقدر عليه؛ فخرج الخانسيار حتى قدم القلزم فأقام به، وخرج الأشتر من العراق يريد مصر حتى قدم إلى القلزم فاستقبله الخانسيار فقال له: انزل فإني رجل من أهل الخراج وقد أحضرت ما عندي، فنزل الأشتر فأتاه بطعام وعلف وسقاه شربة من عسل جعل فيها سمًا، فلما شربه مات، وبعث الخانسيار [من «١»] أخبر بموته معاوية، فلما بلغ معاوية وعمرو بن العاص موت الأشتر قال عمرو بن العاص:
إن لله جنودًا من عسل.
وقال ابن الكلبي عن أبيه: لما سار الأشتر إلى مصر أخذ في طريق الحجاز فقدم المدينة، فجاءه مولى لعثمان بن عفان يقال له نافع، وأظهر له الود وقال له:
أنا مولى عمر بن الخطاب، فأدناه الأشتر وقرّ به ووثق به وولاه أمره، فلم يزل معه إلى عين شمس (أعني المدينة الخراب خارج مصر بالقرب من المطرية) وفيها ذلك العمود المذكور في أول أحوال مصر من هذا الكتاب، فلما وصل إلى عين شمس تلقاه أهل مصر بالهدايا؟؟؟ وسقاه نافع المذكور العسل فمات منه.
وقال ابن سعد: إنه سم بالعرش؛ وقال الصوري: صوابه بالقلزم؛ وقال أبو اليقظان: كان الأشتر قد ثقل على أمير المؤمنين علي أمره، وكان متجريا عليه مع شدة محبته له.
وحكي عن عبد الله بن جعفر قال: كان علي قد غضب على الأشتر وقلاه واستثقله، فكلمني أن أكلمه فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين، وله مصر فإن ظفروا به استرحت منه فولاه، وكانت عائشة ﵂ قد دعت عليه فقالت: اللهم
[ ١ / ١٠٤ ]
ارمه بسهم من سهامك؛ واختلفوا في وفاة الأشتر، فقال ابن يونس: مات مسمومًا سنة سبع وثلاثين، وقال هشام: سنة ثمان وثلاثين في رجب؛ وكان الأشتر شجاعًا مقدامًا، وقصته مع عبد الله بن الزبير مشهورة، وقول ابن الزبير بسببه:
اقتلاني ومالكًا واقتلا مالكًا معي
حتى صار هذا البيت مثلًا.
وشرح ذلك: أن مالك بن الحارث (أعني الأشتر النخعي) كان من الشجعان الأبطال المشهورين، وكان من أصحاب علي وكان معه في يوم وقعة الجمل، فتماسك في الوقعة هو وعبد الله بن الزبير بن العوام، وكان عبد الله أيضًا من الشجعان المشهورين، وكان عبد الله بن الزبير من حزب أبيه، وخالته عائشة أم المؤمنين ﵃، وكانوا يحاربون عليًا ﵁ فلما تماسكا صار كل واحد منهما إذا قوي على الآخر جعله تحته وركب صدره، وفعلا ذلك مرارًا وابن الزبير يقول:
اقتلاني ومالكًا واقتلا مالكًا معي
يريد قتل الأشتر بهذا القول والمساعدة عليه حتى افترقا من غير أن يقتل أحدهما الآخر؛ وقال عبد الله بن الزبير المذكور: لقيت الأشتر النّخعىّ يوم الجمل فما ضربته ضربة إلا ضربني ستًا أو سبعًا، ثم أخذ رجلي وألقاني في الخندق وقال: والله لولا قرابتك من رسول الله ﷺ ما اجتمع منك عضو إلى عضو أبدًا.
وقال ابن قيس: دخلت مع عبد الله بن الزبير الحمام واذا فى رأسه ضربة لو صبّ فيها قارورة لاستقر، فقال: أتدري من ضربني هذه الضربة؟ قلت:
لا، قال: ابن عمك الأشتر النخعىّ.
[ ١ / ١٠٥ ]
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أعطت عائشة ﵂ لمن بشرها بسلامة ابن أختها عبد الله بن الزبير لما لاقى الأشتر عشرة آلاف درهم. وقيل: أن الأشتر دخل بعد ذلك على عائشة ﵂، فقالت له: يا أشتر، أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الوقعة، فأنشد:
أعائش لولا أنني كنت طاويًا ثلاثًا لألفيت ابن أختك هالكا
غداة ينادي والرماح تنوشه بأخر صوتٍ اقتلاني ومالكا
فنجاه مني أكله وسنانه وخلوة جوف لم يكن متمالكا