وليها ثانيًا من قبل السفاح فقدم مصر بجيوش كثيرة من فلسطين لغزو بلاد المغرب، وكان قدومه إلى مصر في يوم خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ومائة، ولما دخل مصر أقر عكرمة على شرطته بالفسطاط وجعل على شرطته بالعسكر يزيد بن هانىء الكندي، وولى أبا عون المعزول عن إمرة مصر جيوش المغرب وقدمه صالح المذكور أمامه إلى نحو إفريقية، وكان خروج أبي عون بجيوشه إلى نحو المغرب في جمادى الآخرة من سنة ست وثلاثين وجهزت المراكب من إسكندرية إلى برقة، وبينما هم في ذلك قدم الخبر بموت أمير المؤمنين عبد الله السفاح في ذي الحجة واستخلاف أبي جعفر المنصور، فأقر أبو جعفر المنصور عمه صالح بن علي هذا على عمل مصر على عادته وكتب إلى أبي عون بالرجوع عن غزو إفريقية، فأرسل صالح إلى أبي عون بالخبر، فأقام أبو عون ببرقة أحد عشر شهرًا ثم عاد إلى مصر بجيشه، فجهزه صالح هذا إلى فلسطين لحرب الخوارج بها، فسار أبو عون وحاربهم وهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمةً، وسير إلى مصر
[ ١ / ٣٣١ ]
منهم ثلاثة آلاف رأس، ثم خرج صالح بن علي بعد ذلك من مصر إلى فلسطين واستخلف ابنه الفضل على صلاة مصر، فسافر حتى بلغ بلبيس ثم رجع إلى مصر وأقام بها إلى أن خرج منها ثانيًا لأربع خلون من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين ومائة فلقى أبا عون فأمره على صلاة مصر وخراجها معًا ومضى إلى فلسطين، ودخل أبو عون الفسطاط لأربع بقين من شهر رمضان من سنة سبع وثلاثين ومائة وسكن العسكر ودام على إمرة مصر، واستمر صالح بن علي بفلسطين إلى أن أمره المنصور بالتوجه لغزو الروم في سنة ثمان وثلاثين ومائة فخرج صالح حتى نزل مرج دابق، وأقبلت جيوش الروم مع ملكهم قسطنطين في مائة ألف، فلقيه صالح هذا بالمسلمين ونصره الله تعالى على الروم فقتل منهم وسبى وغنم، ثم حج بالناس في سنة إحدى وأربعين ومائة ثم غزا الروم والصائفة غير مرة، وهو الذي بنى حصن دابق ومات وهو عامل حمص بقنسرين، وقيل مات بعين أباغ «١»، وقد بلغ ثمانيًا وخمسين سنة، واستخلف ابنه الفضل على حمص فأقره الخليفة أبو جعفر المنصور على ذلك، وكان صالح صالحًا فاضلًا، وله رواية أسند عن أبيه، وروى عنه ابناه إسماعيل وعبد الملك، وهو عم السفاح والمنصور.
*** السنة الأولى من ولاية صالح بن علي العباسي الثانية على مصر وهي سنة ست وثلاثين ومائة- على أن أبا عون حكم منها أشهرًا على مصر. فيها بايع أهل دمشق هاشم بن يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان لما بلغهم موت السفاح. وحكى الذهبي ذلك في سنة سبع وثلاثين ومائة اهـ، فتوجّه صالح ابن علي من فلسطين بالجيوش إلى الشام، فلما أظلهم صالح بالجيوش وهربوا ملك
[ ١ / ٣٣٢ ]
صالح الشام بعد أمور صدرت. وفيها دعا عبد الله بن علي العباسي عم السفاح لنفسه وقال: إن السفاح قال: من انتدب لمروان الحمار فهو ولي عهدي من بعدي، وعلى هذا خرجت، فلما بلغ الخليفة أبا جعفر المنصور ذلك قال لأبي مسلم الخراساني: فإنما هو أنا وأنت؛ فسار أبو مسلم نحو عبد الله بن علي المذكور فوقع له معه وقعة هائلة كاد أن ينهزم فيها أبو مسلم، ثم كان النصر له وانهزم عبد الله ابن علي، فلما بلغ المنصور ذلك بعث لأبي مسلم الخراساني بولاية مصر والشأم معًا فأظهر أبو مسلم الغضب وقال: يوليني مصر والشام وأنا لي خراسان! وعزم على الشر، وقيل: بل شتم المنصور لما جاءه من عنده من يحصي الغنائم، وأجمع على الخلاف ثم طلب خراسان، وخرج المنصور إلى المدائن وكتب إلى أبي مسلم ليقدم عليه في طريقه، فرد عليه الجواب: إنه لم يبق لأمير المؤمنين عدو، وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان «١» أنه أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء؛ فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، فإن أرضاك ذلك فإنا أحسن عبيدك، وإن أبيت نقضت ما أبرمت من عهدك «٢» . فرد عليه المنصور الجواب يطمنه مع جرير بن يزيد البجلي، وكان واحد وقته فخدعه.
وأما عبد الله بن علي وأخوه عبد الصمد، فقصد عبد الصمد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فأمنه المنصور، وتوجه عبد الله بن علي إلى أخيه سليمان بن علي متولي البصرة فاختفى عنده، والصحيح أن هذه الفتنة كان ابتداؤها في أواخر هذه السنة غير أن الوقعة والهرب كانا في سنة سبع وثلاثين ومائة. وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين أبو العباس عبد الله السفاح بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي، أول خلفاء بني العباس، مات في ذي الحجة وله ثلاث وثلاثون
[ ١ / ٣٣٣ ]
سنة، وكانت خلافته أربع «١» سنين، فإنه ولي في سنة اثنتين وثلاثين ومائة قبل قتل مروان الحمار، وبه كان انقراض دولة بني أمية، وكان أبوه محمد بن علي، بويع بالخلافة قبل موته بسنتين «٢» فلم يتم أمره، وعهد عند موته لابنه السفاح «٣» هذا قبل أبي جعفر المنصور، وكان أسن من السفاح ولما مات [السفاح «٤»] هذا، ولي أخوه أبو جعفر المنصور الخلافة من بعده.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعًا وثمانية أصابع.
*** السنة الثانية من ولاية صالح بن علي العباسي على مصر وهي سنة سبع وثلاثين ومائة- فيها قدم الخليفة أبو جعفر المنصور الكوفة وتأخر بعده أبو مسلم الخراساني بأيام؛ وكانا تلك السنة معًا في الحج فأتاهما الخبر بموت السفاح وبخلافة المنصور. وقد ذكرنا خروج عبد الله بن علي العباسي على أبي جعفر المنصور في العام الماضى وهو وهم، وإن كان خروجه كان في آخر السنة الماضية فما واقعه أبو مسلم إلا في هذه السنة. اهـ. وفيها حج بالناس إسماعيل بن علي وهو أمير الموصل، وكان أمير المدينة في هذه السنة زياد بن علي، وأمير مكة العباس بن عبد الله، ومات في آخر السنة، فأضاف أبو جعفر المنصور مكة إلى زياد، وكان على
[ ١ / ٣٣٤ ]
الكوفة عيسى بن موسى العباسي، وعلى البصرة سلمان بن علي عم المنصور، وعلى خراسان أبو داود، وعلى مصر صالح صاحب الترجمة، وعلى الجزيرة حميد بن قحطبة.
وفيها قتل الخليفة أبو جعفر المنصور أبا مسلم الخراساني وولى أبا داود خالد بن إبراهيم خراسان عوضه، واسم أبي مسلم عبد الرحمن وهو صاحب دعوة بني العباس وأحد من قام بأمرهم حتى تم له ذلك ووطأ لهم البلاد وقتل العباد وقصة قتلته تطول. وكان أبو مسلم شابًا جبارًا مقدامًا شجاعًا عارفًا صاحب رأي وتدبير ودهاء ومكر وعقل وحذق، قيل إنه كان يجامع في السنة مرة واحدة مع كثرة جواريه، فقيل له في ذلك، فقال: يكفي الشخص أن يتجنن في السنة مرة. ويحكى أن أبا جعفر المنصور لما قتله أدرجه في بساط وطلب جعفر بن حنظلة، فقال أبو جعفر المنصور: ما تقول في أمر أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل، فقال المنصور: وفقك الله ها هو في البساط، فلما نظر إليه قتيلًا قال: يا أمير المؤمنين، هذا أول «١» خلافتك، فأنشد المنصور:
فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينًا بالإياب المسافر «٢»
ثم أنشد المنصور ثانيًا وبين يديه وجوه دولته وأعوان مملكته وأعيانها وأقاربه:
زعمت أن الدين لا يقتضى فاستوف بالكيل أبا مجرم
اشرب بكأس كنت تسقي بها أمر في الحلق من العلقم
واختلف في اسم أبي مسلم واسم أبيه، فقيل: اسمه عبد الرحمن بن مسلم بن شقيرون بن إسفنديار، وقيل: عبد الرحمن بن عثمان بن يسار، وقيل: عبد الرحمن
[ ١ / ٣٣٥ ]
ابن محمد، وسماه أبو بكر الخطيب إبراهيم بن عثمان بن يسار بن سدوس بن جودر «١» من ولد يزدجرد «٢»، وقيل: إنما سماه عبد الرحمن الإمام إبراهيم بن محمد بن علي العباسي، وكناه: أبا مسلم، وكانت كنيته: أبا اسحاق، وكان مولده سنة مائة بأصبهان. اهـ. وفيها توفي صفوان بن صالح بن صفوان أبو عبد الملك الدمشقي الثقفى ولد سنة ست وسبعين، وكان فقيهًا زاهدًا عابدًا، وكان يؤذن بجامع دمشق.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعًا وستة أصابع.