هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، الأمير أبو خالد، وقيل أبو الوليد، الفهمي المصري، أمير مصر لهشام بن عبد الملك بن مروان، وكان استخلفه الوليد بن رفاعة قبل موته على صلاة مصر، وكان قبل ذلك أيضًا ولي شرطتها مدة سنين، فلما مات الوليد بن رفاعة أقره الخليفة هشام على إمرة مصر عوضًا عن الوليد بن رفاعة على الصلاة، وكان ذلك في جمادى الآخرة من سنة سبع عشرة ومائة، ولما تم أمره جعل على شرطته عبد الله بن بشار الفهمي. وكان في عبد الرحمن هذا لين.
وفي ولايته على مصر نزلت الروم بنواحى مصر وأسروا منها خاتما كثيرًا، فلما بلغ هشامًا ذلك عزله عن إمرة مصر وأعاد حنظلة بن صفوان ثانيًا على مصر، وذلك في سنة ثمان عشرة ومائة، فكانت مدة ولايته على مصر سبعة أشهر وخمسة أيام.
وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في كتابه «تذهيب التهذيب» بعد ما قال أمير مصر لهشام: والليث بن سعد أحد مواليه، قال: روى عن الزهري وروى عنه الليث بن سعد ويحيى بن أيوب. قال ابن معين: كان عنده عن الزهرىّ كتاب فيه مائتا حديث أو ثلثمائة حديث كان الليث يحدث بها عنه. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن يونس: ولي مصر سنة ثمان عشرة ومائة وعزل سنة تسع عشرة ومائة. قلت:
والذي ذكرناه في تاريخ ولايته وعزله هو الأشهر. قال: وكان ثبتًا في الحديث، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة. اهـ.
[ ١ / ٢٧٧ ]
وقيل: إن سبب عزله عن مصر أن دعاة بني العباس أرسلوا إليه سرًا، فأكرمهم ووعدهم، فبلغ ذلك هشامًا فعزله. وكان من أمر دعاة بني العباس أنه وجه بكير ابن ماهان عمار بن زيد «١» إلى خراسان واليًا عليها على شيعة بني العباس، فنزل مرو وغير اسمه وتسمى بخداش ودعا الناس إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فتسارع الناس إليه وأطاعوه، ثم غير ما دعاهم إليه وأظهر دين الخرمية «٢» ورخص لبعضهم في نساء بعض، وقال: إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج، وإن تأويل الصوم أن يضام عن ذكر الإمام فلا يباح باسمه، والصلاة: الدعاء له، والحج: القصد إليه؛ وكان يتأول من القرآن قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
، فنفر من كان أطاعه عنه.
وكان خداش المذكور نصرانيًا بالكوفة وأسلم ولحق بخراسان، وكان ممّن اتبعه على مقالته مالك بن الهيثم والحريش بن سليم الأعجمي وغيرهما وأخبرهم أن محمد بن علي أمره بذلك، فبلغ خبره أسد بن عبد الله القسري فظفر به، فأغلظ القول لأسد فقطع لسانه وسمل عينيه بعد أن سأله عمن وافقه، فذكر جماعةً، منهم أمير مصر عبد الرحمن هذا، وليس ذلك بصحيح، ثم أمر أسد بيحيى بن نعيم الشّيبانىّ فصلب، ثم أتى أسد بحزوّر «٣» مولى المهاجر بن دارة الضّبىّ فضرب عتقه بشاطئ النهر.
[ ١ / ٢٧٨ ]
*** ذكر السنة التي حكم في أولها عبد الرحمن بن خالد ثم في باقيها حنظلة بن صفوان وهي سنة ثمان عشرة ومائة- فيها غزا معاوية ابن الخليفة هشام أرض الروم وقتل وسبى.
وفيها غزا مروان الحمار ناحية ورتنيس «١» وظفر بملكهم وقتل وسبى. وفيها حج بالناس محمد ابن هشام بن إسماعيل وهو أمير المدينة، وقيل: كان هذه السنة على المدينة خالد بن عبد الملك. وفيها توفي علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب أبو محمد الهاشمي المدني العباسي المعروف بالسجاد، كان يصلي كل يوم ألف ركعة، وهو والد الخلفاء العباسية، وكانت كنيته أبا الحسن، فكناه عبد الملك بن مروان أبا محمد، وقال:
لا أحتمل لك الاسم والكنية جميعًا. وكان لعلي هذا أولاد كثيرة وهم: محمد والد الخلفاء، وعيسى وداود وسليمان وإسماعيل وعبد الصمد وصالح وعبد الله. وولد علي هذا في أيام قتل علي بن أبي طالب ﵁ فسمي باسمه. وفيها توفي عبد الله ابن عامر بن يزيد بن تميم أبو عمران اليحصبىّ مقرئ أهل الشأم، قيل: إنه قرأ القرآن على أبي الدرداء وتولى قضاء دمشق بعد أبي إدريس الخولاني، ومات يوم عاشوراء وله سبع وتسعون سنة. وفيها عزل الخليفة هشام بن عبد الملك خالد ابن عبد الله القسري عن المدينة واستعمل عليها محمد بن هشام. وفيها توفي ثابت بن أسلم البناني، وبنانة اسم امرأة كانت تحت سعد بن لؤي بن غالب بن فهر، وهو من الطبقة الثالثة (أعني ثابتًا) من أهل البصرة؛ وكان ثابت من أعبد أهل زمانه، وبه يضرب المثل في العبادة.
[ ١ / ٢٧٩ ]
قال أنس بن مالك ﵁: «إن لكل شيء مفتاحًا وإن ثابتًا من مفاتيح الخير» وكانت عيناه تشبه عيني رسول الله ﷺ؛ فقال له أنس ابن مالك: ما أشبه عينيك بعيني رسول الله ﷺ! فما زال يبكي حتى عمشت.
وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر، قال: وتوفي في هذه السنة أبو صخرة جامع ابن شداد، وحكيم بن عبد الله بن قيس، وأبو عشانة حي بن يؤمن المعافري، وعبادة بن نسي الكندي، وعبد الله بن عامر مقرئ الشأم.
قلت: هو الذي ذكرناه آنفًا. قال: وعبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، وعبد الرحمن بن سابط الجمحي (بضم الجيم نسبة لبني جمح) وعثمان بن عبد الله بن سراقة المدني، وعلي بن عبد الله بن العباس الهاشمي. قلت: وقد تقدم ذكره في غير هذه السنة. قال: ومعاذ بن عبد الله الجهني، ومعبد بن خالد الجدلي الكوفي، وأبو جعفر محمد بن علي الباقر في قول ابن معين. قلت: وقد تقدم ذكره في غير هذه السنة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وستة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعًا وعشرون إصبعا.