هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي أمير مصر، كنيته أبو الأصبغ، مولده بالمدينة، ثم دخل الشام مع أبيه مروان
[ ١ / ١٧١ ]
وكانت داره بدمشق، هى الدار التى الصوفيّة الآن المعروفة بالسميساطية «١» ثم كانت لابنه عمر بن عبد العزيز بعده. وولي إمرة مصر لأبيه مروان في غرة شهر رجب سنة خمس وستين على الصلاة والخراج معًا بعد ما عهد له بالخلافة بعد أخيه عبد الملك.
وكان السبب في بيعتهما أن عمرو بن سعيد بن العاص لما هزم مصعب بن الزبير، حين وجهه أخوه عبد الله إلى فلسطين، رجع إلى مروان وهو بدمشق، فبلغ مروان أن عمرًا يقول: إن الأمر لي بعد مروان، فدعا مروان حسان بن ثابت فأخبره بما بلغه عن عمرو؛ فقال: أنا أكفيك عمرًا؛ فلما اجتمع الناس عند مروان عشيًا قام حسان فقال: إنه بلغنا أن رجالًا يتمنون أماني، قوموا فبايعوا لعبد الملك ثم لعبد العزيز من بعده، فبايعوا إلى آخرهم. ومات أبوه بعد مدة يسيرة حسبما تقدم ذكره، واستقر أخوه عبد الملك بن مروان في الخلافة من بعده، فأقر عبد العزيز هذا على عمل مصر على عادته. وقد روى عبد العزيز هذا الحديث عن أبيه وعبد الله بن الزبير وعقبة بن عامر وأبي هريرة، وروى عنه ابنه عمر بن عبد العزيز والزهري وعلي بن رباح وجماعة. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال غيره: كان يلحن في كلامه ثم تعلم العربية فأحسن تعلمها، وكان فصيحًا جوادًا ذا مروءة وكرم؛ وكان أبوه مروان عقد له البيعة بعد عبد الملك ثم ولاه مصر؛ وهو معدود من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام. وكان عبد العزيز هذا قد حده عمرو بن سعيد
[ ١ / ١٧٢ ]
الأشدق في شراب شربه فوجد عليه ابنه عمر بن عبد العزيز؛ فلما ولي عمر المدينة وجد إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر في بيت خليدة العرجاء، فحدّه عمر حدّ الخمر؛ فقال إسحاق: يا عمر، كل الناس جلدوا فى الخمر؛ يعرّض بأبيه عبد العزيز. اهـ.
ولما أقام عبد العزيز بمصر وقع بها الطاعون في سنة سبعين، فخرج عبد العزيز من مصر ونزل بحلوان فأعجبته فاتخذها سكنًا، وجعل بها الحرس والأعوان وبنى بها الدور والمساجد وعمرها أحسن عمارة وغرس نخلها وكرمها، ثم جهز البعث لقتال ابن الزبير في البحر في سنة اثنتين وسبعين. ثم لما طالت أيام عبد الملك في الخلافة بعد قتل عبد الله بن الزبير ثقل عليه أمر عبد العزيز هذا وأراد أن يخلعه من ولاية العهد ويجعلها عبد الملك لولديه الوليد وسليمان من بعده؛ فمنعه قبيصة بن ذؤيب من ذلك، وكان قبيصة على خاتم عبد الملك، وقال له: لا تفعل ذلك، فإنك باعث على نفسك صوتًا، ولعل الموت يأتيه فتستريح منه؛ فكف عن ذلك ونفسه تنازعه، حتى دخل عليه روح بن زنباع الجذامي، وكان أجل الناس عند عبد الملك، فشاوره في ذلك، فقال روح: لو خلعته ما انتطح فيها عنزان؛ فبينما هما على ذلك، وقد نام عبد الملك وروح تلك الليلة عنده، إذ دخل عليهما قبيصة ليلًا، وكان لا يحجب عن عبد الملك، وكانت الأخبار والكتب تأتيه فيقرؤها قبل عبد الملك؛ فقيل له: قد جاء قبيصة؛ فدخل قبيصة فقال: آجرك الله يا أمير المؤمنين في عبد العزيز، فاسترجع عبد الملك وقال لروح: يا أبا زرعة، كفانا الله ما أجمعنا عليه؛ فقال له قبيصة:
فداك ما أردت ولم تقطع رحم أبيك، ولم تأت ما تعاب به، ولم يظهر عليك غدر.
وقيل غير ذلك: وهو أن عبد الملك كتب لأخيه عبد العزيز هذا: يا أخي، إن رأيت أن تصير الأمر لابن أخيك الوليد فافعل؛ فأبى عبد العزيز؛ فكتب إليه عبد الملك ثانية: فاجعله من بعدك، فإنه أعز الخلق إلي؛ فكتب إليه عبد العزيز:
[ ١ / ١٧٣ ]
إني أرى في أبي بكر بن عبد العزيز (يعني ابنه) ما تراه في الوليد؛ فكتب عبد الملك إليه ثالثة: فاحمل خراج مصر إلي؛ فكتب إليه عبد العزيز: إني وإياك قد بلغنا سنًا لم يبلغها أحد من أهلنا، وإنا لا ندري أينا يأتيه الموت أوّلا، فإن رأيت ألّا تغثث «١» علي بقية عمري ولا يأتيني الموت إلا وأنت واصل فافعل؛ فرق له عبد الملك وقال:
لا أغثّث «٢» عليه بقية عمره، وقال لابنيه الوليد وسليمان: إن يرد الله أن يعطيكماها لم يقدر أحد من الخلق على ردها عنكما، ثم قال لهما: هل قارفتما حرامًا قط؟ قالا: لا والله؛ فقال عبد الملك: نلتماها ورب الكعبة. وقيل: إنّ عبد العزيز لما ردّ كلام عبد الملك، قال عبد الملك: اللهم إنه قد قطعني فاقطعه. فلما مات عبد العزيز قال أهل الشام: رد على أمير المؤمنين أمره، فدعا عليه فاستجيب له فيه.
قلت: وكانت وفاة عبد العزيز في ثالث عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين من الهجرة، وقيل سنة خمس وثمانين؛ فكانت ولايته على مصر عشرين سنة وعشرة أشهر وثلاثة عشر يومًا. وتولى مصر من بعده عبد الله بن عبد الملك بن مروان.
وقال محمد بن الحارث المخزوميّ: دخل رجل على عبد العزيز في ولايته على مصر يشكو إليه صهرًا له، فقال: إن ختني ظلمني؛ فقال له عبد العزيز: من ختنك؟
فقال: الرجل الختان الذي يختن الناس؛ فقال عبد العزيز لكاتبه: ما هذا الجواب؟
[ ١ / ١٧٤ ]
فقال: أيها الأمير، إنك لحنت والرجل يعرف اللحن، وكان ينبغي أن تقول: من ختنك (بالضم)؛ فقال عبد العزيز: أتراني أتكلم بكلام لا تعرفه العرب؟ والله لا شاهدت الناس حتى أعرف اللحن؛ فأقام في بيتٍ جمعةً لا يظهر ومعه من يعلمه النحو فصلى بالناس الجمعة الأخرى وهو أفصح الناس.
وقال الذهبي في كتابه «تذهيب التهذيب» بعد أن ساق نبذة من نسبه وولايته وروايته بنحو ما قلناه إلى أن قال: «روى ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم أن عبد العزيز بن مروان كتب إلى ابن عمر: ارفع إلي حاجتك؛ فكتب إليه ابن عمر (يعني عبد الله): إن رسول الله ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى.
وابدأ بمن تعول»، ولست أسألك شيئًا ولا أرد رزقًا رزقنيه الله ﷿. وقال؟؟؟ نريد ابن أبي حبيب عن سويد بن قيس: بعثني عبد العزيز بن مروان بألف دينار لابن عمر فجئته بها ففرقها. وقال محمد بن هانئ الطائي عن محمد بن أبي سعيد قال: قال عبد العزيز بن مروان: ما نظر إلي رجل قط فتأملني إلا سألته عن حاجته. ثم قال بعد كلام آخر: وكان يقول عبد العزيز بن مروان: وا عجبا من مؤمن يوقن أن الله يرزقه ويوقن أن الله يخلف عليه، كيف يدخر مالًا عن عظيم أجر أو حسن سماع!.
قلت: وكان عبد العزيز جوادًا ممدحًا سيوسًا حازمًا. قال ابن سعد: مات بمصر سنة خمس وثمانين قبل أخيه عبد الملك بسنة. وقال الحافظ بن يونس:
ولي مصر عشرين سنة. وقال الليث بن سعد: توفي في جمادى الآخرة سنة ست وثمانين، وله حديث وهو: سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ: «شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع» انتهى كلام الذهبي باختصار.
[ ١ / ١٧٥ ]
قلت: وعبد العزيز هذا هو الذي أشار على أخيه عبد الملك بضرب الدراهم والدنانير، فضربها في سنة ست وسبعين. وعبد الملك أول «١» من أحدث ضربها في الإسلام فانتفع الناس بذلك. وكان سبب ضربها أنه كتب فى صدر كتاب الى [ملك «٢»] الروم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وذكر النبي ﷺ مع التاريخ؛ فكتب إليه ملك الروم: إنكم قد أحدثتم «٣» كذا وكذا فاتركوه وإلا أتاكم في دنانيرنا من ذكر نبيّكم
[ ١ / ١٧٦ ]
ما تكرهون؛ فعظم ذلك عليه فأحضر خالد بن يزيد بن معاوية فاستشاره فيه، فقال:
حرم دنانيرهم واضرب للناس سكة وفيها ذكر الله تعالى، ثم استشار أخاه عبد العزيز فأشار عليه أيضًا بذلك؛ فضرب الدنانير والدراهم. ثم إن الحجاج ضرب الدراهم ونقش فيها: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
فكره الناس ذلك لمكان القرآن، فإن الجنب والحائض يمسها؛ ونهى أن يضرب أحد غيره؛ فضرب سمير اليهودي فأخذه الحجاج ليقتله، فقال له: عيار دراهمي أجود من عيار دراهمك فلم تقتلني؟ فلم يتركه، فوضع للناس سنج الأوزان ليتركه فلم يفعل؛ وكان الناس لا يعرفون الوزن بل يزنون بعضها ببعض، فلما وضع لهم سمير السنج كف بعضهم عن [غبن «١»] بعض.
وأول من شدد «٢» في أمر الوزن وخلص الفضة أبلغ من تخليص من كان قبله عمر ابن هبيرة أيام يزيد بن عبد الملك وجود الدراهم؛ ثم خالد بن عبد الله القسري أيام هشام بن عبد الملك، فاشتد فيه أكثر من ابن هبيرة. ثم ولي يوسف بن عمر فأفرط في الشدة، وامتحن يومًا العيار فوجد درهمًا ينقص حبة، فضرب كل صانع ألف سوط. وكانوا مائة صانع، فضرب فى حبة مائة ألف سوط. وكانت الدراهم الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية، ولم يكن أبو جعفر المنصور يقبل في الخراج غيرها، فسميت الدراهم الأولى مكروهة. وقيل: إن الدراهم المكروهة هي الدراهم التي ضربها الحجاج ونقش عليها: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
فكرهها «٣» العلماء. وكانت دراهم الأعاجم مختلفة كبارًا وصغارًا، فكانوا يضربون منها المثقال وزن عشرين قيراطًا واثني عشر قيراطا وعشرة قراريط، فلما ضربوا الدراهم في الإسلام أخذ الوسط من
[ ١ / ١٧٧ ]
ثلث هذا العدد، وهو أربعة عشر قيراطًا، فصار الدرهم العربي أربعة عشر قيراطًا، ووزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل.
*** السنة الأولى من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة ست وستين- فيها عزل عبد الله بن الزبير عن الكوفة أميرها وأرسل عليها عبد الله بن مطيع، وفي أثناء هذا الأمر خرج المختار الكذاب من السجن والتف عليه خلق من الشيعة وقويت شوكته وضعف أمر عبد الله بن مطيع معه، ثم إنه توثب بالكوفة فقاتله طائفة من أهل الكوفة فهزمهم وقتل منهم رفاعة بن شداد وعبد الله بن سعد بن قيس وغلب على الكوفة، وهرب منه عبد الله بن مطيع إلى ابن الزبير، وجعل المختار يتتبع قتلة الحسين بن علي، فقتل عمرو بن سعد بن أبي وقاص وشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين بن علي؛ ثم افترى المختار على الله أنه يأتيه جبريل بالوحي، فلهذا قيل عنه: المختار الكذاب. وفيه يقول سراقة بن مرداس:
كفرت بوحيكم وجعلت نذرًا علي هجاءكم «١» حتى الممات
أري عيني ما لم ترأياه كلانا عالم بالترهات
وفيها أيضًا التقى المختار مع عبيد الله بن زياد فقتل عبيد الله بن زياد وقتل معه شرحبيل بن ذي الكلاع وحصين بن نمير السكوني، واصطلم المختار جيشهم وقتل خلقا كثيرا وطيف برءوس هؤلاء؛ وقيل إن ذلك في الآتية. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير وكان عامله على المدينة أخاه مصعب بن الزبير، وعامله على البصرة عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وكان بالكوفة المختار متغلبًا عليها، وبخراسان
[ ١ / ١٧٨ ]
عبد الله بن خازم. وفيها توفي أسماء بن حارثة الأسلمي (وحارثة بالحاء)، وله صحبة وهو من أصحاب الصفة، وقيل: إنه مات قبل ذلك. وفيها توفي جابر بن سمرة، وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص، على خلف في وفاته. وفيها توفي أسماء بن خارجة ابن حصين بن حذيفة بن بدر الفزاري سيد قومه في قول. وفيها كان الطاعون بمصر ومات فيه خلائق عظيمة، وهذا خامس طاعون مشهور في الإسلام.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبعة أذرع وسبعة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعًا وإصبعان.
*** السنة الثانية من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة سبع وستين- فيها كانت الوقعة بين إبراهيم بن الأشتر النخعي وبين عبيد الله ابن زياد، وكان ابن الأشتر من حزب المختار، وكان في ثمانية آلاف من الكوفيين، وكان عبيد الله بن زياد في أربعين ألفًا من الشاميين؛ فأسرع ابن الأشتر إلى أهل الشام قبل أن يدخلوا أرض العراق فسبقهم ودخل الموصل، فالتقوا على خمسة فراسخ من الموصل بالخازر «١»، فانتهز ابن الأشتر وقتله وقتل من أصحابه خلائق ممن ذكرناهم في الماضية وغيرهم. وكان من غرق منهم في نهر الخازر أكثر ممن قتل؛ ودخل ابن الأشتر الموصل واستعمل عليها وعلى نصيبين وسنجار العمال، ثمّ بعث برءوس عبيد الله بن زياد والحصين وشرحبيل بن ذي الكلاع إلى المختار فأمر بهم المختار فنصبوا بمكّة.
[ ١ / ١٧٩ ]
قلت: وعبيد الله بن زياد هذا هو الذي قاتل الحسين بن علي حتى قتله. وفيها عزل عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير عن العراق وولاه لابنه حمزة بن عبد الله بن الزبير؛ وكان حمزة جوادا مخلّطا يجود أحيانًا حتى لا يدع شيئًا يملكه ويمنع أحيانًا ما لا يمنع مثله، وظهر منه بالبصرة خفة وضعف؛ فعزله أبوه وأعاد أخاه مصعبًا في الثانية. وفيها وجه المختار أربعة آلاف فارس عليهم أبو عبد الله الجدلي وعقبة بن طارق، فكلم الجدلي عبد الله بن الزبير في محمد بن الحنفية، وأخرجوه من الشعب «١» فلم يقدر ابن الزبير على منعهم، وأقاموا في خدمة محمد بن الحنفية ثمانية أشهر حتى قتل المختار وسار محمد بن الحنفية إلى الشام. وأما ابن الزبير فإنه غضب من المختار لكونه انتصر لمحمد بن الحنفية وندب لقتاله أخاه مصعب بن الزبير وولاه جميع العراق، فتوجه مصعب وحصر المختار في قصر الإمارة بالكوفة حتى قتله طريف «٢» وطراف (أخوان من بني حنيفة) في شهر رمضان وأتيا برأسه إلى مصعب.
وقتل في حرب المختار جماعة من الأشراف منهم عمر وعبيد الله ابنا علي بن أبي طالب وزائدة بن عمير الثقفي ومحمد بن الأشعث بن قيس الكندي سبط أبي بكر الصديق.
وفيها توفي عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي، أسلم سنة سبع من الهجرة، وكان كبير طيّئ. وفيها توفي أبو شريح الخزاعي الكعبي الصحابي واسمه، على الأصح، خويلد بن عمرو، أسلم يوم الفتح. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير، وكان عامله على الكوفة والبصرة ابنه حمزة، وكان على قضاء البصرة عبد الله بن عتبة بن مسعود وعلى الكوفة (أعني قاضيها) هشام بن هبيرة، والخليفة بالشام عبد الملك بن مروان
[ ١ / ١٨٠ ]
أخو صاحب الترجمة، وبخراسان عبد الله بن خازم. وفيها توفي الأحنف بن قيس بالكوفة مع مصعب بن الزبير، وقيل: مات سنة إحدى وسبعين لما سار مصعب لقتال عبد الملك بن مروان. وفيها توفي جنادة بن أبي أمية، أدرك الجاهلية وليست له صحبة. وفيها قتل مصعب بن الزبير عبد الرحمن وعبد «١» الرب ابني حجر بن عدي وعمران بن حذيفة بن اليمان، قتلهم صبرًا بعد قتل المختار وأصحابه. وفيها توفي أبو واقد الليثي، له صحبة وأحاديث. ويقال فيها أيضًا توفي زيد بن أرقم، وقيل: إن وفاة هؤلاء في السنة الآتية وهو الأصح.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعًا وخمسة عشر إصبعًا.
*** السنة الثالثة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة ثمان وستين- فيها عزل عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير عن العراق وولي عليها ابنه حمزة ابن عبد الله بن الزبير وقد مر ذلك في الماضية. وفيها استعمل عبد الله بن الزبير جابر بن الأسود الزهري على المدينة، فأراد جابر أن يبايع سعيد بن المسيب لابن الزبير فامتنع فضربه سبعين سوطًا، قاله خليفة بن خياط. وفي هذه السنة وافى عرفات أربعة ألوية: لواء ابن الزبير وأصحابه، ولواء ابن الحنفية وأصحابه، ولواء بني أمية، ولواء النجدة الحروري، ولم يكن بينهم حرب ولا فتنة. وكان العامل على المدينة لابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري، وعلى الكوفة والبصرة أخوه مصعب، وعلى خراسان عبد الله بن خازم؛ وكان عبد الملك بن مروان مشاقّا لابن
[ ١ / ١٨١ ]
الزبير. وفيها توفي عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي القرشي، أبو العباس ابن عم النبي ﷺ وأبو الخلفاء العباسيين. ولد في شعب بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له النبي ﷺ بالجنة مرتين. وكان يسمى الحبر لكثرة علومه، ومات وله سبعون سنة، ﵁.
وفيها توفي عابس بن سعيد الغطيفي قاضي مصر، ولى القضاء والشرطة بمصر لمسلمة ابن مخلد عدة سنين. وفيها توفي قيس بن ذريح وقيس مجنون ليلى، وقد تقدم ذكرهما في سنة خمس وستين. وفيها توفي ملك الروم قسطنطين. وفيها توفي عبد الرحمن بن حاطب «١» بن أبي بلتعة. وفيها توفي أبو شريح الخزاعي، وأبو واقد الليثي، وقد تقدم ذكرهما في الماضية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وأربعة عشر إصبعًا.
وفي درر التيجان: وأربعة وعشرون إصبعًا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعًا وأربعة أصابع.
*** السنة الرابعة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة تسع وستين- فيها كان بالبصرة طاعون الجارف. قال المدائني: حدثني من أدرك الجارف قال:
كان ثلاثة أيام مات فيها في كل يوم سبعون ألفًا. وقال خليفة قال أبو اليقظان:
مات لأنس بن مالك ثمانون ولدًا ويقال سبعون ولدًا؛ وقيل مات لعبد الرحمن بن أبي بكرة في الطاعون المذكور أربعون ولدًا. وقل الناس بالبصرة جدًا حتى إنه ماتت أم أمير البصرة فلم يجدوا من يحملها إلا أربعة بالجهد. ومات لصدقة بن عامر العامري في يوم واحد سبعة بنين، فقال: اللهم إني مسلم مسلم. ولما كان يوم الجمعة
[ ١ / ١٨٢ ]
خطب الخطيب وليس في المسجد إلا سبعة أنفس وامرأة، فقال الخطيب:
ما فعلت الوجوه؟ فقالت المرأة: تحت التراب. وقيل: إنه توفي في هذا الطاعون عشرون ألف عروس. وقد اختلف في سنة هذا الطاعون فمنهم من قال في هذه السنة، وقال بعضهم: في سنة سبعين، وقال آخر: في سنة اثنتين وسبعين، وقيل غير ذلك. وهذا الطاعون يكون سابع طاعون في الإسلام، فإن الأول كان على عهد النبي ﷺ، والثاني طاعون عمواس في عهد عمر ﵁، والثالث بالكوفة في زمن أبي موسى الأشعري، والرابع بالكوفة أيضًا في زمن المغيرة ابن شعبة، والخامس الطاعون الذي مات فيه زياد، ثم الطاعون بمصر فى سنة ست وستين. وفيها شرع الخليفة عبد الملك بن مروان في عمارة القبة على صخرة بيت المقدس وعمارة جامع الأقصى، وقيل: بل كان شروعه في ذلك سنة سبعين. وفيها عزل عبد الله بن الزبير ابنه حمزة عن إمرة العراق وأعاد أخاه مصعب بن الزبير، فقدمها مصعب وتجهز وخرج يريد الشام لقتال عبد الملك بن مروان، وخرج عبد الملك أيضًا من الشام يريد مصعب بن الزبير، فسار كل منهما إلى آخر ولايته وهجم عليهما الشتاء، فرجع كل منهما إلى ولايته. قال خليفة: وكانا يفعلان ذلك في كل سنة حتى قتل مصعب. وفيها عقد عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة لحسان الغساني على غزو إفريقية. وفيها اجتمعت الروم واستجاشوا على من بالشام، فصالح الخليفة عبد الملك بن مروان [ملكهم «١»] على أن يؤدي إليه في كل جمعة ألف دينار خوفًا منه على المسلمين. هكذا ذكر ابن الأثير هذه الواقعة في هذه السنة، وقال غيره: إنها في غير السنة. وفيها توجه مصعب بن الزبير إلى مكة ومعه
[ ١ / ١٨٣ ]
أموال كثيرة ودواب كثيرة، فقسم في قومه وغيرهم ونحر بدنًا كثيرة. وفيها «١» حكم رجل من الخوارج بمًنى وسل سيفه، وكانوا جماعة، فأمسك الله بأيديهم فقتل ذلك الرجل عند الجمرة. وفيها حج بالناس مصعب بن الزبير؛ وكان على قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. وفيها توفي الأحنف بن قيس التميمي البصري أبو بحر؛ واسمه الضحاك بن قيس بن معاوية بن الحصين، وكان أحنف الرجلين (والحنف: الميل)، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة، أدرك النبي ﷺ ولم يره. قلت: وأخبار الأحنف مشهورة تغني عن الإطناب في ذكره، وقد تقدم ذكر وفاته، والصحيح في هذه السنة. وفيها توفي أبو الأسود الدؤلي البصري الكناني واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، وهو من الطبقة الأولى من تابعي البصرة، وهو أول من وضع علم النحو، ومات بالطاعون. وفيها قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد «٢» أبي أحيحة بن العاص بن أمية الأشدق، سمي الأشدق لأنه كان خطيبًا مفلقًا، وقيل: لاتساع شدقه، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة. وفيها توفي قبيصة بن جابر بن وهب بن مالك أبو العلاء الأسدي، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وكانت أرضعته هند أم معاوية بن أبي سفيان. وفيها توفي مالك بن يخامر «٣» السكسكي الألهانى الحمصي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وقيل: له صحبة ورواية.
وفيها توفي يزيد بن ربيعة بن مفرغ أبو عنان الحميري البصري، كان شاعرًا مجيدًا، والسيد الحميري من ولده.
[ ١ / ١٨٤ ]
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعًا وستة أصابع.
*** السنة الخامسة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة سبعين- فيها كان الوباء بمصر، وقيل فيها كان طاعون الحارف؟؟؟ المقدّم ذكره فى الماضية. وفيها تحول عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة من مصر إلى حلوان حسبما ذكرناه في أول ترجمته، واشتراها من القبط بعشرة آلاف دينار. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير. وفيها كانت مقتلة عمير بن الحباب بن جعدة السلمي.
وفيها تحركت الروم على أهل الشام وعجز عبد الملك بن مروان عنهم لاشتغاله بقتال عبد الله بن الزبير، فصالح ملك الروم على أن يؤدي له في كل جمعة ألف دينار.
وفيها وفد مصعب بن الزبير على أخيه عبد الله بن الزبير بأموال العراق. وفيها بعث عبد الملك بن مروان خالد بن عبد الله بن أسيد بن أبي العاص بن أمية إلى البصرة ليأخذها في غيبة مصعب بن الزبير. وفيها توفي الحارث بن عبد الله بن كعب بن أسد الهمداني الكوفي الأعور، راوية علي ﵁، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وقيل: توفي سنة ثلاث وستين. وفيها توفي عاصم بن عمر بن الخطاب، وأمه جميلة أخت «١» عاصم بن ثابت بن أبى أقلح الأنصاري، وكان اسمها عاصمة، فسماها رسول الله ﷺ جميلة. وعاصم هذا هو جدّ عمر ابن عبد العزيز الأموي لأمه.
[ ١ / ١٨٥ ]
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعًا وواحد وعشرون إصبعًا. وفي درر التيجان: ثمانية عشر إصبعًا.
*** السنة السادسة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة إحدى وسبعين- فيها حج بالناس أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وعرف «١» بمصر عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة، وهو أول من عرف بها فقام من قبل أخيه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وعرف بمصر.
قلت: ومن خلافة مروان بن الحكم إلى هذه الأيام والممالك مقسومة بين خليفتين: عبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان: أما الحرمان والعراق كله فبيد عبد الله بن الزبير؛ والشام ومصر وما يليهما بيد عبد الملك بن مروان، والفتن قائمة بينهما والحروب واقعة في كل سنة. وفيها افتتح الخليفة عبد الملك بن مروان قيسارية الروم في قول الواقدي. وفيها نزع عبد الله بن الزبير جابر بن الأسود ابن عوف عن المدينة واستعمل عليها طلحة بن عبد الله بن عوف، وهو آخر وال كان له على المدينة، فدام على المدينة حتى أتاه طارق بن عمرو مولى عثمان، فهرب طلحة وأقام طارق بها حتى سار إلى مكة لقتال ابن الزبير. وفيها توفي شتير بن شكل القيسي الكوفي من أصحاب علي بن أبي طالب وابن مسعود ﵄.
(وشتير بضم الشين المعجمة وفتح التاء فوقها نقطتان وبعدها ياء تحتها نقطتان، وشكل بفتح الشين المعجمة والكاف وآخره لام) . وفيها خرج عبد الله بن ثور أحد بنى قيس
[ ١ / ١٨٦ ]
ابن ثعلبة من جهة مصعب بن الزبير بالبحر، فانتدب لقتله عبد الرحمن الإسكاف والتقوا [بجواثا «١»] فانهزم عبد الرحمن. وفيها توفي البراء بن عازب بن الحارث بن عدي أبو عمارة، وهو من الطبقة الثالثة من الأنصار من الصحابة، مات بالكوفة في أيام مصعب بن الزبير. وفيها توفي عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت السلمي أبو صالح أمير خراسان، صحب رسول الله ﷺ وروى عنه، وكان مشهورًا بالشجاعة، وأصله من البصرة. (وخازم بالخاء المعجمة والزاي) . وفيها توفي عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي «٢» الصحابي، من الطبقة الثانية من المهاجرين، فأول مشهد شهده مع رسول الله ﷺ الحديبية ثم خيبر وما بعدها. وفيها كانت الوقعة بين عبد الملك بن مروان وبين مصعب بن الزبير، وقتل مصعب في المعركة، وكان مصعب من أجمل الناس وأشجعهم، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، وكنيته أبو عبد الله والمشهور أبو عيسى، وكان مصعب يجالس أبا هريرة؛ ورآه جميل بثينة بعرفات فقال: إن هاهنا لشابا أكره أن تراه بثينة (أعني لجماله) . ولما قتل مصعب بن الزبير أخذ أمر أخيه عبد الله بن الزبير في إدباره. وقيل: إن قتلة مصعب كانت في سنة اثنتين وسبعين، وهو الأشهر.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبعة أذرع وخمسة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعًا وتسعة عشر إصبعًا. وفي درر التيجان: وسبعة عشر إصبعًا.
[ ١ / ١٨٧ ]
*** السنة السابعة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة اثنتين وسبعين- فيها بنى عبد الملك بن مروان قبة الصخرة بالقدس والجامع الأقصى، وقد ذكرناه في الماضية، والأصح أنه في هذه السنة. وسبب بناء عبد الملك أن عبد الله بن الزبير لما دعا لنفسه بمكة فكان يخطب في أيام منى وعرفة وينال من عبد الملك ويذكر مثالب بني أمية، ويذكر أن جده الحكم كان طريد رسول الله ﷺ ولعينه، فمال أكثر أهل الشأم إلى ابن الزبير؛ فمنع عبد الملك الناس من الحج فضجوا، فبنى لهم القبة على الصخرة والجامع الأقصى ليصرفهم «١» بذلك عن الحج والعمرة، فصاروا يطوفون حول الصخرة كما يطوفون حول الكعبة وينحرون يوم العيد ضحاياهم؛ وصار أخوه عبد العزيز بن مروان صاحب مصر يعرف بالناس بمصر ويقف بهم يوم عرفة. وفيها ولّى عبد الملك ابن مروان طارق بن عمرو مولى عثمان على المدينة، فسار إليها وغلب عليها وأخرج منها طلحة بن عبد الله بن عوف عامل ابن الزبير، وقد تقدم ذلك في الماضية.
وفيها بعث عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي إلى مكة لقتال عبد الله ابن الزبير فتوجه إلى مكة وحاصر ابن الزبير إلى أن قتل ابن الزبير في سنة ثلاث وسبعين، على ما يأتي ذكره في محله. وفيها كان العامل على المدينة طارقًا لعبد الملك بن مروان، وعلى الكوفة بشر بن مروان، وعلى قضائها عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، وكان على خراسان- في قول بعضهم- بكير بن وشاح.
[ ١ / ١٨٨ ]
وفيها توفي عبيدة بن عمرو السلماني «١» المرادي، أسلم في حياة النبي ﷺ وكان من كبار الفقهاء، أخذ عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود.
(وعبيدة بفتح العين وكسر الباء الموحدة) . وفيها على الصحيح مقتلة مصعب ابن الزبير، طعنه زائدة الثقفي وقتل معه ابنه عيسى وإبراهيم بن الأشتر ومسلم ابن عمرو الباهلي، وقد مر من أخباره في الماضية ما يغني عن ذكره هنا ثانية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعًا وتسعة عشر إصبعًا. وفي درر التيجان: سبعة عشر ذراعًا وستة عشر إصبعًا.
*** السنة الثامنة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهى سنة ثلاث وسبعين- فيها قتل أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو بكر، وقيل أبو خبيب، القرشي الأسدي، أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، له صحبة ورواية، حاصره الحجاج بن يوسف الثقفي بالبيت الحرام أشهرًا ونصب على الكعبة المنجنيق ورمى به على البيت غير مرة حتى قتل ابن الزبير وصلبه. قيل: إن الحسن البصري سئل عن عبد الملك بن مروان، فقال الحسن: ما أقول في رجل الحجاج سيئة من سيئاته. وقتل مع عبد الله بن الزبير هؤلاء الثلاثة: وهم عبد الله ابن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، وعبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي، وعبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فهؤلاء من الأشراف، وأما غيرهم
[ ١ / ١٨٩ ]
فكثير. ومن يوم قتل عبد الله بن الزبير صار في الإسلام خليفة واحد وهو عبد الملك ابن مروان. قلت: ومناقب عبد الله بن الزبير كثيرة يضيق هذا المحل عن ذكرها.
وفيها توفيت أسماء بنت أبي بكر أم عبد الله بن الزبير المذكور بعد ابنها عبد الله بمدة يسيرة. وفيها غزا محمد بن مروان الروم صائفة في أربعة آلاف، فساروا إليه في ستين ألفًا فهزمهم محمد واستباح عسكرهم، وقيل: إن هذا كان من ناحية أرمينية.
وفيها توفي إياس بن قتادة بن أوفى، من الطبقة الأولى من التابعين، وكان لأبيه قتادة صحبة. وفيها توفى سلم بن زياد بن أبيه أمير خراسان، وكان جوادًا ممدحًا يعطي ألف ألف الدرهم، مات بالبصرة. وفيها توفي مالك بن أوس بن الحدثان أحد بني نصر ابن معاوية بن هارون، قيل له صحبة، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين.
وفيها استعمل عبد الملك بن مروان أخاه محمدًا على الجزيرة وأرمينية «١»، وكانت [بحيرة «٢» الطريخ التي بأرمينية] مباحة لم يتعرض إليها أحد بل كان يأخذ منها من شاء، فمنع من صيدها وجعل عليها من يأخذه [ويبيعه «٣»] ويأخذ ثمنه، وصارت بعده لابنه مروان؛ ثم أخذت منه لما انتقلت الدولة الأموية، وهي الآن على ذلك الحجر. ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. وهذا الطريخ «٤» من عجائب الدنيا فإنه سمك صغار له كل سنة موسم يخرج من هذه البحيرة في نهر يصب إليها كثيرًا يؤخذ بالأيدي وغيرها، فإذا انقضى موسمه لا يوجد منه شيء. وفيها عزل عبد الملك خالد بن عبد الله
[ ١ / ١٩٠ ]
عن البصرة وولاها أخاه بشرًا في قول. وفيها توفي مالك بن مسمع «١» بن غسان الربعي البصري، من الطبقة الأولى من التابعين، ولد على عهد رسول الله ﷺ.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبعة أذرع وتسعة عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعًا وثلاثة أصابع.
*** السنة التاسعة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة أربع وسبعين- فيها سار الحجاج من مكّة، بعد ما بنى البيت الحرام، إلى المدينة، فأقام بها ثلاثة أشهر يتعنت «٢» أهلها، وبنى بها مسجدًا في بني سلمة يعرف به، وأخذ بعض الصحابة وختم عليهم في أعناقهم. روى الواقدي عن ابن أبي ذؤيب عمن رأى جابر بن عبد الله مختومًا [في «٣» يده ورأى أنس بن مالك مختوما] في عنقه، يذلهما بذلك. قال الواقدي: وحدثني شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: رأيت الحجاج أرسل إلى سهل بن سعد الساعدي فقال: ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان؟ فقال: قد فعلت؛ قال: كذبت، ثم أمر به فختم في عنقه برصاص.
وفيها توفي بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية وهو متولي البصرة، وكان ولي العراق والكوفة قبل ذلك، وقحط الناس أيام بشر فاستسقى فمطروا؛ ثم مر بشر بسراقة، وكان سراقة قد عمل فيها أبياتًا، فرأى سراقة يحول الماء من داره؛
[ ١ / ١٩١ ]
فقال بشر: ما هذا يا سراقة؟ فقال: هذا ولم ترفع يديك في الدعاء، فلو رفعتهما لجاءنا الطوفان. ومات بشر المذكور من البلاذر، فإنه شربه بطوس فاعتل ولزم الفراش حتى مات. وفيها توفي رافع بن خديج بن رافع بن عدي الأنصاري الصحابي من الطبقة الثالثة من الأنصار، شهد أحدًا وما بعدها مع رسول الله ﷺ، وكنيته أبو عبد الله، وأمه حليمة بنت عروة بن مسعود. وفيها توفي أبو سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة، الصحابي من الطبقة الثالثة من الأنصار، واستصغر يوم أحد فرد. قال أبو سعيد: فخرجنا نتلقّى رسول الله عليه وسلم حين أقبل من أحد ببطن قباء، فنظر إلي وقال: «سعد بن مالك»؟ فقلت: نعم بأبي أنت وأمي، فدنوت منه وقبلت ركبته «١»، فقال: «آجرك الله في أبيك»، وكان قتل يومئذ شهيدًا. وفيها توفي سلمة بن الأكوع، وكنيته أبو مسلم «٢»، الصحابي، من الطبقة الثالثة من المهاجرين. قال سلمة: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات. وفيها توفي عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي صاحب رسول الله ﷺ، وهو من الطبقة الثانية من المهاجرين، وأمه زينب بنت مظعون بن حبيب، وهو شقيق حفصة زوج النبي ﷺ، أسلم عبد الله قديمًا بمكة قبل البلوغ، وهو من العبادلة الأربعة: وهم عبد الله ابن عمر هذا، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ أجمعين، وهو من المكثرين في رواية الحديث.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وإصبعان، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعًا وخمسة عشر إصبعا.
[ ١ / ١٩٢ ]
*** السنة العاشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة خمس وسبعين- فيها حج بالناس الخليفة عبد الملك بن مروان وخطب على منبر رسول الله ﷺ، وأظنها أول حجته في الخلافة. وفيها ولى الخليفة عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف على العراق. وفيها خرج عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة من مصر وافدًا على أخيه الخليفة عبد الملك بن مروان بالشام واستخلف على مصر زياد بن حنظلة التجيبي، وتوفي زياد بعد ذلك بمدة يسيرة في شوال؛ وتخلف على مصر الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان حتى قدم أبوه عبد العزيز من الشام. وفيها ولى عبد الملك المدينة يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية. وفيها خرج ملك الروم بجيوشه ونزل على مرعش من أعمال حلب، فندب عبد الملك لقتاله أخاه محمد بن مروان فهزم محمد الروم وغلبهم. وفيها ضرب عبد الملك بن مروان على الدينار والدرهم اسم الله تعالى، وسببه أنه وجد دراهم ودنانير تاريخها قبل الإسلام بثلاثمائة سنة أو بأربعمائة سنة مكتوب عليها: باسم الأب والابن وروح القدس. قال الزهري:
كانت الدراهم على ثلاثة أصناف: الوافية وزن الدرهم مثقال، والبغلية «١» وزن الدرهم نصف مثقال، والزيادية وزن العشرة ستة مثاقيل، فجمع عبد الملك هذه الأصناف وضربها على ما هي الآن عليه. وفيها توفي توبة بن الحمير بن عقيل بن كعب بن ربيعة الخفاجي أحد عشاق العرب صاحب ليلى الأخيلية بنت عبد الله ابن الرحال بن شداد بن كعب، وكانت أشعر نساء زمانها لا يقدم عليها غير الخنساء.
[ ١ / ١٩٣ ]
قيل: إن ليلى هذه دخلت على عبد الملك بن مروان فقال لها: ما رأى منك توبة حتى عشقك؟ فقالت: ما رأى الناس منك حين جعلوك خليفة!. وقال الشعبي:
ودخلت «١» ليلى الأخيلية على الحجاج وأنا حاضر، فقال: ما الذي أقدمك علينا؟
فقالت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم؛ وكلب البرد، وشدة الجهد، وأنت لنا بعد الله الرفد؛ فقال لها: صفي حال البلاد؛ فقالت: أما الفجاج فمغبرة، وأما الأرض فمقشعرة، ثم ذكرت أشياء من هذه المقولة إلى أن قالت: وقد أصابتنا سنون لم تدع لنا هبعًا «٢»، ولا ربعًا؛ ولا عافطةً، ولا نافطةً؛ ذهبت الأموال، ونزحت الرجال اهـ.
وأما أشعار توبة المذكور فيها وتشبيبه بها فكثيرة ليس هذا موضع ذكرها. وفيها توفي أبو ثعلبة الخشني «٣» القضاعي، واسمه جرثوم، قدم على رسول الله ﷺ وهو يتجهز إلى غزوة حنين، وقيل: إنه شهد بيعة الرضوان وحنينًا ونزل الشام وتوفي بها. وفيها توفي سليم بن عتر «٤» التجيبي المصري أبو سلمة عالم مصر وقاضيها، من الطبقة الأولى من التابعين، وهو أول من قضى بمصر في سنة تسع وثلاثين وشهد فتح مصر. وفيها توفي «٥» شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية ابن عامر أبو أمية قاضي الكوفة، من الطبقة الأولى من التابعين الكوفيين، وقيل إنه صحابي. وفيها كان وقوع الطاعون بالكوفة. وفيها توفي صلة بن أشيم العدوي أبو الصهباء، من الطبقة الأولى من تابعي الصحابة بالبصرة. وفيها توفي العرباض
[ ١ / ١٩٤ ]
ابن سارية أبو نجيح السلمي، من الطبقة الثالثة من الصحابة المهاجرين. وفيها توفي عمرو بن ميمون الأودي (أود بني صعب بن سعد) من الطبقة الأولى من التابعين، أدرك رسول الله ﷺ ولم يلقه.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وسبعة أصابع، مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعًا وتسعة أصابع.
*** السنة الحادية عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة ست وسبعين- فيها خرج صالح بن مسرح التميمي وكان رجلًا صالحًا ناسكًا لكنه كان يحط على الخليفتين عثمان وعلي ﵄ كهيئة الخوارج، فوقع له حروب في هذه السنة إلى أن توفي من جرح أصابه فى حروبه بعد مدّة فى حمادى الآخرة وعهد لشبيب بن يزيد؛ فوقع لشبيب المذكور مع الحجاج بن يوسف حروب ووقائع كثيرة أكثرها لشبيب على الحجاج حتى دخل شبيب في هذه السنة الكوفة ومعه امرأته غزالة، وكانت غزالة المذكورة تدخل مع زوجها في الحروب، وربما قصدت الحجاج فهرب منها. وفيها وفد يحيى بن الحكم على الخليفة عبد الملك بن مروان. وفيها كان الحجاج على العراق وفعل تلك الأفعال القبيحة، وكان على خراسان أمية بن عبد الله بن خالد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة زرارة ابن أوفى. وفيها غزا محمد بن مروان الروم من ناحية ملطية. وفيها توفي حبة بن جوين العرني صاحب علي (وحبة بالحاء المهملة والباء الموحدة) وهو منسوب إلى عرنة (بالعين المهملة المضمومة والراء المهملة والنون) . وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان أمير المدينة بعد أن ولاه عبد الملك إمرتها في أول السنة. وفيها
[ ١ / ١٩٥ ]
ولد مروان بن محمد الجعدي المعروف بالحمار آخر خلفاء بني أمية الآتي ذكره في محله. وفيها استشهد زهير بن قيس البلوي المصرى أبو شداد في واقعة الروم، وقد تقدم ذكره في واقعة إفريقية مع كسيلة وغيره.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وأربعة أصابع، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعًا وسبعة أصابع.
*** السنة الثانية عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة سبع وسبعين- فيها قتل شبيب بن يزيد بن نعيم بعد أن وقع له وقائع مع الحجاج وعماله، وهو شبيب بن يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو بن الصلت الشيباني الخارجي، خرج بالموصل فبعث إليه الحجاج خمسة قواد فقتلهم واحدًا بعد واحد، ثم قاتل الحجاج وحاصره وكسره غير مرة، وكانت امرأة شبيب غزالة من الشجعان الفرسان حتى إنها قصدت الحجاج فهرب منها، فعيّره بعض الناس بقوله:
أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى بل كان قلبك في جناحي طائر
وفيها خرج مطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج، وخلع عبد الملك بن مروان من الخلافة وحارب الحجاج إلى أن قتل. وفيها عبر أمية نهر بلخ للغزو فحوصر حتى جهد هو وأصحابه ثم نجوا بعد ما أشرفوا على الهلاك ورجعوا إلى مرو. وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان وهو أمير المدينة، وكان على البصرة والكوفة الحجّاج ابن يوسف الثقفي، وعلى خراسان أمية المذكور. وفيها غزا الصائفة الوليد بن عبد الملك بن مروان. وفيها توفي جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري في قول. وفيها
[ ١ / ١٩٦ ]
توفي عبيد بن عمير بن قتادة الليثي المكي أبو عاصم، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل مكة، قال عطاء: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة ﵂ فقالت: من هذا؟ فقال: أنا عبيد بن عمير، قالت: أفمن أهل مكة؟ قال: نعم، قالت: خفف فإن الذكر ثقيل. قال مجاهد «١»: كنا نفتخر بفقيهنا ابن عباس، وقاضينا عبيد بن عمير. وفيها توفي قطري بن الفجأة المازنىّ وقيل التميمىّ، كان أحد رءوس الخوارج، حارب المهلب بن أبي صفرة سنين، وسلم عليه بأمير المؤمنين.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعًا وسبعة عشر إصبعًا.
*** السنة الثالثة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة ثمان وسبعين- فيها ولي المهلب بن أبي صفرة خراسان نيابة عن الحجاج وهو يوم ذاك أمير البصرة والكوفة وخراسان وكرمان. وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد «٢» القاري، وله ثمان وسبعون سنة، ومسح النبي ﷺ برأسه (والقاري بالياء المشددة) . وفيها غزا محرز بن أبي محرز أرض الروم وفتح ارقدة «٣»، فلما رجع بعسكره، أصابهم مطر شديد من وراء درب «٤» الحدث فأصيب منه ناس كثيرة.
[ ١ / ١٩٧ ]
وفيها ولي إمرة الغرب كلها موسى بن نصير اللخمي، فسار إليه وقدم إلى طنجة وقدم على مقدمته طارق بن زياد الصدفي مولاهم الذي افتتح الأندلس، وأصاب فيها المائدة التي يزعم أهل الكتاب أنها مائدة سليمان ﵇. وفيها حج بالناس الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقيل أبان بن عثمان بن عفان أمير المدينة. وفيها فرغ الحجاج بن يوسف من بناء واسط، وإنما سمّيت واسط لأنها بين الكوفة بناء واسط والبصرة، منها إلى الكوفة خمسون فرسخًا وإلى البصرة كذلك. وفيها عزل عبد الملك عامل خراسان وضم ولايتها وولاية سجستان إلى الحجاج، فسار الحجاج إلى البصرة واستخلف عليها المغيرة بن عبد الله بن [أبي «١»] عقيل. وفيها قدم المهلب على الحجاج فأجلسه معه على سريره وأعطى أصحابه الأموال وقال: هؤلاء حماة الثغور. وفيها توفّى جابر ابن عبد الله بن عمرو الأنصاري الصحابي أبو عبد الله، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العقبة الثانية مع الأنصار وكان أصغرهم سنًا، وأسلم قبل العقبة الأولى بعام، وأراد أن يشهد بدرًا فخلفه أبوه على إخوته. وفيها توفّى عبد الرحمن ابن غنم بن كريب «٢» الأشعري، اختلفوا في صحبته، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أنصار أهل الشام بعد الصحابة، وقيل: هو تابعي ثقة، وقيل: إنه أسلم على عهد رسول الله ﷺ ولم يلقه. قال ابن الأثير: أدرك الجاهلية وليست له صحبة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعًا وعشرون إصبعًا.
[ ١ / ١٩٨ ]
*** السنة الرابعة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة تسع وسبعين- فيها استولى الحجاج بن يوسف على البحرين واستعمل عليها محمد ابن صعصعة الكلابي وضم إليه عمان، فخرج عليه الريان البكري فهرب محمد وركب البحر حتى قدم على الحجاج. وفيها غزا الوليد بن عبد الملك بن مروان ملطية فغنم وسبى وعاد إلى أبيه عبد الملك. وفيها كان الطاعون العظيم بالشام. وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان أمير المدينة. وفيها قتل الخليفة عبد الملك بن مروان الحارث ابن عبد الرحمن بن سعد الدمشقي الذي ادعى النبوة، وكان انضم عليه جماعة كبيرة.
وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، كان من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، روى عن علي بن أبي طالب وابن مسعود. وفيها أصاب الناس طاعون شديد حتى كادوا يفنون فلم يغز أحد تلك السنة فيما قيل.
وفيها أصاب الروم أهل أنطاكية وظفروا بهم. وفيها استعفى شريح بن الحارث من القضاء فأعفاه الحجاج واستعمل على القضاء أبا بردة بن أبي موسى الأشعري.
وفيها توفي النابغة الجعدي، واسمه قيس بن عبد الله بن عديس، وقيل عبد الله ابن قيس، وقيل حسان بن قيس، وكنيته أبو ليلى، وكان من شعراء الجاهلية ولحق الأخطل ونازعه بالشعر، وله صحبة ووفادة على رسول الله ﷺ.
قال الذهبي: وقال يعلى بن الأشدق- وليس بثقة-: سمعت النابغة يقول:
أنشد ف؟؟؟ النّبيّ ﷺ:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال: «أين المظهر يا أبا ليلى»؟ فقلت: الجنة، قال: «أجل إن شاء الله» ثم قلت أيضًا:
[ ١ / ١٩٩ ]
ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال النبي ﷺ: «لا يفضض الله فاك» مرتين. ومات النابغة بأصبهان وله مائة وعشرون سنة، وقيل مائة وستون سنة، وقيل مائتا سنة. وفيها توفّى محمود ابن الربيع، وكنيته أبو إبراهيم، ولد على عهد رسول الله ﷺ.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعًا وسبعة عشر إصبعًا.
*** السنة الخامسة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة ثمانين- فيها كان سيل الجحاف بمكة وهلك فيه خلق كثير من الحجاج، فكان يحمل الإبل وعليها الأحمال والرجال والنساء ما لأحد منهم حيلة، وغرقت بيوت مكة وبلغ السيل الركن، فسمي ذلك العام عام الجحاف. وفيها كان طاعون الجارف بالبصرة في قول بعضهم. وفيها خرج عبد الواحد بن أبي الكنود من الإسكندرية وركب البحر وغزا الفرنج حتى وصل إلى قبرس. وفيها هلك أليون عظيم الروم وملكها. وفيها صلب عبد الملك سعيد بن عبد الله بن عليم الجهني على إنكاره القدر، قاله سعيد بن عفير. وفيها توفي جبير بن نفير بن مالك أبو عبد «١» الله اليحصبي الحضرمي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام؛ أسلم في خلافة الصديق ﵁. وفيها توفي جنادة بن أبي أمية الأزدي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام. وفيها توفي حسان بن النعمان الغساني من أولاد ملوك غسان، ويقال:
[ ١ / ٢٠٠ ]
إنه ابن المنذر، صاحب الفتوحات بالمغرب، ولاه معاوية بن أبي سفيان إفريقية.
وفيها توفي زيد «١» بن وهب بن خالد أبو سليمان الجهني، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة. وفيها توفي السائب بن يزيد بن سعيد الكندي أبو يزيد، من الطبقة الخامسة من المخضرمين، مات رسول الله ﷺ وهو حدث الأسنان. وفيها توفي شريح بن هانئ بن يزيد بن نهبك «٢» بن دريد بن الحارث بن كعب، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، كان من أصحاب علي ﵁ وشهد معه مشاهده، وكان قاضي الكوفة وبه يضرب المثل. قال الذهبي: إنه مات سنة ثمان وسبعين. وفيها حج بالناس أمير المدينة أبان بن عثمان، وكان على العراق والشرق الحجاج. وفيها قتل معبد بن عبد الله بن عليم الذي يروي حديث الدباغ، وهو أول من قال بالقدر في البصرة، قتله الحجاج وقيل قتله عبد الملك الخليفة بدمشق.
وفيها توفي شقيق بن سلمة الأزدي أبو وائل، أدرك رسول الله ﷺ ولم يره، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. وفيها توفي أبو إدريس الخولاني، واسمه عائذ الله بن عبد الله، وقيل عبد الله بن إدريس بن عائذ الله، قاضي دمشق في أيام معاوية وغيره، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل الشام. وفيها توفي عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أبو جعفر وقيل أبو محمد، وأمه أسماء بنت عميس ولدته بالحبشة في الهجرة، وهو أول مولود ولد في الإسلام بالحبشة، وهو من الطبقة الخامسة، توفي رسول الله ﷺ وهو حدث الأسنان، وقيل إنه كان له يوم توفي رسول الله ﷺ عشر سنين. وفيها توفي
[ ١ / ٢٠١ ]
عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي، وكنيته أبو حاتم، من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل البصرة، وأمه هولة بنت غليظ من بني عجل، وهو أول من قرأ القرآن بالألحان، وولي قضاء البصرة، وأوفده الحجاج على الخليفة عبد الملك فسأله أن يولي الحجاج خراسان وسجستان. وفيها توفي العلاء بن زياد بن مطر بن شريح العدوي، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، وكان من العباد الخائفين. وفيها توفي معاوية ابن قرة بن إياس بن هلال المزني أبو إياس، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، كان زاهدًا عابدًا ورعًا.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعًا وسبعة عشر إصبعًا.
*** السنة السادسة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة إحدى وثمانين- فيها حج بالناس سليمان بن عبد الملك بن مروان وحجّت معه أمّ الدرداء. وفيها خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج بن يوسف وخلع عبد الملك بن مروان من الخلافة، ووقع له بسبب ذلك مع الحجاج حروب، ووافقه جماعة كثيرة على ذلك وكاد أمره أن يتم. وفيها غزا عبد الله بن عبيد الله بلاد الروم ووصل إلى قاليقلا ففتحها، ويقال: إن أصل الفرات من عندها يجتمع.
وفيها توفى محمد بن علىّ بن أبى طالب المعروف بابن الحنفية، والحنفية اسم أمه، ولها اسم آخر: خولة بنت جعفر بن قيس، ومحمد هذا من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وكنيته أبو القاسم؛ ولد في خلافة أبي بكر، وقيل لثلاث سنين أو لسنتين بقين من خلافة عمر، وهي السنة التي ولد فيها سعيد بن المسيب، وكان دينًا عابدًا
[ ١ / ٢٠٢ ]
صاحب رأي وقوة شديدة إلى الغاية. وفيها كانت مقتلة بحير بن ورقاء الصريمي.
وفيها كان دخول الديلم قزوين، وسببه أن العساكر كانت لا تبرح مرابطة بها، فلما كان في هذه السنة كان من جملة من رابط بها محمد بن أبي سبرة الجعفي، وكان فارسًا شجاعًا، فلما قدم قزوين رأى الناس لا ينامون الليل، فقال لهم: أتخافون أن يدخل عليكم العدو؟ قالوا: نعم، قال: لقد أنصفوكم إن فعلوا، افتحوا الأبواب ففتحوها؛ وبلغ ذلك الديلم فبيتوهم وهجموا [على] البلد وتصايح الناس، فقال محمد بن أبي سبرة: أغلقوا الأبواب فقد أنصفونا، فأغلقوا الأبواب التي للمدينة فقاتلوهم.
وأبلى محمد بلاء حسنا حتى ظفر بهم المسلمون ولم يفلت من الديلم أحد، ولم يعد الديلم بعدها؛ فصار محمد فارس ذلك الثغر، وكان يدمن شرب الخمر، وبقي كذلك إلى أيام عمر بن عبد العزيز فأمر بتسييره إلى داره، وهى دار الفسّاق بالكوفة، فسيّر إليها، فأغارت الديلم بعده على قزوين ونالت من المسلمين وظهر الخلل بعده حتى طلب ثانية وأعيد الى قزوين. وفيها توفى سويد بن غفلة، وكنيته أبو أمية كناه بها عمر بن الخطاب، وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، أدرك رسول الله ﷺ ووفد عليه فوجده قد قبض، وأدرك دفنه وهم ينفضون أيديهم من التراب.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعًا وثمانية أصابع.
*** السنة السابعة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة اثنتين وثمانين- فيها كانت وقعة الزاوية بين محمد بن الأشعث وبين الحجاج بالبصرة، وكان لابن الأشعث مع الحجاج في السنة الماضية وفي هذه السنة عدّة
[ ١ / ٢٠٣ ]
وقائع منها: وقعة دجيل يوم عيد الأضحى، وهي وقعة دير الجماجم، ثم وقعة الأهواز، ويقال: إنه خرج مع ابن الأشعث ثلاثة وثلاثون ألف فارس ومائة وعشرون ألف راجل، فيهم علماء وفقهاء وصالحون. وقيل: إنه كان بينهما أربع وثمانون وقعة في مائة يوم، فكانت منها ثلاث وثمانون على الحجاج وواحدة له، فعند ما انكسر ابن الأشعث خرج إلى الملك زنبيل «١» والتجأ إليه حتى مات بعد ذلك في سنة أربع وثمانين، وفي موته أقوال كثيرة. وفيها عزل الخليفة عبد الملك بن مروان أبان بن عثمان بن عفان عن المدينة في جمادى الآخرة واستعمل عليها هشام بن إسماعيل المخزومىّ، فعزل هشام ابن مساحق عن القضاء بالمدينة وولى عوضه عمرو بن خالد الزّرقىّ.
وفيها غزا محمد بن مروان بن الحكم أخو الخليفة عبد الملك أرمينية، فهزم أهلها فسألوه الصلح فصالحهم، وولى عليهم أبا شيخ بن عبد الله فغدروا به وقتلوه. وقيل بل قتل سنة ثلاث وثمانين. وفيها توفي أسماء بن خارجة بن مالك الفزاري الكوفي أحد الأجواد، وفد على الخليفة عبد الملك فقال له عبد الملك: بلغني عنك خصال شريفة فأخبرني بها؛ قال أسماء: ما سألني أحد حاجة إلا وقضيتها، ولا أكل رجل من طعامي إلا رأيت له الفضل علي، ولا أقبل علي رجل بحديث إلا وأقبلت عليه بسمعي وبصري؛ فقال له عبد الملك: حق لك أن تشرف وتسود. وفيها توفي أبو الشعثاء سليم «٢» بن أسود بن حنظلة المحاربي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة. وقيل: إن وفاة أبي الشعثاء في غير هذه السنة والأصح فيها. وفيها توفي عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أبو بكر، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، كان يسجد على كور عمامته قد حالت بين جبهته والأرض. وفيها توفى
[ ١ / ٢٠٤ ]
المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، واسم أبي صفرة ظالم بن سراقة، وكنيته أبو خداش، كان خليفة أبيه على مرو فمات فى شهر رجب، وكان المغبرة جوادًا سيدًا شجاعأ، ولما وصل الخبر إلى أبيه وجد عليه وجدًا عظيمًا أثر فيه ذلك، ثم استناب ابنه يزيد بن المهلب على مرو.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعًا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعًا وسبعة عشر إصبعًا.
*** السنة الثامنة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة ثلاث وثمانين- فيها حج بالناس أمير المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي.
وفيها توفي أبو الجوزاء «١» أوس بن خالد الربعي البصري، وقيل خالد بن سمير، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة. وفيها توفي روح بن زنباع أبو زرعة الجذامي الشامي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وكان متميزًا عند الناس فخاف منه معاوية فعزم على قتله ثم خلى عنه، وكان عظيم دولة عبد الملك بن مروان، وهو الذي قدم الحجاج بن يوسف الثقفي عند عبد الملك حتى صار من أمره ما صار، وقصته مع الحجاج المذكور مشهورة من قتل عبيده وإحراق خيامه عند ما ولي الحجاج حرب مصعب بن الزبير. وروح هذا هو زوج هند بنت النعمان بن بشير، وكانت تكرهه، وهى القائلة:
وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراسٍ تجللها «٢» بغل
فإن نتجت مهرًا كريمًا فبالحرى وإن يك إقراف فمن قبل الفحل «٣»
[ ١ / ٢٠٥ ]
وقد شاع ذلك في زمانها حتى قال بعض الشعراء فى صاحب سأّلة:
لي صاحب مثل داء البطن صحبته يودني كوداد الذّيب للبرأعى
يثني علي جزاه الله صالحةً ثناء هندٍ على روح بن زنباع
وفيها توفي زاذان «١» الكوفي أبو عبد الله مولى كندة، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وكان صالحًا صاحب نسك وعبادة وكان بزازًا. وفيها توفي عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث «٢» بن عبد المطلب، أبو محمد الهاشمي، من الطبقة الأولى من التابعين، وأمه هند بنت أبي سفيان؛ ولد في زمان رسول الله ﷺ فأتت به أمه إلى أختها أم حبيبة زوجة النبي ﷺ، ثم دخل رسول الله ﷺ عليها فقال: «من هذا»؟ فقالت: ابن عمك وابن أختي، فتفل في فيه ودعا له. وفيها توفي عبد الله بن شداد بن الهاد «٣»، واسم الهاد عمرو الليثي، وسمي الهاد لأنه كان يوقد ناره للأضياف ليلًا ولمن سلك الطريق، وهو من الطبقة الأولى من تابعي المدينة، وأمه سلمى بنت عميس الخثعمية أخت أسماء.
وفيها توفي عبد الرحمن بن يسار أو بلال أبي ليلى، صحب أبوه رسول الله ﷺ وشهد معه أحدًا وما بعدها. وأما عبد الرحمن هذا فإنه تابعي من أهل الكوفة، من الطبقة الأولى، وكان عالمًا زاهدًا خرج على الحجاج بن يوسف، قتل بدجيل وقيل بل غرق في نهر دجيل مع ابن الأشعث. وفيها توفي معبد الجهني من أهل البصرة وهو أول من تكلم في القدر، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، وحضر التحكيم بدومة الجندل. وفيها توفي المهلب بن أبي صفرة اسمه ظالم
[ ١ / ٢٠٦ ]
ابن سراق بن صبح الأزدي العتكي «١» البصري، وفي اسم المهلب أقوال كثيرة، قيل:
اسمه سارق بن ظالم، وقيل بالعكس، وقيل طارق بن سارق، وقيل قاطع بن سارق وقيل الذي ذكرناه أولًا؛ الأمير أبو سعيد أحد أشراف أهل البصرة ووجوههم وفرسانهم، ولد عام الفتح في حياة النبي ﷺ وولي الأعمال الجليلة، وله مواقف مع الروم وغيرها إلى أن توفي.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبعة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وواحد وعشرون إصبعًا.
*** السنة التاسعة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة أربع وثمانين- فيها فتحت المصيصة على يد عبد الله بن عبد الملك بن مروان.
وفيها افتتح موسى بن نصير ملك درنة من بلاد المغرب، فقتل وسبى حتى قيل:
إن السبي بلغ خمسين ألفًا. وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية فهزمهم وحرق كنائسهم، وتسمى سنة الحريق. وفيها قتل الحجاج أيوب بن القرية وكان من فصحاء العرب وبلغائهم وأجوادهم، كان خرج أيضًا مع محمد بن الأشعث، واسمه أيوب ابن زيد بن قيس أبو سليمان الهلالي، ثم ندم الحجاج على قتله. وابن القرية هذا له حكايات كثيرة في الجود والكرم والفصاحة، منها: أنه لما أحضره الحجاج ليقتله، فقال له ابن القرية: أقلني عثرتي، واسقني ريقي فإنه «ليس «٢» جواد إلا له كبوة، ولا شجاع إلا له هبوة، ولا صارم إلا له نبوة»؛ فقال الحجاج: كلا! والله لأزيرنك «٣»
[ ١ / ٢٠٧ ]
جهنم؛ قال: فأرحني فإني أجد حرها، فأمر به فضربت عنقه، فلما رآه قتيلًا قال:
لو تركناه حتى نسمع من كلامه!. وفيها ولي إمرة الإسكندرية عياض بن غنم التجيبي. وفيها بعث عبد الملك بن مروان بالشعبي إلى أخيه عبد العزيز صاحب الترجمة إلى مصر بسبب البيعة للوليد بن عبد الملك حسبما ذكرناه في صدر ترجمة عبد العزيز. وفيها حج بالناس هشام بن إسماعيل. وفيها ظفر الحجاج برأس محمد بن الأشعث وطيف بها في الأقاليم. وفيها قتل الحجاج حطيطًا الزيات الكوفي، كان عابدًا زاهدًا يصدع بالحق، قتله الحجاج لتشيعه ولميله لابن الأشعث. قيل: إنه لما أحضره بين يديه قال له الحجاج: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ قال: أقول فيهما خيرًا، قال: ما تقول في عثمان؟ قال: ما ولدت في زمانه، فقال له الحجاج: يا بن اللخناء، ولدت في زمان أبي بكر وعمر ولم تولد في زمن عثمان! فقال له حطيط:
يا بن اللخناء، إني وجدت الناس اجتمعوا في أبي بكر وعمر فقلت بقولهم، ووجدت الناس اختلفوا في عثمان فوسعني السكوت، فقال معد لعنه الله (معد صاحب عذاب الحجاج): إني أريد أن تدفعه إلي، فو الله لأسمعنك صياحه، فسلمه إليه فجعل يعذبه ليلته كلها وهو ساكت، فلما كان وقت الصبح كسر ساق حطيط، ثم دخل عليه الحجاج لعنه الله فقال له: ما فعلت بأسيرك، فقال: إن رأى الأمير أن يأخذه مني، فقد أفسد علي أهل سجني، فقال له الحجاج: علي به فعذبه بأنواع العذاب وهو صابر، فكان يأتي بالمسال فيغرزها في جسمه وهو صابر، ثم لفه في بارية وألقاه حتى مات. وفيها توفي أبو عمرو سعد بن إياس الشيباني صاحب العربية وأيام الناس، كان إمامًا فيهما، وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، شهد القادسية وروى عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم.
[ ١ / ٢٠٨ ]
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع ونصف، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعًا وواحد وعشرون إصبعًا.
*** السنة العشرون من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة خمس وثمانين- فيها كانت وفاة عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة، حسبما تقدم ذكره، في الطاعون العظيم الذي كان في هذه السنة بمصر وأعمالها، وهو ثامن طاعون كان في الإسلام على قول بعضهم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى في حوادث سنة ست وستين. وفيها غزا محمد بن مروان إرمينية فأقام بها سنة وولى عليها عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي، فبنى مدينة أردبيل ومدينة برذعة. وفيها جهز عبد الله بن عبد الملك بن مروان يزيد بن حنين في جيش فلقيه الروم فى جيش كثير فأصيب الناس، وقتل ميمون الجرجاني في ألف نفس من أهل أنطاكية.
وفيها عزل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة عن خراسان، وولي الفضل أخوه مدة يسيرة ثم عزل أيضًا، وولي قتيبة بن مسلم. وفيها قتل موسى بن عبد الله بن خازم «١» السلمي وكان بطلًا شجاعًا وسيدًا مطاعًا، كان غلب على ترمذ وما وراء النهر مدة سنين وحارب العرب من هذه الجهة والترك من تلك الجهة، وجرت له وقعات عظيمة، وآخر الأمر أنه خرج ليلة في هذه السنة بعساكره ليغير على جيش فعثر به فرسه فابتدره ناس من ذلك الجيش وقتلوه. وفيها حج بالناس هشام بن إسماعيل المخزومي. وفيها توفي عبد الله بن عامر بن ربيعة حليف بني عدي، وكان له لما مات النّبيّ ﷺ أربع سنين. وفيها توفي واثلة بن الأسقع
[ ١ / ٢٠٩ ]
ابن عبد العزّى بن عبدياليل، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكان ينزل ناحية المدينة، فأتى رسول الله ﷺ فصلى معه الصبح وبايعه.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وخمسة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وواحد وعشرون إصبعا.