هو عتبة بن أبي سفيان- واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس- أخو معاوية بن أبي سفيان لأبيه. ولاه أخوه معاوية إمارة مصر بعد وفاة عمرو بن العاص ﵁ في شوال سنة ثلاث وأربعين. ودخل عتبة مصر
[ ١ / ١٢٢ ]
في ذي القعدة منها. وكان عتبة هذا شهد مع عثمان بن عفان يوم الدار. قال الحافظ ابن عساكر في تاريخه: قدم على أخيه معاوية بدمشق، وكان له بها في درب الحمالين «١» دار، وولي المدينة والطائف والموسم لأخيه معاوية غير مرة، وشهد وقعة الجمل مع عائشة ﵂ ثم انهزم، فعيره عبد الرحمن بن الحكم «٢»:
لعمري والأمور لها دواعٍ لقد أبعدت يا عتب الفرارا
وقال ابن عساكر عن الهيثم بن عدي قال: ذكر ابن عباس عتبة بن أبي سفيان في العور، ذهبت عينه يوم الجمل مع عائشة. وقال أبو بكر الخطيب: حج عتبة ابن أبي سفيان بالناس سنة إحدى وأربعين وسنة اثنتين وأربعين. وقال الأصمعي:
الخطباء من بني أمية: عتبة بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان. وقال أبو حاتم:
أوصى «٣» عتبة بن أبي سفيان مؤدب ولده فقال: ليكن أول إصلاحك بني إصلاحك لنفسك، فإن عيوبهم معقودة بعيبك، فالحسن عندهم ما فعلت، والقبيح ما تركت، وعلمهم كتاب الله ولا تملهم فيتركوا، ولا تدعهم منه فيهجروا؛ وروهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه؛ ولا تخرجهم من علم «٤» إلى علم حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم «٥»؛ وهددهم بي وأدبهم دوني؛ وكن بهم كالطبيب الرفيق الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، وامنعهم من محادثة النساء، واشغلهم بسير الحكماء؛ واستزدني بآدابهم أزدك، ولا تتكلن على عذر مني فقد اتكلت على كفاية منك. انتهى.
[ ١ / ١٢٣ ]
ولما قدم عتبة إلى مصر في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين أقام بها أشهرًا ثم خرج منها وافدًا على أخيه معاوية بدمشق، واستخلف على مصر عبد الله بن قيس ابن الحارث، وكانت في عبد الله المذكور شدة فكرهه الناس بمصر، فبلغ ذلك عتبة هذا فرجع الى مصر وصعد المنبر وقال: يأهل مصر، قد كنتم تعذرون ببعض المنع منكم لبعض الجور عليكم، وقد وليكم من إن قال فعل، فإن أبيتم درأكم «١» بيده، فإن أبيتم؟؟؟ درأكم بسيفه؛ ثم جاء في الآخر «٢» ما أدرك في الأول، إن البيعة شائعة «٣»، لنا عليكم السمع والطاعة، ولكم علينا العدل، فأينا غدر فلا ذمة له عند صاحبه؛ فناداه المصريون من جنبات المسجد: سمعًا سمعًا؛ فناداهم عتبة: عدلًا عدلًا. ثم نزل.
فجمع له أخوه معاوية الصلاة والخراج؛ وعقد عتبة هذا لعلقمة بن يزيد على الإسكندرية في اثني عشر ألفًا من آهل الديوان تكون بها مرابطة، ثم خرج إليها عتبة بعد ذلك مرابطًا في ذي القعدة وقيل في ذي الحجة، وهو الأشهر، سنة أربع وأربعين من الهجرة، فمات بها في الشهر المذكور. وتولى مصر بعده عقبة بن عامر الجهني، وكانت ولاية عتبة على مصر سنة واحدة وشهرًا واحدًا.
*** السنة التي حكم فيها عتبة بن أبي سفيان على مصر وهي سنة ثلاث وأربعين- فيها شتى بسر بن أبي أرطاة بأرض الروم مرابطًا: وفيها فتح عبد الرحمن بن سمرة
[ ١ / ١٢٤ ]
الزرنج «١» وغيرها من بلاد سجستان. وفيها افتتح عقبة بن نافع الفهري كورًا من بلاد السودان ووردان من بلاد برقة. وفيها توفي عبد الله بن سلام الإسرائيلي- ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من الأنصار، وقال: كنيته أبو يوسف، وكان اسمه الحصين، فلما أسلم في السنة الأولى من الهجرة سماه رسول الله ﷺ عبد الله. وهو رجل من بني إسرائيل من ولد يوسف بن يعقوب ﵉، وهو صاحب القصة مع اليهود. وفيها توفي محمد بن مسلمة بن خالد الأنصاري الصحابي، مذكور في الطبقة الأولى من الأنصار، أسلم بالمدينة على يد مصعب ابن عمير، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح وشهد بدرًا والمشاهد كلها ومات في صفر.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم تسعة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعًا وخمسة أصابع. وذكر في درر التيجان: أن الماء القديم في هذه السنة أربعة أذرع وثلاثة أصابع.
*** السنة الثانية من ولاية عتبة بن أبي سفيان على مصر وهي سنة أربع وأربعين- فيها توفي عتبة صاحب الترجمة حسبما تقدم ذكره. وفيها غزا المهلب بن أبي صفرة أرض الهند وسار إلى قندابيل «٢» وكسر العدو وسلم وغنم، وهي أول غزواته. وفيها حج الخليفة معاوية بن أبي سفيان بالناس من الشام. وفيها زاد معاوية في مقصورة جامع دمشق، وكان قد أحدثها لما وثب عليه البرك ليقتله.
ثم أحدث في هذه السنة أيضًا مروان بن الحكم مقصورة المدينة وهو والٍ عليها.
وفيها أوغل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في بلاد الروم وشتى بها. وفيها غزا بسر
[ ١ / ١٢٥ ]
ابن أبي أرطاة في البحر. وفيها عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة. وفيها توفي الحارث بن خزمة بن عدي بن أبىّ بن «١» غنم الأشهلي أبو بشير الصحابي، هو من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرا والمشاهد كلها، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين إياس بن أبي البكير. وفيها توفيت أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان على الصحيح، واسمها رملة، وهي أخت معاوية لأبيه، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وهي ابنة عمة عثمان بن عفان، وكان تزوجها رسول الله ﷺ بالحبشة، وذلك في سنة ست من الهجرة أو سبع. وفيها توفي أبو بردة بن نيار بن عمرو بن عبيد بن عمرو بن كلاب، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار من الصحابة، شهد العقبة مع السبعين وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ. وفيها توفي أبو موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس بن سليم اليماني، صاحب رسول الله ﷺ، قدم عليه مسلمًا مع أصحاب السفينتين واستعمله رسول الله ﷺ على زبيد وعدن، ثم ولي الكوفة والبصرة. لعمر بن الخطاب ﵄.
ومات في ذي الحجة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعًا وإصبع واحد.