هو عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن رفاعة بن مودوعة بن عدي ابن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة الجهني، أبو حماد الصحابىّ،
[ ١ / ١٢٦ ]
شهد فتح مصر مع عمرو بن العاص ثم وليها من قبل معاوية بن أبي سفيان بعد موت أخيه عتبة بن أبي سفيان في سنة أربع وأربعين، وكان يخضب بالسواد.
قال صاحب البغية: ودام بمصر إلى أن قدم مسلمة بن مخلد على معاوية بدمشق، فولاه مصر وأمره أن يكتم ذلك عن عقبة بن عامر، ثم سيره إلى مصر وأمر معاوية عقبة بغزو رودس ومعه مسلمة بن مخلد المذكور، وخرجا إلى الإسكندرية ثم توجها في البحر، فلما سار عقبة استولى مسلمة على سرير إمرته، فبلغ ذلك عقبة ابن عامر، وكان ذلك لعشرٍ بقين من ربيع الأول سنة سبع وأربعين، وكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر، وتولى مسلمة. وآخر من روى عن عقبة بمصر أبو قبيل. انتهى.
وقال الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر في الإصابة: روى عن النّبيّ ﷺ، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، منهم ابن عباس وأبو أمامة وجبير بن نفير وبعجة بن عبد الله الجهني وأبو إدريس الخولاني وخلق من أهل مصر.
قال أبو سعيد بن يونس: كان قارئًا عالمًا بالفرائض والفقه صحيح اللسان شاعرًا كاتبًا، وهو آخر من جمع القرآن. قال: ورأيت مصحفه بمصر على غير تأليف مصحف عثمان، وفي آخره: كتبه عقبة بن عامر بيده.
وفي صحيح مسلم من طريق قيس بن أبي حازم عن عقبة بن عامر قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا في غنم لي أرعاها فتركتها ثم ذهبت إليه فقلت: بايعني فبايعني على الهجرة. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي. وشهد عقبة بن عامر الفتوح، وكان هو الرائد إلى عمر بفتح دمشق. وشهد صفين مع معاوية وأمره بعد ذلك على مصر.
[ ١ / ١٢٧ ]
وقال أبو عمر الكندي: جمع له معاوية في إمرة مصر بين الخراج والصلاة، فلما أراد عزله كتب إليه أن يغزو رودس، فلما توجه مسافرًا استولى مسلمة، فبلغ عقبة فقال: أغربةً وعزلًا! وذلك في سنة سبع وأربعين. ومات في خلافة معاوية على الصحيح.
وحكى أبو زرعة في تاريخه عن عباد بن بشر قال: رأيت رجلًا يحدث في خلافة عبد الملك فقلت: من هذا؟ فقالوا: عقبة بن عامر الجهني. قال أبو زرعة: فذكرته لأحمد بن صالح، فقال: هذا غلط، مات عقبة في خلافة معاوية. وكذلك أرخه الواقدي وغيره، زاد في آخرها: وأما قول خليفة بن خياط: قتل في النهروان من أصحاب علي، أبو عمرو «١» عقبة بن عامر الجهني فهو آخر، بدليل قول خليفة في تاريخه في سنة ثمان وخمسين مات عقبة بن عامر الجهني. انتهى كلام شيخ الإسلام ابن حجر.
وقال صاحب كتاب «العقود الدرية في الأمراء المصرية»: توفي عقبة في سنة ثمان وخمسين بمصر، وقبره يزار بالقرافة.
وقال صاحب كتاب «مهذب الطالبين إلى قبور الصالحين»: عقبة بن عامر الجهني من أعلام الصحابة معدود من خدّام النّبيّ ﷺ، وكان يأخذ بزمام بغلة رسول الله ﷺ ويقودها في الأسفار، وعدد له رسول الله ﷺ فضل المعوذتين وحثه على قراءتهما؛ وهو أحد من شهد فتح مصر من الصحابة، وولي مصر لمعاوية بن أبي سفيان بعد عتبة بن أبي سفيان، ثم غزا في البحر سنة سبع وأربعين. وهو أول من نشر الرايات على السفن، فلما خرج إلى الغزو جاء كتاب معاوية بعزله وولاية مسلمة، فلم يظهر مسلمة ولايته، فقال عقبة: ما لي أرى الأمر أبطأ علي؟ قالوا: ولى مسلمة بن مخلد، قال عقبة: ما أنصفنا معاوية عزلنا وغرّبنا.
[ ١ / ١٢٨ ]
قال: ولأهل مصر فيه اعتقاد عظيم، ولهم عنه نحو مائة حديث. وقد ذكر ابن عبد الحكم أحاديثه التي رواها عنه أهل مصر.
الحديث الأول- منها: «من توضأ فأحسن وضوءه ثم صلى [صلاةً «١»] غير ساهٍ ولا لاهٍ كفر عنه ما كان قبلها من سيئاته «٢»» .
الحديث الثاني- قال عقبة: سمعت النبي ﷺ يقول: «تعجب «٣» ربك من شاب ليس له صبوة»
الحديث الثالث- قال «٤» عقبة: كنت آخذ بزمام بغلة رسول الله ﷺ في بعض غاب المدينة، فقال لي: «يا عقبة ألا تركب» فأشفقت أن تكون معصية، فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنيهة، ثم ركب فقال: «ألا أعلمك سورتين» فقلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرأنى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
، ثم أقيمت الصلاة فتقدم وصلى بهما وقال: «اقرأهما كلما نمت وقمت» .
ثم قال: وليس في الجبانة قبر صحابي مقطوع به إلا قبر عقبة فإنه زاره الخلف عن السلف.
وقال الشيخ الموفّق ابن عثمان في تاريخه المرشد ناقلًا عن حرملة من أصحاب الشافعي: إن البقعة التي دفن فيها عقبة المذكور بها أيضًا قبر عمرو بن العاص وقبر
[ ١ / ١٢٩ ]
أبي بصرة الصحابيين، تحويهم القبة التي هدمها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ثم بناها البناء المعهود الآن. ورئي بعض الأمراء في النوم ممن جاوره، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بمجاورة عقبة. وروي له من البركات روايات كثيرة: منها أن رجلًا أسر له ولد فأتى قبر عقبة ودعا الله ﷿ فقام من عند قبره فلقي ابنه في الطريق. انتهى كلام صاحب مهذب الطالبين.
*** السنة الأولى من ولاية عقبة بن عامر الجهني على مصر وهي سنة خمس وأربعين- فيها غزا معاوية بن حديج إفريقية من بلاد المغرب. وفيها سار عبد الله بن سوار العبدي فافتتح القيقان وغنم وسلم وعاد. وفيها عزل عبد الله ابن عامر عن البصرة، فاستعمل عليها معاوية الحارث بن عمرو الأزدي ثم عزل عن قريب وولّى عليها زياد بن أبيه، فبادر زياد وقتل سهم بن غالب الذي كان خرج في أول الأمر على معاوية وصلبه. وفيها توفيت أم المؤمنين حفصة بنت عمر ابن الخطاب زوجة رسول الله ﷺ، وأمها زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون. قال ابن سعد بإسناده: ولدت حفصة وقريش تبني البيت قبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين. وذكر الذهبي وفاتها في سنة إحدى وأربعين وتابعه جماعة على ذلك. وفيها توفّى زيد بن ثابت بن الضحّاك ابن زيد الأنصاري الصحابي، وهو من الطبقة الثالثة من الأنصار، كنيته أبو سعيد وقيل أبو خارجة. قال الإمام أحمد بن حنبل حدثنا وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «أرحم أمتي أبو بكر وأشدها في دين الله عمر وأصدقها حياءً عثمان وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت» .
[ ١ / ١٣٠ ]
قلت: وهو من كتاب الوحي والقراء. وفيها توفّى سلمة بن سلامة وكنيته أبو عوف. وقيل أبو ثابت. وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، صحابي مشهور، شهد العقبتين وبدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ. وفيها توفّى سهل ابن عمرو بن زيد بن جشم الأنصاري، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من الصحابة ممن شهد أحدًا «١» والخندق وما بعدهما مع رسول الله ﷺ. وفيها توفّى عاصم ابن عدي، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وكنيته أبو عمرو «٢» وقيل أبو عبد الله، وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ من بدر إلى قباء.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وسبعة أصابع. وقال صاحب درر التيجان: وسبعة عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعًا وخمسة أصابع.
*** السنة الثانية من ولاية عقبة بن عامر الجهني على مصر وهي سنة ست وأربعين- فيها عزل الخليفة معاوية عبد الرحمن بن سمرة عن سجستان وولاها الربيع بن زياد الحارثي، فخاف الترك وجمع ملكهم «كابل شاه» الجموع وزحف على المسلمين فنزح المسلمون عن مدينة كابل، ثم لقيهم الربيع هذا وقاتلهم (أعني الترك) فهزمهم الله تعالى؛ وساق وراءهم المسلمين إلى الرخج، وغنموا منهم شيئًا كثيرًا. وشتى المسلمون بأرض الروم في هذه السنة. وفيها توفي عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لما رجع من بلاد الروم إلى حمص، وكان قد شتى بالروم وفتح حصونًا كثيرة، فسقاه ابن أثال «٣» النصراني شربة مسمومة فمات منها. وهو ممن أدرك رسول الله ﷺ
[ ١ / ١٣١ ]
وقيل إنه مات في سنة تسع وأربعين. وفيها توفي هرم بن حيان العبدي «١» البصري ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من الفقهاء المحدثين والزهاد من أهل البصرة، وهو أحد الزهاد الثمانية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وسبعة «٢» أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعًا وتسعة أصابع. وفي الدرر: ثمانية عشر ذراعًا وتسعة أصابع.
*** السنة الثالثة من ولاية عقبة بن عامر الجهني على مصر وهي سنة سبع وأربعين- فيها عزل عقبة المذكور عن مصر. وفيها سار رويفع بن ثابت الأنصاري من طرابلس الغرب ودخل إفريقية ثم عاد من سنته. وفيها غزا عبد الله بن سوار العبدي القيقان أيضًا، فجمع له الترك والتقوا معه فاستشهد عبد الله وسائر من كان معه من الجيوش. وفيها شتى مالك بن هبيرة بأرض الروم. وفيها أقام الموسم عنبسة ابن أبي سفيان. وفيها توفي قيس بن عاصم بن سنان؛ ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة في الصحابة ممن أسلم من العرب ورجع إلى بلاد قومه، وكنيته أبو علي وقيل أبو قبيصة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة عشر إصبعًا.
وفي درر التيجان: وثلاثة وعشرون إصبعًا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعًا وسبعة أصابع.