هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤي بن غالب، أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد القرشىّ السّهمىّ الصحابىّ؛ أسلم يوم الهدنة وهاجر، واستعمله رسول الله ﷺ على جيش غزوة ذات السلاسل، وفيه أبو بكر وعمر، لخبرته بمكيذة الحرب، ثم ولي الإمرة في غزوة الشأم لأبي بكر وعمر، ثم افتتح مصر حسبما تقدم ذكره ووليها لعمر أولًا، ثم وليها لمعاوية ابن أبي سفيان ثانيًا على ما يأتي ذكره.
[ ١ / ٦١ ]
وحكى ابن سعد في كتاب الطبقات: أنه أسلم بعد الحديبية هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة.
قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي في تاريخ الإسلام: وله عدة أحاديث، روى عنه ابناه عبد الله ومحمد، وأبو عثمان النهدي، وقبيصة بن ذؤيب، وعلي بن رباح، وعبد الرحمن بن شماسة، وآخرون؛ وقدم دمشق رسولًا من أبي بكر إلى هرقل، وله بدمشق دار عند سقيفة كردوس، ودار عند باب الجابية تعرف ببني حجيجة، ودار عند عين الحمار «١»، وأمه عنزية، وكان قصيرا يخضب بالسواد.
حدثنا ابن لهيعة عن مشرح عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص» رواه الترمذي. وقال ابن أبي مليكة قال طلحة بن عبيد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«عمرو بن العاص من صالحي قريش» أخرجه الترمذي وفيه انقطاع. وقال حمّاد ابن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: «ابنا العاص مؤمنان هشام وعمرو» . وقال ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أخبرني سويد بن قيس عن قيس بن شفىّ: أن عمرو بن العاص قال:
يا رسول الله، أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي؟ قال: «إن الإسلام والهجرة يجبّان ما كان قبلهما» قال: فو الله ما ملأت عيني منه ولا راجعته بما أريد حتى لحق بالله، حياءً منه.
وقال الحسن البصري: قال رجل لعمرو بن العاص: أرأيت رجلًا مات رسول الله ﷺ وهو يحبه، أليس رجلًا صالحًا؟ قال: بلى، قال:
قد مات رسول الله ﷺ وهو يحبك، وقد استعملك؛ قال: بلى،
[ ١ / ٦٢ ]
فو الله ما أدري أحبًا كان لي منه أو استعانةً بي، ولكن سأحدثك برجلين مات وهو يحبهما: عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر؛ فقال الرجل: ذاك قتيلكم يوم صفين، قال: قد والله فعلنا.
وروي أن عمرًا لما توفي النبي ﷺ كان على عمان، فأتاه كتاب أبي بكر بذلك. قال ضمرة عن الليث بن سعد: إن عمر ﵁ نظر إلى عمرو ابن العاص يمشي، فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرًا.
قال الذهبي بعد كلام ساقه: ثم إن عمرًا قال لمعاوية- يعني في أيام وقعة صفين-: يا معاوية، أحرقت كبدي بقصصك، أترى أنا خالفنا عليًا لفضلٍ منا عليه! لا والله، إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها، وأيم الله لتقطعن لي قطعة من دنياك، أو لأنابذنك، قال: فأعطاه مصر، يعطي أهلها عطاءهم وما بقي فله.
ويروى أن عليًا كتب إلى عمرو يتألفه، فلما أتاه الكتاب أقرأه معاوية، وقال:
قد ترى، فإما أن ترضيني، وإما أن ألحق به! قال: فما تريد؟ قال: مصر، فجعلها له.
وعن يزيد بن أبي حبيب وغيره؛ أن الأمر لما صار لمعاوية استكثر طعمة مصر لعمرو، ورأى عمرو أن الأمر كله قد صلح به وبتدبيره وعنائه، وظن أن معاوية سيزيده الشأم مع مصر فلم يفعل معاوية، فتنكر له عمرو فاختلفا وتغالظا، فدخل بينهما معاوية بن حديج فأصلح بينهما، وكتب بينهما كتابًا: إن لعمرو ولاية مصر سبع سنين وأشهد عليهما شهودًا، ثم مضى عمرو إليها سنة تسع وثلاثين (أعني في ولايته الثانية)، فما مكث نحو ثلاث سنين حتى مات.
[ ١ / ٦٣ ]
قال: وكان عمرو من أفراد الدهر دهاء وجلادة وحزمًا ورأيًا وفصاحة. ذكر محمد بن سلام الجمحي: أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى رجلًا يتلجلج في كلامه يقول: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد.
وقال مجالد عن الشعبي عن قبيصة عن جابر قال: صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت أقرأ لكتاب الله منه، ولا أفقه في دين الله منه، ولا أحسن مداراةً منه؛ وصحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلًا أعطى للجزيل منه من غير مسئلة؛ وصحبت معاوية فما رأيت رجلًا أحلم منه؛ وصحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلًا أبين، أو قال أنصع، «١» ظرفًا منه، ولا أكرم جليسًا، ولا أشبه سريرة بعلانيةٍ منه؛ وصحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها. وقال موسى بن علي بن رباح حدثنا أبي حدثنا أبو قيس مولى عمرو بن العاص: أن عمرًا كان يسرد الصوم، وقلما كان يصيب من العشاء أول الليل، أكثر ما كان يأكل في السحر. وقال عمرو بن دينار: وقع بين المغيرة بن شعبة وبين عمرو بن العاص كلام فسبه المغيرة، فقال عمرو: يا آل هصيص، أيسبني ابن شعبة! فقال عبد الله ابنه: إنا لله! دعوت بدعوى القبائل وقد نهي عنها! فأعتق عمرو ثلاثين رقبة. انتهى كلام الذهبي باختصار.
قلت: ولما ولي عمرو بن العاص مصر ودخلها سكن الفسطاط. ولسبب تسمية مصر بالفسطاط أقول كثيرة، منها: أن عمرًا لما أراد التوجه لفتح الإسكندرية أمر بنزع فسطاطه (أعني خيمته) فإذا فيه يمامة قد فرخت، فقال عمرو: لقد تحرّم منا بمتحرّم، فأمر به فأقرّ كما هو، وأوصى به صاحب القصر، فلما قفل المسلمون
[ ١ / ٦٤ ]
من الإسكندرية قالوا: أين ننزل؟ قالوا: الفسطاط- يعنون فسطاط عمرو الذي خلفه بمصر مضروبًا لأجل اليمامة فغلب عليه ذلك- وكان موضع الفسطاط المذكور موضع الدار التى تعرف اليوم بدار الحصار «١» عند دار عمرو الصغيرة بمصر.
وقال الشريف محمد بن سعد الجوّانىّ: كان فسطاط عمرو عند درب حمّام «٢» شمول بخط الجامع، اهـ.
ولما رجع عمرو من الإسكندرية في سنة إحدى وعشرين أو غيرها نزل موضع فسطاطه وتنافست «٣» القبائل بعضها مع بعض في المواضع، فولى عمرو بن العاص معاوية بن حديج التجيبي «٤»، وشريك بن سمي الغطيفي، وعمرو بن قحزم «٥» الخولاني، وحيويل «٦» بن ناشرة المعافري على الخطط، وكانوا هم الذين نزلوا الناس وفصلوا بين القبائل. وذلك في سنة إحدى وعشرين من الهجرة، واستمر عمرو على عمله بمصر، وشرع في بناء جامعه بمصر إلى أن عزله عثمان عن ولاية مصر في سنة خمس وعشرين بعبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد أن أنتقض صلح أهل الإسكندرية وغزاه عمرو في السنة المذكورة.
وسبب ذلك أن ملك الروم بعث إليهم منويل الخصي في مراكب من البحر، فطمعوا في النصرة ونقضوا دينهم، فغزاهم عمرو في ربيع الأول سنة خمس وعشرين
[ ١ / ٦٥ ]
فافتتح الأرض عنوة والمدينة صلحًا، ثم استأذن عمرًا عبد الله بن سعد بن أبي سرح في غزوة إفريقية، فأذن له عمرو بن العاص؛ وبعد قليل عزله عثمان في هذه السنة بعبد الله بن أبي سرح المذكور- وعبد الله بن أبى سرح أخو عثمان لأمه- وقيل:
إن ذلك كان في سنة سبع وعشرين، والذي قلنا الأقوى؛ وهذه ولاية عمرو بن العاص على مصر الأولى. وتأتي بقية ترجمته ووفاته في ولايته الثانية، إن شاء الله تعالى.
وسبب عزل عمرو بن العاص عن ولاية مصر أنه قدم على عثمان لما تخلف وكان قدم على عمر مرتين استخلف في إحداهما زكريا بن جهم العبدري «١»، وفي الثانية ابنه عبد الله، فلما قدم عمرو على عثمان سأله عزل عبد الله بن سعد ابن أبي سرح عن صعيد مصر، وكان عمر قد ولاه صعيد مصر، فامتنع عثمان من ذلك وعزله عن مصر وعقد لعبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر كلها مضافةً للصعيد وغيره، فكانت ولاية عمرو بن العاص على مصر في المرة الأولى أربع سنين وأشهرا.