هو موسى بن كعب الأمير أبو عيينة التميمي، أحد نقباء بني العباس، ولاه الخليفة أبو جعفر المنصور على إمرة مصر بعد عزل أبي عون، فدخل مصر
[ ١ / ٣٤٢ ]
لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائة وسماه صاحب «البغية» موسى بن كعب بن عيينة. اهـ.
قلت: وولي على صلاة مصر وخراجها معًا، ونزل العسكر المقدم ذكره وسكنه، وجعل على شرطته عكرمة بن عبد الله وباشر أمر مصر «١» بحرمة وافرة، ونهى الجند «٢» أن «٣» يتوجهوا إليه أو يتكلموا معه إلا في أمر مهم ولا يفعلوا به كما كانوا يفعلون بالأمراء من قبله، فانتهوا عنه حتى إنه لم يمكن «٤» أحدًا أن يجتاز ببابه إلا من له عنده حاجة أو أذن له في ذلك. وموسى هذا هو أول من بايع أبا العباس السفاح بالخلافة في مبدأ أمره وأخرجه إلى الناس، وكان هو القائم بأمر بني العباس مع أبي مسلم الخراساني، وكان موسى هذا يسافر إلى البلاد ويدعو الناس للقيام مع بني العباس حتى قبض «٥» عليه أسد بن عبد الله القسري عامل خراسان يوم ذاك لبني أمية، فأمر به أسد فألجم بلجام وكسرت أسنانه وعوقب ثم أطلق بعد شدائد، فلما صار الأمر إلى بني العباس أمالوا الدنيا عليه، وكان قاسى الأهوال بسبب دعوتهم وعذب وحبس كما سيأتي ذكره، وكان يقول لما ولي مصر: كانت لنا أسنان وليس عندنا خبز، فلما جاء الخبز ذهبت الأسنان؛ وكان أبو جعفر المنصور يعظمه ويجل مقداره، وكان جعله على شرطته ثم ولاه مصر مكرهًا وأضاف له السند، فلم تطل مدته على إمرة مصر وعزله أبو جعفر المنصور في ذي القعدة كما سيأتي ذكره بمحمد بن الأشعث، وكتب إليه المنصور: إني عزلتك عن غير سخط، ولكن بلغني أن عاملًا «٦»
[ ١ / ٣٤٣ ]
يقتل بمصر يقال له موسى، فكرهت أن تكونه؛ فأخذ موسى كلام المنصور لغرض من الأغراض، فقتل بعد ذلك بسنين موسى بن مصعب، في خلافة محمد المهدي كما سيأتي ذكره إن شاء الله، ولما صرف موسى بن كعب عن إمرة مصر استخلف على الجند خالد بن حبيب وعلى الخراج نوفل بن الفرات، وخرج موسى هذا من مصر لست بقين من ذي القعدة سنة إحدى وأربعين ومائة، وكانت ولايته على مصر سبعة أشهر وأيامًا، ولما خرج من مصر سار حتى قدم على الخليفة أبي جعفر المنصور فأكرم الخليفة نزله وولاه على الشرطة ثانيًا، ومات بعد مدة يسيرة، وقيل: إنه توجه مريضًا فمات في أثناء قدومه ولم يل الشرطة ولا غيرها، وعلى القولين فأنه مات في هذه السنة رحمه الله تعالى.
وأما أمر موسى هذا مع أسد وكان ذلك في سنة سبع عشرة ومائة فإنه كان خرج هو وسليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهرّ بن قريظ وخالد بن إبراهيم وطلحة ابن زريق فدعوا الناس لبني العباس، فظهر أمرهم فقبض عليهم أسد بن عبد الله وقال لهم: يا فسقة، ألم يقل الله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ
فقال له سليمان بن كثير: نحن والله كما قال الشاعر:
لو بغير الماء حلقى شرق كنت كالغصّان بالماء اعتصاري «١»
صيدت والله العقارب بيديك.
إنا أناس من قومك وإن المضرية رفعوا إليك هذا لأننا كنا أشدّ الناس على قتيبة ابن مسلم فطلبوا بثأرهم، فحبسهم وأطلق من كان معهم من أهل اليمن لأنه كان
[ ١ / ٣٤٤ ]
منهم، وأراد قتل من كان من مضر، فدعا موسى بن كعب هذا وألجمه بلجام حمار وجذب اللجام فتحطمت أسنانه ودق وجهه وأنفه، ثم دعا لاهز بن قريظ وضربه ثلثمائة سوط «١» .
*** السنة التي حكم فيها موسى بن كعب على مصر وهي سنة إحدى وأربعين ومائة فيها كان عزله وولايته. وفيها كانت وقعة الراوندية ببغداد، وهم قوم من خراسان على رأي أبي مسلم الخراساني، يقولون بتناسخ الأرواح، فيزعمون أن روح آدم ﵇ حلّت فى عثمان بن نهيك، وأنّ المنصور هو ربهم، وأن الهيثم بن معاوية هو جبريل، وأتوا قصر المنصور وجعلوا يطوفون به، فقبض المنصور على مائتين منهم وحبسهم فغضب الباقون، فعمدوا إلى نعش فارغ وحملوه يزعمون أنها جنازة ومروا بها على باب السجن، فشدوا على أهل السجن بالسلاح حتى فتحوا باب السجن، وأخرجوا أصحابهم وقصدوا المنصور، فخرج إليهم المنصور على غفلة فكانت بينهم وقعة كاد المنصور أن يقتل فيها، وقتل عثمان بن نهيك بسهم ثم وضع المنصور فيهم السيف. وفيها عزل الخليفة أبو جعفر المنصور زياد بن عبيد الله «٢» الحارثي عن مكة والمدينة والطائف وولى محمد بن خالد بن عبد الله القسري المدينة، وولى الهيثم بن معاوية مكة والطائف. وفيها توفي موسى بن عقبة بن أبي عياش المدني أبو محمد صاحب المغازي مولى أل الزبير بن العوام، ومغازيه في مجلد صغير، أدرك سهل بن سعد وحدث عن أم خالد بنت خالد وعن عروة وكريب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والأعرج وحمزة بن عبد الله بن عمرو الزهري وخلقٍ، وحدث عنه ابن جريج والأمام مالك وعبد الله بن المبارك وابن عيينة وغيرهم.
[ ١ / ٣٤٥ ]
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وخمسة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية أصابع.