هو يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي الطائي المهلبي أمير مصر، ولاه الخليفة أبو جعفر المنصور على الصلاة والخراج معا بعد عزل حميد ابن قحطبة عن إمرة مصر سنة أربع وأربعين ومائة، فقدم إلى مصر في يوم الاثنين النصف من ذي القعدة من السنة المذكورة، فأقر على شرطته عبد الله بن عبد الرحمن، وعلى الخراج معاوية بن مروان بن موسى بن نصير «١» . وكان يزيد جوادًا ممدحًا شجاعًا. قال يزيد: كنت يومًا واقفًا بباب المنصور أنا ويزيد بن أسيد السلمي إذ فتح باب القصر وخرج خادم لأبي جعفر المنصور، فنظر إلينا ثم انصرف فدخل وأخرج رأسه من طاق وقال:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد سليم والأغر ابن حاتم
فلا يحسب التمتام أنّى هجوته ولكنّنى فضّلت أهل المكارم
فقال له يزيد بن حاتم: نعم نعم على رغم أنفك وأنف من بعثك؛ فخرج الخادم وأبلغها الخليفة أبا جعفر، فضحك حتى استلقى. وهذا الشعر لربيعة بن ثابت الرقي يمدح يزيد هذا.
وفي أيام يزيد بن حاتم المذكور ظهرت بمصر دعوة بني الحسن بن علي ابن أبي طالب وتكلم بها الناس وبايع كثير منهم لبني الحسن في الباطن
[ ٢ / ١ ]
وماجت الناس بمصر وكاد أمر بني الحسن أن؟؟؟، والبيعة كانت باسم على بن محمد ابن عبد الله، وبينما الناس في ذلك قدم البريد برأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب في ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة فنصب في المسجد أيامًا. وكان يزيد هذا قد منع أهل مصر من الحج بسبب خروج هؤلاء العلويين، فلما قتل إبراهيم أذن لهم: الحج؛ وكان يزيد مقصدًا للناس محبًا للشعر وأهله، مدحه عدة من الشعراء. قيل: إن ربيعة المقدم ذكره، صاحب البيتين المقدم ذكرهما، قصده فاشتغل عنه يزيد، فخرج وهو يقول:
أراني ولا كفران لله راجعًا بخفي حنين من نوال ابن حاتم
فبلغ يزيد فرده وملأ خفيه ذهبًا، فقال فيه قصيدته المشهورة لما عزل عن إمرة مصر، التي أولها:
بكى أهل مصر بالدموع السواجم غداة غدا عنها الأغر (٣) ابن حاتم
ثم ورد عليه كتاب الخليفة المنصور يأمره بالتحوّل من المعسكر الى الفسط كما كانت عادة أمراء مصر قبل بناء المعسكر، وأن يجعل الدواوين في كنائس القصر- يعني قصر الشمع «١» - وذلك في سنة ست وأربعين ومائة. وقصد يزيد ابن حاتم من الشعراء محمد بن عبد «٢» الله بن مسلم ومدحه بقصيدة طنّانة أوّلها:
وإذا تباع كريمة أو تشترى فسواك بائعها وأنت المشترى
[ ٢ / ٢ ]
وكان يزيد منع الناس من الحج في سنة خمس وأربعين ومائة، كما تقدم ذكره، فلم يحجّ فى تلك السنة أحد من مصر ولا من الشام لما كان بالحجاز من الاضطراب من أمر بني الحسن، ثم حج يزيد هذا في سنة سبع وأربعين ومائة فاستخلف على مصر عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج صاحب شرطته، ولما عاد من الحج بعث جيشًا لغزو الحبشة من أجل خارجي ظهر هناك، فتوجه إليه الجيش وقاتلوه وظفروا به وقدم رأس الخارجي المذكور إلى مصر في عدّة رءوس، فنصبت الرءوس أيامًا بمصر ثم حملوها إلى بغداد، فضم الخليفة أبو جعفر المنصور عند ذلك ليزيد هذا برقة زيادة على عمل مصر؛ وهو أول من ضم له برقة على مصر، وكان ذلك في سنة تسع وأربعين ومائة. ثم خرج في أيام يزيد القبط بسخا بالوجه البحري، فجهز إليهم يزيد جيشًا كثيفًا فقاتله القبط وكسروه فرد الجيش منهزمًا، فصرفه أبو جعفر المنصور عن إمرة مصر في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين ومائة، فكانت ولايته على مصر سبع سنين وأربعة أشهر. وتولى من بعده مصر عبد الله ابن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، ثم ولي يزيد بن حاتم هذا بعد ذلك إفريقية من بلاد المغرب، فتوجه إليها وغزا بها عدة غزوات، ولا زال بها حتى توفي سنة سبعين ومائة، واستخلف على إفريقية ابنه داود بن يزيد، فأقره الخليفة هارون الرشيد على ذلك، ودام إلى أن عزله في سنة اثنتين وسبعين ومائة بعمه روح بن حاتم. اهـ