السنة الرابعة من ولاية يزيد بن حاتم على مصر وهي سنة ثمان وأربعين ومائة- فيها حج بالناس الخليفة أبو جعفر المنصور. وفيها توجه حميد بن قحطبة إلى ثغر أرمينية فلم يلق بأسًا، وتوطأت الممالك لأبي جعفر المنصور وثبتت قدمه في الخلافة وعظمت هيبته في النفوس ودانت له الأمصار؛ ولم يبق خارجًا عنه سوى جزيرة الأندلس من بلاد المغرب فقط، فإنها تغلب عليها عبد الرحمن بن معاوية المرواني الأموي المعروف بالداخل لكونه دخل المغرب لما هرب من بني العباس، وقد تقدم ذكره في هذا الكتاب، لكنه لم يتلقب بأمير المؤمنين بل بالأمير فقط، وكذلك بنوه من بعده، ويأتى ذكرهم في محلهم من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وفيها توفي جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبى طالب ﵃، الإمام السيد أبو عبد الله الهاشمي العلوي الحسيني المدني، يقال: مولده سنة ثمانين من الهجرة؛ وهو من الطبقة الخامسة من تابعي أهل المدينة، وكان يلقب بالصابر، والفاضل، والطاهر، وأشهر ألقابه الصادق؛ وهو سبط القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فإن أمه هي أم فروة بنت القاسم بن محمد المذكور، وأمها أم أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ولهذا كان جعفر يقول: أنا ابن الصديق مرتين، وهو يروي عن جده لأمه القاسم بن محمد ولم يرو
[ ٢ / ٨ ]
عن جده لأبيه علي زين العابدين، وقد أدركه وهو مراهق، وروى عن أبيه وعروة ابن الزبير وعطاء ونافع والزهري، وحدث عنه أبو حنيفة وابن جريج وشعبة والسفيانان ومالك وغيرهم. وعن أبي حنيفة قال: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد.
وروي عن علي بن الجعد عن زهير بن محمد قال: قال أبي لجعفر بن محمد- يعني الصادق-: إن لي جارا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر بن أبي قحافة وعمر، فقال:
جعفر: برئ الله من جارك، والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر.
وذكر الذهبي بإسناد عن محمد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة قال:
سألت أبا جعفر محمد بن علي وابنه جعفرًا عن أبي بكر وعمر، فقالا: يا سالم تولهما وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى ﵄. وقال لي جعفر:
يا سالم، أيسب الرجل جده! أبو بكر جدي، فلا نالتنى شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما. قال الذهبي: هذا إسناد صحيح؛ وسالم وابن فضيل شيعيّان. هـ.
قلت: * والفضل ما شهدت به الأعداء* وأي عذر أبقى جعفر الصادق بعد ذلك للرافضة! أخزاهم الله تعالى. وفيها توفي سليمان بن مهران الإمام أبو محمد الأسدي الكاهلي المحدث المعروف بالأعمش، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الكوفة، ولد بقرية أمه «١» من عمل طبرستان في سنة إحدى وستين.
[ ٢ / ٩ ]
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: وقد رأى أنس بن مالك وهو يصلي، ولم يثبت أنه يمع منه، مع أن أنسًا لما توفي كان للأعمش نيف وثلاثون سنة، وكان يمكنه السماع من جماعة من الصحابة. ثم ذكر الذهبي روايته عن جماعة كثيرة جدا، وذكر أيضًا من روى عنه أكثر وأمعن «١»؛ ثم ذكر من خفة روحه ودعابته أشياء، منها:
قال وقال عيسى بن يونس: خرج الأعمش فإذا بجندي فسخره ليعبر به نهرًا، فلما ركبه- قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا
الآية، فلما توسط به الأعمش في الماء قال: وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
ثم رمى به.
وقال محمد بن عبيد الطنافسي: جاء رجل نبيل كبير اللحية إلى الأعمش فسأله عن مسألة خفيفة من الصلاة، فالتفت إلينا الأعمش فقال: انظروا إليه، لحيته تحتمل حفظ أربعة آلاف حديث ومسألته مسألة صبيان الكتاب اهـ
وذكر الذهبي في هذه السنة وفاة جماعة كثيرة، قال: وتوفي جعفر بن محمد الصادق، وسليمان الأعمش، وشبل بن عبّاد مقرئ مكة، وزكريا بن أبي زائدة في قول، وعمرو بن الحارث الفقيه بمصر، وعبد الله بن يزيد بن هرمز؛ وعبد الجليل بن حميد اليحصبي، وعمار بن سعد المصري، والعوام بن حوشب، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبى ليلى القاضى- يأتى ذكره- قال: وحمد بن عجلان الفقيه المدني «٢»، ومحمد بن الوليد الزبيدي الفقيه، ونعيم بن حكيم المدائني «٣»، وأبو زرعة يحيى الشيباني.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم، ذراع وعشرون إصبعًا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
[ ٢ / ١٠ ]