السنة السادسة من ولاية يزيد بن حاتم على مصر وهي سنة خمسين ومائة- فيها خرج اسباديس «٣» في جموع كثيرة، يقال: كان في نحو ثلثمائة ألف مقاتل، وغلب على غالب خراسان؛ فخرج لقتالهم الأختم «٤» المروروذي بأهل مرو الروذ، فاقتتلوا فقتل الأختم في جيشه؛ ثم خرج لقتاله خازم بن خزيمة، وتقاتلا أشد قتال وثبت كل من الفريقين حتى نصر الله الإسلام وهزم اسباديس وكثر القتل في جيشه فقتل منهم سبعون ألفا وأسر بضعة عشر ألفا وهرب اسباديس في طائفة من عسكره إلى الجبل. وفيها عزل الخليفة أبو جعفر المنصور جعفر بن سليمان عن إمرة المدينة وولى الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي العلوى. وفيها حجّ بالناس عبد الصمد ابن علي العباسي. وفيها توفي الإمام الأعظم أبو حنيفة، واسمه النعمان بن ثابت بن زوطى، الفقيه الكوفي صاحب المذهب؛ ولد سنة ثمانين من الهجرة ورأى أنس
[ ٢ / ١٢ ]
ابن مالك الصحابي غير مرة بالكوفة لما قدمها أنس، قاله ابن سعد. وروى عن عطاء بن أبي رباح ونافع وسلمة وخلق كثير، وتفقه بحماد وغيره حتى برع في الفقه والرأي وساد أهل زمانه بلا مدافعة في علوم شتى. وقال عبد الله بن المبارك:
أبو حنيفة أفقه الناس. وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحدًا أورع ولا أعقل من أبي حنيفة. وعن أسد بن عمرو أن أبا حنيفة صلى العشاء والصبح بوضوء واحد أربعين سنة. قال الذهبي:
وقد روي من وجهين أنه ختم القرآن في ركعة. وعن النضر بن محمد قال: كان أبو حنيفة جميل الوجه نقي الثوب عطر الرائحة. وعن ابن المبارك واسمه عبد الله قال:
ما رأيت رجلًا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتًا وحلمًا من أبي حنيفة. وروى إبراهيم ابن سعيد «١» الجوهري عن المثنى أن رجلًا قال: جعل أبو حنيفة على نفسه إن حلف بالله صادقًا أن يتصدق بدينار. ويروى أن أبا حنيفة ختم القرآن في الموضع الذي مات فيه سبعة آلاف مرة. وروى محمد بن سماعة عن محمد بن الحسن عن القاسم بن معن: أن أبا حنيفة قام ليلة يردد قوله تعالى: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ
ويبكي ويتضرع إلى الفجر. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحدًا أحلم من أبي حنيفة. وعن الحسن بن زياد: قال أبو حنيفة: إذا ارتشى القاضي فهو معزول وإن لم يعزل. وقال إسحاق بن إبراهيم الزهري عن بشر بن الوليد الكندىّ: طلب المنصور أبا حنيفة فأراده على القضاء وحلف ليلين، فأبى وحلف ألا يفعل ذلك؛ فقال الربيع حاجب المنصور: ترى أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف! قال: أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر مني؛ فأمر به إلى السجن
[ ٢ / ١٣ ]
فمات فيه ببغداد. وعن مغيث بن بديل قال: دعا المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع؛ فقال: أترغب عما نحن فيه؟ فقال: لا أصلح؛ قال: كذبت؛ قال أبو حنيفة:
فقد حكم أمير المؤمنين على أني لا أصلح، فإن كنت كاذبًا فلا أصلح، وإن كنت صادقًا فقد أخبرتكم أني لا أصلح، فحبسه؛ ووقع لأبي حنيفة بسبب القضاء أمور مع المنصور وهو على امتناعه إلى أن مات. وقال أحمد بن الصباح: سمعت الشافعي يقول: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلًا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته. وقال حبان «١» بن موسى: سئل ابن المبارك: أمالك أفقه أم أبو حنيفة؟ قال: أبو حنيفة. وقال الخريبي «٢»: ما يقع في أبي حنيفة إلا حاسد أو جاهل. وقال يحيى القطان: لا نكذب الله، ما سمعنا بأحسن من أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. وقال علي بن عاصم: لو وزن علم أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم. وقال حفص بن غياث: كلام أبي حنيفة في الفقه أرق من الشعر لا يعيبه إلا جاهل. وقال الحميدي: سمعت ابن عيينة يقول:
شيئان ما ظننتهما يجاوزان قنطرة الكوفة: قراءة حمزة وفقه أبي حنيفة، وقد بلغا الآفاق. وعن الأعمش أنه سئل عن مسألة فقال: إنما يحسن هذا النعمان بن ثابت، وأظنه بورك له في علمه. وقال جرير: قال لي مغيرة: جالس أبا حنيفة تتفقه، فإن إبراهيم النخعي لو كان حيًا لجالسه. وقال محمد بن شجاع سمعت علي بن عاصم يقول: لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف الناس لرجح بهم.
[ ٢ / ١٤ ]
قلت: ومناقب أبي حنيفة كثيرة، وعلمه غزير وفي شهرته ما يغني عن الإطناب في ذكره، ولو أطلقت عنان القلم في كثرة علومه ومناقبه لجمع من ذلك عدة مجلدات؛ وكانت وفاته ﵁ في شهر رجب من هذه السنة، ودفن بمقابر بغداد، وأقام على ذلك سنين إلى أن بنى عليه شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور الخوارزمي مستوفي مملكة السلطان ملك شاه السلجوقي مشهدًا في سنة تسع وخمسين وأربعمائة وبنى على القبر قبة ومدرسة كبيرة للحنفية، فلما فرغ من عمارة ذلك جمع الفقهاء والعلماء والأعيان ليشاهدوا ما بناه، فبينما هم في ذلك إذ دخل عليهم الشريف أبو جعفر مسعود «١» البياضىّ الشاعر وأنشد:
ألم تر أن العلم كان مبددًا فجمعه هذا الموسد في اللحد
كذلك كانت هذه الأرض ميتة فأنشرما فعل العميد أبي سعد
قلت: وأحسن من هذا ما قاله عبد الله بن المبارك في مدح أبي حنيفة، القصيدة المشهورة التي أوّلها:
لقد زان البلاد ومن عليها إمام المسلمين أبو حنيفة
وفيها توفي عبد العزيز بن سليمان أبو محمد الراسبي من الطبقة السادسة من تابعي أهل البصرة، كان عابدًا زاهدًا، كانت رابعة «٢» تسميه سيد العابدين؛ كان إذا ذكر القيامة والموت صرخ كما تصرخ الثكلى ويصرخ الحاضرون من جوانب المسجد وربما وقع الميت والميتان من جوانب المسجد؛ قاله أبو المظفر في مرآة الزمان.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع سواء، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعًا وعشرون إصبعًا ونصف.
[ ٢ / ١٥ ]