السنة التي حكم فيها محمد بن عبد الرحمن وغيره من الأمراء على مصر وهي سنة خمس وخمسين ومائة- فيها استنقذ يزيد بن حاتم المعزول عن إمرة مصر قبل تاريخه بلاد المغرب من يد الخوارج بعد حروب عظيمة، وقتل أبا عاد وأبا حاتم
[ ٢ / ٢٣ ]
ملكي الخوارج، ومهد إقليم المغرب وأصلح أموره، وبقي على إمرة المغرب خمسة عشر عامًا أميرًا. وفيها عزل الخليفة أبو جعفر المنصور عن إمرة المدينة الحسن بن زيد العلوي بعبد الصمد بن علي العباسي عم الخليفة المنصور. وفيها بنى المنصور أسوار الكوفة والبصرة ونيسابور وأدار عليها الخندق من أموال أهلها. وفيها عزل الخليفة أبو جعفر المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة وصادره وحبسه لشكوى أهل الجزيرة عليه. وفيها توفي أشعب «١» بن جبير الطماع، وأمه جعدة «٢» وقيل أم حميد. وقيل إنه كان مولى عثمان بن عفان «٣» ﵁، وقيل مولى سعيد بن العاص، وقيل مولى عبد الله بن الزبير، وقيل مولى فاطمة بنت الحسين؛ وكان أزرق العينين أحول أقرع نشأ بالمدينة، وقيل ولد سنة تسع من الهجرة وعاش دهرًا طويلًا.
وكان أشعب قد تعبد وقرأ القرآن وتنسك وروى الحديث، وكان حسن الصوت، وله أخبار كثيرة مستظرفة في الطمع وغيره.
روى الأصمعي قال: عبث الصبيان بأشعب فقال: ويحكم! اذهبوا، سالم يقسم تمرًا فعدوا، فعدا «٤» معهم وقال: ما يدريني لعله حق.
[ ٢ / ٢٤ ]
وقال أبو أمية الطرسوسي حدثنا ابن أبي عاصم النبيل عن أبيه قال: قلت لأشعب الطماع: أدركت التابعين فما كتبت شيئًا، فقال: حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال: «لله على عبده نعمتان» ثم سكت؛ فقلت: اذكرهما، فقال: الواحدة نسيها عكرمة، والأخرى نسيتها أنا.
وروى ابن أبي عبد الرحمن الغزي عن أبيه قال أشعب: ما خرجت في جنازة فرأيت اثنين يتساران إلا ظننت أن الميت أوصى لي «١» بشيء. وعن ابن أبي عاصم قال: مررت يومًا فإذا أشعب ورائي فقلت: مالك؟ قال: رأيت قلنسوتك قد مالت فقلت: لعلها تقع فآخذها، فأخذتها عن رأسي فدفعتها إليه. وحكايات أشعب في الطمع كثيرة مشهورة؛ وقيل إنه كان يجيد الغناء. وفيها توفي مسعر بن كدام بن ظهير بن عبيدة بن الحارث أبو سلمة الهلالي الكوفي الأحول الحافظ الزاهد. قال سفيان بن عيينة: رأيت مسعرًا وربّما يحدثه الرجل بشيء هو أعلم به منه فيستمع له وينصت، وما لقيت أحدًا أفضله عليه.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.