السنة الثانية من ولاية موسى بن علي اللخمي على مصر وهي سنة سبع وخمسين ومائة- فيها أنشأ الخليفة أبو جعفر المنصور قصره الذي سمّاه الخلد على شاطئ دجلة. وفيها عرض المنصور جيوشه في السلاح والخيل وخرج وهو عليه درع وقلنسوة سوداء مصرية وفوقها الخوذة. وفيها نقل المنصور الأسواق من بغداد، وعملت بظاهرها بباب الكرخ، ووسع شوارع بغداد وهدم دورًا كثيرة لذلك. وفيها غزا الروم يزيد بن أسيد، فوجه على بعض جيشه سنانًا مولى البطال، فسبى وقتل وغنم. وفيها توفي سوار بن عبد الله قاضي البصرة، كان عادلًا في حكمه، شكاه أهل البصرة إلى المنصور فاستقدمه المنصور، فلما قدم عليه جلس فعطس المنصور فلم يشمّته سوّار، فقال له المنصور: مالك لم تشمتني؟ فقال: لأنك لم تحمد الله، فقال المنصور: أنت ما حابيتني في عطسة تحابي غيري! ارجع إلى عملك. وفيها توفي عبد الوهاب ابن الإمام إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي ابن أخي المنصور، ولاه عمه المنصور دمشق وفلسطين والصائفة ولم تحمد ولايته وولي عدة أعمال غير ذلك. وكان أبوه إبراهيم بويع بالخلافة بعد موت أبيه فلم يتم أمره وقبض عليه مروان الحمار وحبسه حتى مات فعدل الناس بعده إلى أخيه السفاح وبايعوه فتم أمره. وفيها توفي عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد «١» الفقيه أبو عمرو الاوزاعي فقيه الشام وصاحب المذهب المشهور الذي ينسب إليه الأوزاعية قديمًا، والأوزاع: بطن من همدان وقيل: من حمير الشام «٢» وقيل قرية بدمشق، وقيل:
[ ٢ / ٣٠ ]
إنما سمي الأوزاعي لأنه من أوزاع القبائل، ومولده ببعلبك، ونشأ بالبقاع، ونقلته أمه إلى بيروت فرابط بها إلى أن مات بها فجأة، فوجدوه يده اليمنى تحت خده وهو ميت؛ وكان فقيهًا ثقة فاضلًا عالمًا كثير الحديث حجة ﵀. وفيها توفي محمد ابن طارق المكي من الطبقة الثالثة «١» من أهل مكة، كان من الزهاد العباد.
قال محمد بن فضل «٢»: رأيته في الطواف وقد انفرج له أهل الطواف فحزر «٣» طوافه في اليوم والليلة فكان عشرة فراسخ. وبه ضرب ابن شبرمة المثل حيث قال:
لو شئت كنت ككرز في تعبده أو كابن طارق حول البيت في الحرم
قد حال دون لذيذ العيش خوفهما وسارعا في طلاب الفوز فالكرم
وذكر الذهبي وفاة جماعة مختلف فيهم، فقال: وفيها توفى- قاضى مرو- الحسين ابن واقد، وسعيد بن أبي عروبة في قول، وطلحة بن أبي سعيد الإسكندراني، وعامر بن اسماعيل المسلى «٤» الأمير، وفقيه الشام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعىّ، ومحمد بن عبد الله بن أخي الزهري، ومصعب بن ثابت «٥» بن الزبير فى قول، ويوسف ابن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي (بفتح السين)، وأبو محنف «٦» لوط في قول.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثمانية عشر إصبعًا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعًا وعشرون إصبعا.