وأهلّ شهر ربيع الأول يوم الاثنين، وفيه كان ابتداء الوقعة بين السلطان الملك المنصور عثمان وبين الأتابك إينال العلائى حسبما نذكره هنا على سبيل الاختصار، وقد حرّرنا ذلك في تاريخنا «حوادث الدهور» باستيعاب.
فلما كان وقت السّحر من يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأوّل من سنة سبع وخمسين وثمانمائة ركب جماعة كبيرة من أعيان «٣» المماليك الأشرفية، ورافقهم جمع كبير من المؤيّديّة والسّيفيّة وغيرهم من غير لبس سلاح، ووقفوا بالرّميلة «٤» من تحت القلعة لمنع الأمراء من طلوع الخدمة، وكان بالصّدف بات تلك الليلة جميع الأمراء فى بيوتهم، لكون السلطان كان في أمسه لم يتوجّه إلى القصر، وأمر بعمل الخدمة من الغد بالحوش السّلطانىّ، ليبدأ بنفقة المماليك «٥» فى اليوم المذكور، فلم يكن إلّا ساعة يسيرة من وقوفهم، وقدم الأمراء جميعا إلى الرّميلة «٦» يريدون طلوع القلعة، فتكاثرت المماليك عليهم واحتاطوا بهم، وأخذوهم غصبا بأجمعهم «٧»، وعادوا بهم إلى بيت الأمير الكبير إينال العلائى، وهو من جملتهم، وكان سكنه بالدّار التي على بركة الفيل الملاصقة لقصر بكتمر السّاقى تجاه الكبش، وأخذوا من جملة الأمراء الأمير قراجا الخازندار الظاهرىّ، وقد صار من جملة أمراء مقدمى الألوف، وهو أحد أركان
[ ١٦ / ٣٨ ]
مملكة الملك المنصور عثمان، وأخذوا معه أيضا من الظّاهريّة الوزير تغرى بردى القلاوى الظاهرىّ، وبردبك البجمقدار «١» الأمير آخور الثالث.
وفات المماليك من أعيان الأمراء الأمير تنم من عبد الرزّاق أمير سلاح، فإنه قد أحسّ بالأمر في أمسه، فلم يحسن بباله إلّا موافقة السّلطان، لأمر يريده الله ﷿، فركب سحرا، وقصد القلعة، ووافاه الأمير تمربغا الظاهرى الدوّادار الكبير في طريقه، فطلعا معا إلى الملك المنصور، واجتمع المماليك ومعهم الأمراء في بيت الأمير الكبير وقد كثر جمعهم، وتزايد عددهم وهم بغير سلاح، وصار جميع الأمراء معهم فى صفة التّرسيم «٢»، ولم يبق عند الملك المنصور من أعيان الأمراء غير الأمير تنم أمير سلاح، والأمير قانى باى الچاركسىّ الأمير آخور الكبير، والأمير تمر بغا الدوّادار الكبير «٣» الظاهرى، والأمير جانبك الأستادار؛ وكان أيضا من أمراء الظاهرية بالقلعة برد بك البجمقدار «٤» فهؤلاء مقدمو الألوف، وإن كان تمر بغا إقطاعه طبلخاناة، فمنزلته تقدمة، «٥» وكذلك جانبك الظاهرى «٦» .
وكان عند الملك المنصور من الأمراء غير مماليك أبيه جماعة منهم يونس العلائى الناصرى نائب قلعة الجبل، وكزل السّودونى المعلّم، ومغلباى الشهابى أحد أمراء العشرات، وقطّى الدّوكارى نائب البحيرة، وعبد الله كاشف الشّرقية، ومن مماليك أبيه الأمير لاجين شادّ الشراب خاناه، وأسنباى الجمالى الدّوادار الثانى، وأزبك من ططخ «٧» الخازندار الكبير، وهو صهر الملك المنصور وزوج أخته، وسنقر العائق الأمير
[ ١٦ / ٣٩ ]
آخور الثانى، وسنقر أستادار الصّحبة، وجماعة أخر تأمّروا في الدولة المنصورية لا يعتدّ بهم؛ كونهم إلى الآن صفة الخاصّكيّة، فهؤلاء [هم «١»] الأمراء.
وأما من كان عنده من مماليك أبيه الخاصّكيّة والجمداريّة وغيرهم فكثير جدا، على أنه كان بالقلعة جماعة كثيرة غير الظاهرية [الجقمقية] «٢» من الظاهرية [البرقوقية] «٣» والناصرية والمؤيدية والأشرفيّة والسّيفيّة.
وأما من كان مع المماليك من أعيان الأمراء ببيت الأمير الكبير من المقدمين، الأمير الكبير إينال، وتنبك أمير مجلس، وأسنبغا الطيّارى رأس نوبة النّوب، وخشقدم المؤيدى حاجب الحجاب، وطوخ من تمراز الناصرى، وجرباش المحمدى الناصرى كرد، ويونس الاقبائى، وقرقماس الأشرفى الجلب، وأما من أمراء الطبلخانات والعشرات فكثير ذكرناهم في غير هذا المحل، يطول الشرح في ذكرهم.
ولما اجتمع القوم في بيت الأمير الكبير، وعظم جمعهم، أتاهم الأمراء والخاصّكيّة والأعيان من كل فجّ، حتى بقوا في جمع موفور، فأعلنوا عند ذلك بالخروج عن طاعة الملك المنصور، والدّخول في طاعة الأمير الكبير إينال، والأمير الكبير يمتنع من ذلك بلسانه، فلم يلتفتوا لتمنّعه، وأخذوا في لبس السلاح، فلبسوا في الحال عن آخرهم، وطلبوا الخليفة القائم بأمر الله حمزة، فحضر قبل تمام لبسهم السلاح، واحتفظوا بالأمير قراجا الظاهرىّ، وتغرى بردى القلاوى، وبردبك البجمقدار «٤»، كونهم ظاهرية جقمقيّة.
ولما حضر الخليفة أظهر الميل الكلىّ للأتابك إينال، وأظهر كوامن كانت عنده من الملك المنصور وحواشيه، منها: أنّ المنصور جلس يوم قرئ تقليده على الكرسىّ وجلس الخليفة مع القضاة أسفل، وأشياء من هذا، وقام مع الأمراء في خلع
[ ١٦ / ٤٠ ]
المنصور أتمّ قيام، كلّ ذلك والمماليك في احتراز عظيم على جماعة من الأمراء؛ خوفا من فرارهم إلى الملك المنصور حتى على الأمير الكبير.
ولما تكامل لبس المماليك والأمراء السلاح طلبوا من الأمير الكبير الرّكوب معهم والتوجّه إلى بيت قوصون تجاه باب السلسلة، فامتنع تمنّعا ليس بذاك، ثم أجابهم في الحال، وركب هو والأمراء وحولهم العساكر محدقة بهم إلى أن أوصلوهم إلى بيت قوصون المذكور، ودخلوه من باب سرّه الذي بالشارع الأعظم، ونزل الأمير الكبير بمن معه من الأمراء بالمقعد من الحوش، وجلس الخليفة بالقصر الفوقانى بالبيت المذكور، ورسم على قراجا وتغرى بردى القلاوى وبردبك بالقصر أيضا، كل ذلك والقوم في غير ثقة من الأمير الكبير وغيره من الأمراء، حتى كلّم الأمير الكبير بعض أصحابه العقلاء بكلام معناه قول القائل: [البسيط]
إذا وترت امرءا فاحذر عداوته من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا
إن العدوّ وإن أبدى مسالمة إذا رأى منك يوما فرصة وثبا
وأظن القائل له الأمير أر نبغا الناصرى أحد أمراء الطبلخانات، فإنه كان أمثل القوم وأقواهم بأسا وأفرطهم شجاعة.
وأما الملك المنصور لما بلغه ما وقع من القوم في بيت الأمير الكبير تحقق من عنده من الأمراء والأعيان ركوب الأمير الكبير وخروجه عن الطاعة، فأمروا في الحال يشبك القرمى والى القاهرة أن ينادى بطلوع المماليك السلطانيّة لأخذ النفقة، وأن النفقة لكل واحد مائة دينار، فنزل يشبك من القلعة والمنادى بين يديه ينادى بذلك، إلى أن وصل إلى الرّميلة «١» تجاه باب السلسلة، فأخذته الدّبابيس من المماليك، فتمزقوا، وذهب القرمى إلى حال سبيله، ثم أمر الملك المنصور لأمرائه وحواشيه بلبس السلاح، فلبسوا بأجمعهم، ولبس هو أيضا، كل ذلك وآراؤهم مفلوكة، وكلّمهم غير منضبطة «٢»،
[ ١٦ / ٤١ ]
وصرت أنا أنظر إليهم من أسفل القلعة، فلم أجد عندهم انزعاجا ولا هرجا مع جمودة «١» حركاتهم، ولم ينزل من القلعة أحد لحفظ المدرسة الحسنيّة «٢» مع معرفتهم أنها مسلّطة على القلعة غاية التسليط، هذا مع كثرتهم وقوّة بأسهم بالقلعة والسلاح والرجال، وعندهم السلطان وشوكته إلى الآن منقامة «٣» - فما شاء الله كان.
وأما الأمير الكبير فإنه حال ما استقرّ به الجلوس ندب دواداره وصهره بردبك، ومعه الأمير سونجبغا اليونسى رأس نوبة، ونوكار الناصرى أحد أمراء العشرات وثانى حاجب إلى القلعة رسالة إلى الملك المنصور يطلب منه إخماد الفتنة بإرسال جماعة من أمرائه، وهم: تمربغا الدّوادار الكبير، ولاجين شادّ الشّراب خاناه، وأسنباى الدوادار الثانى، فطلعوا إلى الملك المنصور وكلّموه في ذلك، وعادوا إلى الأمير الكبير بأجوبة طويلة مضمونها أنه امتنع من تسليمهم، فأرسلهم الأمير الكبير ثانيا، وصحبتهم بردبك دواداره وصهره، فتوجهوا إلى القلعة، وطلعوا إلى المنصور ثانى مرّة، وطلبوا منه ما ذكرناه، فامتنع، وعوّق عنده سونجبغا ونوكار، وأرسل بردبك بالجواب.
وابتدأ القوم في القتال من يوم الاثنين المذكور، واشتدّ الحرب، وجرح من الطائفتين جماعة، ثم خرج جماعة من أصحاب الأمير الكبير، لأخذ مدرسة السلطان حسن فامتنع من بها من فتح أبوابها، فنقبوا حائطا من جوارها مما يلى حدرة البقر «٤»، ودخلوا منه إلى المدرسة المذكورة، وعمّروا سلالم سطحها، وطلعوا منه إلى مآذنها، ورموا منها بالمدافع على قلعة الجبل، وقوى أمر أصحاب الأمير الكبير بأخذ المدرسة المذكورة إلى الغاية، غير أن الأمير الكبير إلى الآن يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى في الخلاف على
[ ١٦ / ٤٢ ]
المنصور، ويحسب العواقب، وصار يظهر أنه مكره على ذلك، فلم يقبل المنصور منه ما أظهره، وتحقّق كل أحد ما القصد بالركوب.
ثم نزل الملك المنصور من القصر السلطانى بأمرائه وعسكره إلى الإسطبل السلطانى، وجلس بالمقعد المطل على الرّميلة «١»، ونزل من عساكره جماعة مشاة من باب السلسلة إلى الرّميلة «٢»؛ لقلة وجود الخيل بالقلعة، فإنه كان أيام الربيع والخيول غالبها مربوطة على القرط بالبرّ الغربى من الجيزة، حتى إنه كان جميع ما بالقلعة من الخيول أقل من مائة فرس، ومنعوا من إحضار خيولهم التي بالربيع، وعزّ توصلهم إليها، وقاتلوا القوم وهم مشاة غير مرّة.
وصار أمر الأمير الكبير في نمو بمن يأتيه من المماليك السلطانيّة، وجميعهم فرسان غير مشاة، فإنه صار كل واحد منهم يرسل غلامه فيأتيه بفرسه من مربطه بالربيع بخلاف القلعيين، فإنهم ممنوعون من ذلك؛ من حجر أصحاب الأمير الكبير عليهم لهذا السبب وغيره.
ولما رأى الملك المنصور أمر الأمير الكبير في زيادة أراد النزول إليه بعساكره في الحال من أوّل وهلة، فمنعه قانى باى الچاركسى من ذلك بسوء تدبيره لأمر سبق، وكان في نزوله غاية المصلحة من وجوه عديدة.
ومضى نهار الاثنين بعد قتال كبير وقع فيه، وبات الفريقان في ليلة الثلاثاء على أهبة القتال، وأصبحا يوم الثلاثاء على ما هم عليه من القتال والرمى بالمدافع والنفوط والسهام من الجهتين، والجراحات فاشية في الفريقين، إلا أن فيمن هو أسفل أكثر، غير أنه لا يؤثّر فيهم لكثرتهم، ولم يكن وقت الزّوال حتى كثر عسكر الأمير الكبير إينال بمن يأتيه أرسالا من المماليك السلطانية، واستفحل أمره، لا سيما لما نزل الأمير جانبك الظاهرى أستادار العالية إليه داخلا في طاعته، ومعه خجداشه الأمير بردبك
[ ١٦ / ٤٣ ]
البجمقدار، أحد أمراء العشرات، ورأس نوبة، وسرّ الأمير الكبير بنزوله إلى الغاية، وكان لنزول جانبك المذكور من القلعة أسباب خفيّة «١» .
ثم في هذا اليوم لهج الخليفة أمير المؤمنين القائم بأمر الله حمزة بخلع الملك المنصور عثمان من الملك غير مرّة في الملأ، فقوى بذلك قلب «٢» أصحاب الأمير الكبير وجدّوا في القتال، وتفرّقوا على جهات القلعة، وجدّوا في حصارها، ومنعوا من يطلع إليها بالميرة وغيرها، وخفّ التّرسيم عن جماعة من الأمراء من أصحاب الأمير الكبير ممّن كانت المماليك تخاف من ذهابهم إلى الملك المنصور، وكانوا قبل ذلك يحتفظون بهم بطريق التحشم، وهو أن الأمير منهم كان إذا ركب للقتال أو غيره دار حوله جماعة من المماليك الأشرفيّة وغيرهم وساروا معه حيث سار كأنهم في خدمته حتى يعود إلى مكانه، فمن آخر يوم الثلاثاء هذا ومن صبيحة يوم الأربعاء تركوا ذلك لعلمهم أن جميع الأمراء والعساكر صاروا في طاعة الأمير الكبير، وشرع الجميع في القتال بمماليكهم وحواشيهم، وفي عمل التدبير في أخذ الملك المنصور وخلعه من السلطنة، وباتوا تلك الليلة على ما هم عليه.
وأصبحوا يوم الأربعاء ثالث شهر ربيع الأوّل والقتال عمّال، وأصحاب الملك المنصور تنسّل منه إلى الأمير الكبير واحدا بعد واحد، ومن بقى منهم عند الملك المنصور لا يلتفت إلى من ذهب، بل هو على ما هو عليه من القتال لكثرة عددهم، وللقيام بنصرة ابن أستاذهم، فكان في يوم الأربعاء هذا وقعات بين الطائفتين بالمناوشات لا بالمقابلة وباتوا على ذلك.
فلما كان يوم الخميس رابع شهر ربيع الأوّل أرسل الملك المنصور إلى الأمير الكبير بالأمير سونجبغا، والأمير نوكار، والزينى عبد الرحمن بن الكويز، وشهاب الدين
[ ١٦ / ٤٤ ]
الإمام الإخميمى، ومعهم منديل الأمان للأمير الكبير ومن معه من الأمراء ليطلعوا إلى طاعة السلطان، وترددوا بين الملك المنصور والأتابك إينال غير مرّة في عمل الصلح، وكثر الكلام بينهم إلى أن انفضّ المجلس على غير طائل، ولم ينبرم صلح، ومنع الأمير الكبير سونجبغا ونوكار من الطلوع إلى القلعة، وعاد الإخميمى بالجواب إلى السلطان، وفي الحال عاد القتال على ما كان عليه، فإنه كان بطل الرّمى من القلعة ومن المدرسة لعمل الصلح، فلما انفضّ الأمر على غير صلح عاد كلّ أحد من الطائفتين إلى ما كان بصدده.
وأعلن الخليفة في هذا اليوم أيضا بين الملأ بخلع الملك المنصور من السلطنة، وسلطنة الأتابك إينال، والأتابك إينال يمتنع من ذلك في ذلك الوقت حتى ينظر ما يكون من أمر الملك المنصور ومحاصرته «١» .
ثم تكلّم الخليفة في اليوم أيضا بين الناس بأعلى كلامه: «قد خلعت الملك المنصور من الملك»، هذا وقد ضعف أمر الملك المنصور واستفحل أمر الأتابك إينال، غير أن الرّمى من القلعة بالمدافع وغيرها مستمرّ، وهلك من ذلك جماعة كبيرة من عساكر الأمير الكبير ومن الأجناد والعامة والمتفرجين.
وأصبح يوم الجمعة خامسه حضر المقرّ الجمالى ناظر الجيش والخاص وعظيم الدّولة عند الأمير الكبير، فقام له الأمير الكبير واعتنقه وأجلسه بإزائه فوق الأمير خشقدم حاجب الحجاب، فعند قدومه تحقّق كل أحد بزوال دولة المنصور وإقبال دولة الأتابك إينال، وتكلّم المقرّ الصحابى مع الأتابك كلاما كثيرا لا يشاركهما في ذلك أحد إلا في النادر، ثم رسم الأمير الكبير بطلب القاضى محب الدين بن الأشقر كاتب السّرّ والقضاة الأربعة، فحضروا في الحال وقد نزل الخليفة من القصر أيضا، وجلس عند الأمير
[ ١٦ / ٤٥ ]
الكبير هو والقضاة وشاهدوا المدافع التي ترمى عليهم من القلعة، وكان أهل القلعة في يومى الأربعاء والخميس قد أمعنوا في الرمى «١» من القلعة على «٢» الأمير الكبير وأصحابه حتى كان المدفع يصل إلى باب سرّ بيت قوصون الذي فيه الأمير الكبير، وربما عدّى الباب ووقع بالشارع على المارّ إلى صليبة ابن طولون، ولما حضرت القضاة عند الأمير الكبير تكلّموا مع الخليفة في خلع الملك المنصور عثمان بكلام طويل، ثم طلبوا بدر الدين ابن المصرى «٣» الموقّع فأملاه قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى الشافعى ألفاظا كتبها تتضمن القدح في الملك المنصور وخلعه من السلطنة، وكان ذلك في أوائل الساعة الثالثة من نهار الجمعة. وخلع الملك المنصور في اليوم المذكور من الملك وحكم القضاة بذلك.
فكانت مدة سلطنة الملك المنصور من يوم تسلطن بعد خلع أبيه الملك الظاهر جقمق في يوم الخميس حادى عشرين المحرم من سنة سبع وخمسين هذه إلى يوم الجمعة هذا شهرا واحدا وثلاثة عشر يوما، ولا نعرف أن سلطانا أقام هذه المدّة اليسيرة في ملك مصر في الدّولة التركية غيره، هذا مع كثرة عساكره ومماليك أبيه وحاشيته، وما أرى هذا إلا نوعا من المجازاة- انتهى.
ولما فرغ بدر الدين المصرى من كتابة الورقة أمره قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى أن يقرأ ما في الورقة على من حضر المجلس من الأمراء وغيرهم، وقرئت عليهم إلى آخرها، ثم سأل قاضى القضاة من حضر المجلس عن سلطنة الأمير الكبير إينال عليهم، فصاحوا بأجمعهم: «نحن راضون بالأمير الكبير»، وكرّر القاضى عليهم القول غير مرّة، وهم يردون الجواب كمقالتهم أوّلا، وفرحوا بذلك، وسرّوا غاية السرور، وانفضّ المجلس على خلع الملك المنصور وسلطنة الأتابك إينال، غير أنه لم يلبس خلعة
[ ١٦ / ٤٦ ]
السلطنة، ولا ركب بشعار الملك؛ ترك ذلك لوقته، وصار الناس في خطابه من يومئذ على أقسام وألفاظ مختلفة، فمن الناس من صار يقول له: «يا خوند» ومنهم من يقول:
«أغاه»، ومنهم من يقول: «الأمير الكبير»، ومنهم من يقول: «السلطان» كلّ ذلك وهو على حالة جلوسه كأوّل يوم دخل إلى بيت قوصون المذكور، أعنى من أوّل يوم الوقعة ولم يتغيّر عليه شىء مما كان عليه، ولم يركب من المقعد المذكور من يوم قدم بيت قوصون غير مرة واحدة في يوم الثلاثاء، وعاد من وسط الحوش قبل أن يصل إلى باب البيت النافذ إلى الرّميلة «١»، ردّه أصحابه إجلالا لقدره، وإنما كان يجلس هو بالمقعد، والأمراء عن يمينه ويساره جلوسا ووقوفا بين يديه، والمماليك والعساكر تخرج من بين يديه للقتال طائفة بعد أخرى باجتهاد وعمل جد في مدة هذه الأيام من غير أن يستحثهم أحد لذلك، وهذا شىء عظيم إلى الغاية. [الخفيف]
وإذا سخّر الإله أناسا لسعيد فإنهم سعداء
وكنت أنظر في تلك الأيام إلى وجه الأمير الكبير لأتحقّق هل هو مسرور أم محزون، فلا أعرف هذا منه لثباته في سائر أحواله، وسكونه وعقله، فإنه كان ينفذ الأمور على أحسن وجه من غير اضطراب ولا هرج، بتأنّ وتؤدة، وكلما وقع من أصحابه ما يخالف ذلك يأخذ في تسكينهم وثباتهم على القتال من غير عجلة، ثم يقول لهم:
«القلاع ما تؤخذ إلا بالصّبر والثبات والتأنى» .
ثم إن الأمير الكبير أمر في اليوم المذكور بعمل منبر ليخطب عليه قاضى القضاة بالبيت المذكور لصلاة الجمعة، فصنع ذلك في الحال، وتهيأ القوم لصلاة الجمعة، فلما دخل وقت الصلاة خطب قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى وصلّى بالأمير الكبير والخليفة وجميع العساكر بمقعد البيت المذكور، ثم انصرف القضاة بعد الصلاة إلى منازلهم.
[ ١٦ / ٤٧ ]
هذا والقتال مستمرّ أشد ما يكون بين الطائفتين، وقد تداول نزول الخاصكية والمماليك من عند الملك المنصور إلى الأتابك إينال، وهم مع ذلك كل يوم في زيادة في القتال لا يلتفتون إلى من يذهب من عندهم، ويقول بعضهم لبعض: «نحسبه أنه جرح ومات، وما علينا ممّن يتوجّه من عندنا، ونحن نقاتل إلى أن نموت، والملك المنصور جالس بالقصر السلطانى، وعنده من أكابر الأمراء الأمير تنم أمير سلاح، والأمير قانى باى الچاركسى.
هذا مع مبالغة أصحاب الأمير الكبير في القتال أيضا لا سيما من يوم حضر المقرّ الجمالى ناظر الجيوش والخاص، ثم حضر القضاة، وخلع الملك المنصور في يوم الجمعة، فمن يومئذ بذلوا نفوسهم لنصرة الأمير الكبير، وخوفا من أن يصير للملك المنصور عليهم دولة، فسيكون فناؤهم على يديه، وأيضا إنهم تحققوا سلطنة الأتابك إينال، فاشتاقت نفوسهم لما عساه ينالهم من الإقطاعات والوظائف وغير ذلك، فاقتحموا الأهوال لذلك من غير صبر ولا تأنّ:-[الوافر]
وأعظم ما يكون الشوق يوما إذا دنت الخيام من الخيام
هذا والجراحات فاشية في كلّ من الطائفتين، ويقتل أيضا منهم في اليوم الواحد والاثنان وأكثر وأقل.
ولما كان يوم الجمعة المذكور توعّك فيه الأمير أسنبغا الطيّارى رأس نوبة النّوب، ومات من ليلته شبه الفجاءة من غير سابق مرض، وصلّى عليه من الغد بالمقعد من بيت قوصون، وحمل ودفن بالصحراء، وكان من محاسن الدنيا، يأتى التعريف بحاله في الوفيات كما هى عادة هذا الكتاب.
ثم أصبح يوم السبت سادس شهر ربيع الأول حضر المقرّ الجمالى الصاحبى ناظر الجيش والخاص «١» عند الأمير الكبير، وصحبته غالب مباشرى الدولة والقضاة، وكتبوا محضرا
[ ١٦ / ٤٨ ]
يتضمّن ما وقع في أمسه من خلع الملك المنصور من السلطنة ومبايعة العساكر للأمير الكبير بالسلطنة، وكتب في المحضر جماعة كبيرة من أمراء الظاهرية وغيرهم، وفيه قوادح في الملك المنصور. ذكرناها في غير هذا المحل.
وجدّ في هذا اليوم كلّ من العسكرين في القتال، ورتّب الأمير الكبير جماعة من أعيان الأمراء على المواضع التي يتوصل منها إلى القلعة، وحرّض الوالى وغيره على مسك من يطلع إلى القلعة من الغلمان والخدم بالمآكل وغيرها، ومسك بسبب ذلك جماعة وضرب آخرون.
وفي هذا اليوم والذي قبله صارت أمراء الألوف تخاطب الأمير الكبير وهم وقوف، وصار لا يقوم لأحد منهم عند ذهابه وإيابه، وكان الأمير أسنبغا الطيّارى رأس نوبة النّوب﵀- فى يوم الجمعة الذي مرض فيه رمّل على كتابة الأمير الكبير على المراسيم وغيرها، وناهيك بأسنبغا، فإنه كان يوم ذلك أمثل الأمراء وأجلّهم، رأيته أنا وهو يرمّل على علامته من غير أن يحتشم معه الأمير الكبير في ذلك ولا تجمّل معه، بل صار كلما علّم العلامة ورمى بها أخذها أسنبغا ورمّل عليها كما كان يفعله مع السلطان، فإن العادة لا يرمّل على السلطان إلا رأس نوبة النّوب «١» .
هذا وقد تحقّق أهل القلعة زوال ملك الملك المنصور، وهم على ما هم عليه من الشدّة فى القتال، والقيام بنصرة ابن أستاذهم، غير أنهم كما قيل في الأمثال: «سلاح حاضر وعقل غائب»، لكونهم شبابا لم تمرّ بهم التجارب، ولا لهم ممارسة بالحروب، ولا يعرفون نوعا من أنواع الخديعة والمكر بأخصامهم، وأيضا لم يكن عندهم من الأمراء وغيرهم ممن له خبرة بهذه الأنواع غير أمير واحد وجندى، وكل منهما غير مقبول الكلمة عندهم. فالأمير كزل المعلّم، والجندى السيفى كمشبغا الظاهرى- برقوق- المعلم، وأما من عداهما من الأمراء فحالهم معروف لا يحتاج إلى بيان، وأعظم من كان هناك من الأمراء
[ ١٦ / ٤٩ ]
الأمير تنم أمير سلاح، وقانى باى الچاركسى الأمير آخور، فأما تنم فإنه لم يأت بشىء إما تقصيرا منه لمعنى من المعانى، أو لقلة دربته بالحروب والخطوب، وأما قانى باى فحاله معروف لا يحتاج للتعريف به.
وأصبح الناس في يوم الأحد سابع شهر ربيع الأول والقتال مستمرّ بين الفريقين، وكلّ منهم في أشد ما يكون من القيام بنصرة صاحبهم إلى قريب الظّهر، فنزل من القلعة جماعة كبيرة مشاة إلى عند سبيل المؤمنىّ، فخرج إليهم جماعة كبيرة من عسكر الأمير الكبير، وتقاتلوا بالرّماح والسيوف والأطبار، وافترقوا ثم التقوا غير مرّة حتى أردف عسكر الأمير الكبير طوخ من تمراز الناصرى من مكانه الذي كان مقيما به عند زاوية قانى باى الچاركسى بجماعته، ثم أردفهم جماعة أخر من عند الأمير الكبير «١»، والتحم القتال بينهم وقتل جماعة من عسكر الأمير الكبير «٢»، منهم: طقتمر الناصرى رأس نوبة الجمداريّة تهبيرا، لأنه كان هرب من عند الملك المنصور ونزل إلى الأمير الكبير فى يومه، فلما ظفروا به قتلوه، لما كان في نفوسهم منه، ثم ممجق اليشبكى الخاصكى أخذ سحبا إلى القلعة، فمات من جراحه، وأيتمش المؤيدى الخاصكى، وقانى باى الأشرفى الخاصكى وغيرهم.
ودام القتال بينهم حتى ملك أصحاب الأمير الكبير سبيل المؤمنى بعد أمور وحروب، ثم أطلقت أصحاب الأمير الكبير النّار في البيوت التي بجوار الميدان برأى تمراز الأشرفى الزّردكاش «٣»، فتعلقت النار فيهم حتى وصلت إلى سقف المسجد من سبيل المؤمنى وأحرقته عن آخره، وكان بسطحه جماعة كبيرة من السلطانية فنزلوا عنده، فحينئذ وجد أصحاب الأمير الكبير طريقا لهدم سور الميدان، فهدموا جانبا منه، ودخلوا منه إلى الميدان الذي تحت قلعة الجبل.
[ ١٦ / ٥٠ ]
هذا وقد انحاز السلطانيّة إلى باب السلسلة، فكان في هذا اليوم حرب بين الطائفتين لم يقع مثله في الستة أيام الماضية.
فلما دخل القوم إلى الميدان ولّت المنصورية الأدبار، وقام السلطان الملك المنصور عثمان من مجلسه بمقعد الإسطبل السلطانى، وطلع إلى القصر الأبلق من قلعة الجبل، ومعه جماعة كبيرة من مماليك أبيه وغيرهم من الأمراء والخاصكيّة، ودخل قانى باى الچاركسى إلى مبيت الحرّاقة من الإسطبل، ودام الأمير تنم بالمقعد مستعزّا بخچداشيّته المؤيديّة وغيرهم، وتمزّقت عساكر المنصور في الوقت كأنها لم تكن، من غير أمر أوجب ذلك، وتركوا باب السلسلة وفرّوا منه قبل أن يطلع إليه واحد من أصحاب الأتابك إينال، ثم فعلوا ذلك أيضا بقلعة الجبل وتركوها وأبوابها مفتّحة، ولم يقاتلوا بها ساعة واحدة، وتمزّقوا كلّ ممزّق.
وكان هذا بعكس ما كان منهم في السبعة أيام الماضية من شدّة القتال وعظم الثّبات وقوّة البأس، إلى أن كان من أمرهم ما كان في هذا اليوم، وتركوا باب السلسلة والقلعة وانصرفوا في الحال على أقبح وجه، وكان يمكنهم أن يقاتلوا القوم بالميدان أيّاما؛ فإن الميدان لا فرق بينه وبين الرّميلة «١»، وليس بينه وبين باب السلسلة تعلق، وأيضا ولو ملكت أصحاب الأمير الكبير باب السلسلة والإسطبل السلطانى كان يمكنهم القتال من القلعة أياما، إذ ليس للقلعة تعلّق بالإسطبل، وقد ملك المؤيّد شيخ أيام إمرته الإسطبل من الأمير أرغون الأمير آخور نائب غيبة الملك الناصر فرج، ودام به أياما، ولم يقدر على أخذ القلعة ولا توصل إليها بوجه من الوجوه، وكان مع الملك المؤيد أقوام هم هم، وأيضا لم يكن بالقلعة يوم ذاك بعض من كان بها الآن، ووقع ذلك لخلائق من الملوك أنهم ملكوا باب السلسلة ولم يقدروا على أخذ القلعة.
والمقصود من هذا الكلام أن ليس للقلعة علاقة بباب السلسلة إلا في الأمن والرّخاء
[ ١٦ / ٥١ ]
لا غير، كل ذلك لما تقدم ذكره أنه ليس عندهم من يدبّر أمورهم، وإلا فكان يمكنهم أن يطلعوا إلى القلعة ويحصنوها ويقاتلوا بها أياما حتى تعمل مصالحهم، وإذا سلّموها يعطوها بالأمان والرّضا، هذا إذا لم يكن لهم نهضة للهروب والخروج من الدّيار المصرية، والاختفاء في مكان من الأمكنة من القاهرة، كما فعل غيرهم من الملوك السالفة، على أن أصحاب الأمير الكبير كان أخذ منهم التعب والجهد في هذا اليوم والذي قبله أمرا كبيرا، وكلّ أكثرهم من القتال، فلو امتنعت السلطانيّة بباب السلسلة يوما أو يومين لطال أمرهم بعد ذلك، ووقع لهم أمور ليس في ذكرها الآن فائدة، وكان أمر المماليك الظاهرية فى مبدأ الأمر عجيبا من شدّة بأسهم أولا، وفي تهاونهم آخرا، وقد قيل في الأمثال:
«على قدر الصعود يكون الهبوط» .
ولما بلغ الأمير الكبير إينال طلوع الملك المنصور من الإسطبل السلطانى إلى القصر الأبلق ندب في الحال الأمير جرباش المحمدى الناصرى المعروف بكرد إلى الطلوع إلى باب السلسلة وتسليم الإسطبل السلطانى، ولم يتحرك الأمير الكبير من مكانه، ولا ظهر عليه فرح ولا كآبة، فهذا أيضا مما تعجبت منه، وطلع الأمير جرباش إلى باب السلسلة بعد أن استولى أصحاب الأمير الكبير عليها.
وكان من خير أخذهم لباب السلسلة أن الأمير تنم من عبد الرزّاق المؤيدى أمير سلاح لما قام الملك المنصور وطلع إلى القصر، وتشتت عساكره ثم دخل قانى باى الچاركسى مبيت الحرّاقة من الإسطبل قام تسم المذكور ومشى إلى المقعد الذي كان يجلس به الملك المنصور في أيام الوقعة، وأشار إلى القوم بمنديل كان بيده كمن يطلب الأمان، ثم ركب في الحال وفي زعمه أن الجماعة تتلقاه بالرحب والقبول، لأياد كانت له، وصحبة عند الأمير الكبير قديما وحديثا، وأيضا أن غالب من كان من أصحاب الأمير الكبير هو خچداشه أو صاحبه، فركب فرسه ونزل حتى وقف عند باب السلسلة أسفل الحدرة، وفتحت خوخة باب السلسلة ودخل القوم، فحال ما وقع بصرهم عليه تناولته الألسن والأيدى بالسب والضرب، حتى أخذ وأنزل بغير تخفيفة على حالة غير مرضية،
[ ١٦ / ٥٢ ]
ولولا أن بعض خچداشيّته المؤيدية حماه لكان أمره ربما وصل إلى التلاف، وكذلك وقع للأمير كزل المعلّم، وأما عبد الله كاشف الشرقية فإنه أخذ ورأسه مكشوفة وشيبته قد تضمخت بالدماء السائلة على وجهه من الضرب بالدبابيس، والقوم تهجم عليه كرّة بعد أخرى لهلاكه، لولا قائل كفّهم عنه وهو يقول: «لا تقتلوه؛ يروح مال السلطان، دعوه حتى يأخذ السلطان أمواله»، ثم وقع ذلك بجماعة من الخاصكية يطول الشرح فى ذكرهم من الأخذ والسلب مما عليهم والإخراق بهم.
وأما الأمير تنم فإنه لما أخذوه ودخلوا به إلى الأمير الكبير، وعلى رأسه قبّع «١» أخضر من غير تخفيفة، ومعه كزل المعلّم، وعبد الله الكاشف، فأوقف بين يدى الأمير الكبير على بعد، فكان أول ما تكلّم به تنم أن قال: «بينى وبين الأمير الكبير عهود» أو معنى ذلك، فقال الأمير الكبير: «أنت نقضت العهد»، يعنى بتركه وطلوعه إلى الملك المنصور، ثم أمر به وبرفقته فحبسوا بالقصر عند الأمير قراجا وغيره، ثم نقلوا بعد ساعة إلى ركبخاناة الإسطبل السلطانى، وأضيف إليهم قانى باى الچاركسى وغيره ممن يأتى ذكرهم عند توجههم إلى سجن الإسكندرية.
ولما طلع الأمير جرباش إلى الإسطبل وملك باب السلسلة، قام الأمير الكبير عند ذلك من مقعد بيت الأمير قوصون، وركب فرسه، وخرج منه في موكب عظيم إلى الغاية، والخليفة عن يمينه، وتنبك البردبكى أمير مجلس عن يساره، والعساكر بين يديه محدقة به، وقد وقفت الخلائق دهليزا لرؤيته، حتى سار من بيت قوصون تجاه باب السلسلة إلى أن طلع إليها، وجلس بالحرّاقة من باب السلسلة، فحال جلوسه تفرّقت العساكر «٢» فى قبض أعيان الأمراء الظاهرية وغيرهم، فقبضوا منهم على جماعة كثيرة يأتى ذكرهم بعد ذلك.
[ ١٦ / ٥٣ ]
ثم أخذ قانى باى الچاركسى من مبيت الحرّاقة، وأنزل به عند رفقته المقبوض عليهم، وقيّدوا الجميع بركبخاناة الإسطبل، ولم ينج أحد من أمراء الظاهرية غير أسنباى الجمالى الدّوادار الثانى فإنه فرّ من القلعة، واختفى على ما سيأتى ذكره.
ثم أمر السلطان في الوقت بالإفراج عن الأمير قراجا الظاهرى، وعن الأمير تغرى بردى القلاوى، وعن الأمير بردبك الأمير آخور الثالث، ورسم لهم بلبس الكلفتاه «١» من الغد، وحضور الخدمة السلطانية.
ثم رسم الأمير الكبير في الحال بقلع السلاح، وقلع هو قبل الناس ما كان عليه، وكان لبسه في تلك الأيام كلها قرقل «٢» مخمل أحمر بغير أكمام، وقلعت العساكر في الحال السلاح من عليهم، وسكنت الفتنة كأنها لم تكن، وبات الناس في أمن وسلامة، على أن القاهرة كانت في مدّة هذه الأيام والقتال عمال في كل يوم في غاية الأمن، والحوانيت مفتّحة، والناس في بيعهم وشرائهم، وأكثرهم جالس بالدكاكين للفرجة على من يمرّ عليهم من العساكر الملبّسة، بل كان يتوجه منهم أيضا جماعة كبيرة إلى الرّميلة للفرجة على القتال كما كان يتوجه بعضهم للفرجة على المحمل وغيره، ولم تقفل أبواب القاهرة في هذه المدة، ولا شوّشت الزّعر «٣» على أحد، بل كان كل واحد يمضى إلى حال سبيله، والقتال عمّال بين الطائفتين لا يصيب من العامة إلا من توغّل منهم بين المقاتلة، فهذا أيضا من الغرائب، على أنّنا لا نعلم وقعة كانت بمصر تطول هذه المدة، ولا حوصرت قلعة الجبل سبعة أيام إلا في هذه الواقعة.
وأما وقعة يشبك الشعبانى ورفقته مع الملك الناصر المقدم ذكرها ليس هى كهذه الوقعة، ومع هذا قفّلت القاهرة «٤» فى تلك الكائنة أياما ونهبت الزّعر عدّة أماكن، فكانت هذه الوقعة بخلاف جميع الوقائع «٥» فى هذا المعنى- انتهى.
[ ١٦ / ٥٤ ]
وبات الأمير الكبير إينال بمبيت الحرّاقة من الإسطبل السلطانى حتى أصبح وتسلطن منه على ما يأتى ذكره مفصلا في ترجمته عقيب هذه الترجمة.
وزالت دولة الملك المنصور عثمان كأنها لم تكن، فسبحان من لا يزول ملكه.
فكانت مدة سلطنة الملك المنصور من يوم تسلطن بعد خلع أبيه حسبما تقدّم ذكره إلى يوم خلعه الخليفة يوم الجمعة خامس شهر ربيع الأول شهرا واحدا وثلاثة عشر يوما، وإلى يوم تسلطن الملك الأشرف إينال في صبيحة يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول المذكور شهرا وستة عشر يوما، ولا نعلم أحدا من ملوك مصر من الأتراك كانت مدّته فى الملك أقصر من مدة الملك المنصور هذا، مع عظم شوكته، وثبات قدمه في الملك، فما شاء الله كان، وما هذا إلا نوع من القصاص، وقد ورد في الإسرائيليات: يقول الله ﷾: «يا داود أنا الربّ الودود، أعامل الأبناء بما فعلت الجدود» وقد رأينا هذه المكافأة في واحد بعد واحد من يوم خلع الملك المنصور حاچى بالملك الظاهر برقوق من السلطنة إلى يومنا هذا، والجميع يشربون هذا الكأس من يد أتابكتهم، ويرد عليهم هذا الشراب بتدبير مماليك أبيهم، وقد تقدم ذكر هذا المعنى في مواطن كثيرة، والإضراب عن ذكر هذا أجمل.
ولما طلع الملك المنصور من الإسطبل إلى القصر ودّعه مماليك أبيه وفارقوه، فلا قوة إلا بالله، وتوجه هو إلى الحريم السلطانى عند والدته، وأقام عندها إلى أن طلبه منها الملك الأشرف إينال، فخرجت معه إلى قاعة البحرة بالحوش السلطانى من قلعة الجبل، فأقام الملك المنصور بالبحرة من يوم خلع هو ومن يخدمه مع والدته وأولاده والجميع في التّرسيم إلى يوم الأحد ثامن عشرين شهر ربيع الأول، فأخذ منها بجميع خدمه ووالدته وأولاده، وأنزلوا الجميع في حرّافة إلى ثغر الإسكندرية، وكانت هيئة نزول الملك المنصور من القلعة أنه أركب على فرس بوزبقيد، من غير أن يركب أحد من الأوجاقيّة خلفه كما هى عادة الملوك من الأمراء، ومضوا به من باب القرافة في وقت القائلة، وقد خرجوا الناس للفرجة عليه بخارج القاهرة، وساروا به وحوله الخاصكية بالسيوف والرّماح، وجماعة
[ ١٦ / ٥٥ ]
كبيرة من أعيان الأمراء، وقد ازدحم الناس بالكيمان للفرجة عليه، حتى اجتاز بقرافة مصر القديمة إلى أن وصل إلى نيل مصر، وأنزل في الحرّاقة، وسافر من وقته في بحر النيل إلى الإسكندرية، «١» فسجن بها، وهذا أيضا من الغرائب من أن ملك مصر يخلع ويتوجّه مقيّدا إلى «٢» الإسكندرية نهارا، ولم يقع ذلك لغيره في السنين الخالية، وكان مسفّره خير بك الأشقر المؤيّدى الأمير آخور الثانى.
واستمر الملك المنصور مسجونا بثغر الإسكندرية وعنده والدته وجواريه وأولاده إلى ما يأتى ذكره- أحسن الله عاقبته بمحمد وآله «٣» .
[ ١٦ / ٥٦ ]