السنة السابعة عشرة من سلطنة الملك الأشرف برسباى [على مصر] «١»
وهى سنة إحدى وأربعين وثمانمائة.
[فيها] «٢» كانت وفاة الأشرف المذكور فى ذى الحجة حسبما تقدم ذكره.
[و] «٣» فيها كان الطاعون بالديار المصرية وكان «٤» مبدؤه من شهر رمضان وارتفع فى ذى القعدة فى آخره، ومات فيه خلائق من الأعيان والرؤساء وغيرهم، لكنه فى الجملة كان أضعف من طاعون سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة «٥» .
[وفيها] «٦» توفى القاضى سعد الدين إبراهيم ابن القاضى كريم الدين عبد الكريم ابن سعد الدين بركة، ناظر الخاص الشريف [وابن ناظر الخاص] «٧» المعروف بابن كاتب جكم، فى يوم الخميس سابع عشر [شهر] «٨» ربيع الأول، بعد مرض طويل وسنه دون الثلاثين سنة؛ وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى «٩» [من تحت القلعة] «١٠» ودفن عند أبيه بالقرافة.
وكان شابا عاقلا سيوسا كريما مدبرا، ولى الخاص صغيّرا «١١» بعد وفاة أبيه، فباشر بحرمة ونفذ الأمور وساس الناس وقام بالكلف السلطانية أتم قيام، [٧٢] لا سيما لما سافر [الملك] «١٢» الأشرف إلى آمد فإنه تكفل عن السلطان بأمور كثيرة تكلف فيها كلفة كبيرة، كل ذلك وسيرته مشكورة، إلا أنه كان منهمكا فى اللذات التى تهواها النفوس، مع ستر وتجمل؛ سامحه الله [تعالى] «١٣» .
[ ١٥ / ٢١٠ ]
وتولى نظرّ الخاص من بعده أخوه الصاحب جمال الدين يوسف ابن القاضى كريم الدين عبد الكريم، وهو مستمر على وظيفته مضافة لنظر الجيش وتدبير الممالك فى زماننا هذا «١»، إلى أن مات «٢» حسبما يأتى ذكره فى مواطن كثيرة من هذا الكتاب [وغيره إن شاء الله تعالى] «٣» .
وتوفى الأمير الكبير سيف الدين جانبك بن عبد الله الصوفى الظاهرى صاحب الوقائع والأهوال والحروب، فى يوم الجمعة خامس عشرين «٤» [شهر] «٥» ربيع الآخر بديار بكر وقطعت رأسه وحملت إلى مصر وطيف بها على رمح ثم ألقيت فى قناة سراب، وقد تقدم ذكر ذلك كله مفصلا فى مواضع كثيرة وما وقع للناس بسببه بالديار المصرية والبلاد الشرقية، غير أننا نذكر هنا أصله ومنشأه إلى أن مات، على طريق الإيجاز:
كان أصله من مماليك [الملك] «٦» الظاهر برقوق الصّغار، وترقّى فى الدولة الناصرية [فرج] «٧» إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف، ثم ولاه الملك المؤيد رأس نوبة النّوب، ثم نقله بعد مدة إلى إمرة سلاح، ثم أمسكه وحبسه إلى أن أطلقه الأمير ططر بعد موت المؤيد، وأنعم عليه بإمرة وتقدمة ألف ثم خلع عليه باستقراره أمير «٨» سلاح بعد مسك قجقار القردمى، ثم خلع عليه بعد سلطنته باستقراره «٩» أتابك العساكر بالديار المصرية، ثم أوصاه الملك الظاهر ططر عند موته بتدبير ملك ولده الملك الصالح محمد.
ومات [الملك] «١٠» الظاهر ططر، فصار جانبك المذكور «نظام الملك» و«مدبر الممالك»، فلم يحسن التدبير ولا استمال أحدا من أعيان خجدا شيّته من الأمراء، فنفروا
[ ١٥ / ٢١١ ]
عنه الجميع ومالوا إلى الأمير طرباى وبرسباى حسبما ذكرنا ذلك كله مفصلا مشبعا «١»؛ ولا زالوا فى التدبير عليه حتى خذلوه فى يوم عيد النحر، بعد ما لبس آلة الحرب هو والأمير يشبك الجكمى الأمير آخور، وأنزلوه من باب السلسلة بإرادته راكبا وعليه آلة الحرب إلى بيت الأمير بيبغا المظفّرى، فحال دخوله إلى البيت قبض عليه وقيّد وحمل إلى القلعة، ثم إلى ثغر الإسكندرية، [بعد أن كان ملك مصر فى قبضته، وأمسك معه يشبك الجكمى أيضا وحبس بثغر الإسكندرية] «٢»، كل ذلك فى أواخر ذى الحجة من سنة أربع وعشرين.
ودام جانبك فى سجن الإسكندرية مكرما مبجلا، إلى أن حسّن له شيطانه الفرار منه فأوسع الحيلة فى ذلك، حتى فر من سجنه «٣» فى سنة سبع وعشرين وثمانمائة، فعند ذلك حلّ به وبالناس بلاء الله المنزل المتداول سنين عديدة، ذهب فيها أرزاق جماعة، وحبس فيها جماعة كثيرة من أعيان الملوك وضرب فيها جماعة من أعيان الناس وأماثلهم بالمقارع، وجماعة كثيرة من الخاصكية أيضا ضربوا بالمقارع [والكسّارات] «٤»، وأما ما قاساه الناس من كبس البيوت ونهب أقمشتهم «٥» وما دخل عليهم من الخوف والرجيف فكثير إلى الغاية، ودام ذلك نحو العشر سنين، فهذا ما حل بالناس لأجل هروبه.
وأمّا ما وقع له فأضعاف ذلك، فإنه صار ينتقل من بيت إلى بيت والفحص مستمر عليه فى كل يوم وساعة، حتى ضافت عليه الدنيا بأسرها وأراد أن يسلم نفسه غير مرة، وقاسى أهوالا كثيرة إلى أن خرج من مصر إلى البلاد الشامية وتوصل إلى بلاد الروم حسبما حكيناه، وانضم عليه جماعة من التركمان الأمراء وغيرهم، وقاموا
[ ١٥ / ٢١٢ ]
بأمره أحسن قيام حتى استفحل أمره، فغلب خموله وقلة سعادته تدبيرهم واجتهادهم، إلى أن مات.
وكان شجاعا فارسا مفنّنا مليح الشكل رشيق القد كريما رئيسا، إلا أنه كان قليل السعد مخمول الحركات مخذولا فى حروبه، حبس غير مرة ونفد عمره على أقبح وجه، ما بين حبس وخوف وذل وشتات وغربة، إلى أن مات بعد أن تعب وأتعب وأراح بموته «١» واستراح.
وتوفى الأمير سيف الدين تمراز المؤيدى نائب صفد ثم نائب غزة مخنوقا [٧٣] بسجن الإسكندرية، فى «٢» ثالث عشرين جمادى الآخرة، وكان أصله من مماليك [الملك] «٣» المؤيد شيخ وخاصكيّته، وكان مقربا عنده ثم تغير عليه لأمر اقتضى ذلك، وضربه وأخرجه إلى الشام على إقطاع هيّن بطرابلس، ثم نقل بعد موت [الملك] «٤» المؤيد إلى إمرة بدمشق. فلما كانت وقعة تنبك البجاسى وافقه على العصيان، فلما ظفر [الملك] «٥» الأشرف بالبجاسى فر تمراز هذا واختفى مدة، ثم ظفر به وسجن بقلعة دمشق، ثم أطلق وأنعم عليه بإقطاع بها، ثم نقله الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، ثم أقره فى نيابة صفد فلم تشكر سيرته ورمى بعظائم، فعزله السلطان وولاه نيابة غزة عوضا عن يونس الرّكنى. وانتقل يونس إلى نيابة صفد، فلما ولى غز أساء السيرة [أيضا] «٦» وظلم وعسف وأفحش فى القتل وغيره، فطلبه السلطان إلى الديار المصرية وأمسكه وحبسه بالإسكندرية ثم قتله خنقا؛ ولا أعرف من أحوال تمراز غير ما ذكرته أنه مذموم السيرة كثير الظلم.
وتوفى الأمير جانبك بن عبد الله السيفى يلبغا الناصرى المعروف بالثور، أحد
[ ١٥ / ٢١٣ ]
أمراء الطبلخاناه والحاجب الثانى، وهو يلى شدّ بندر جدّة بمكة، فى حادى عشر شعبان. وكان أميرا ضخما متجملا فى مركبه وملبسه ومماليكه، وهو الذي أخرب المسطبة التى كانت ببندر جدة التى كان من طلع عليها «١» واستجار بها لم يؤخذ [منها] «٢»، ولو كان ذنبه ما عسى أن يكون، حتى [و] «٣» لو قتل نفسا وطلع فوقها لا يؤخذ منها.
وكانت هذه العادة قديما بجدة، فأخرب جانبك [المذكور] «٤» المسطبة المذكورة، ووقع بينه وبين عرب تلك البلاد وقعة عظيمة قتل فيها جماعة. وانتصر جانبك المذكور ومشى له ما قصده من هدم المسطبة المذكورة ومحى أثرها إلى يومنا هذا، يرحمه «٥» الله [تعالى] «٦» على هذه الفعلة، فإنها من أجمل «٧» الأفعال وأحسنها دنيا وأخرى، ولم ينتبه لذلك من جاء «٨» قبله من الأمراء حتى وفّقه الله تعالى لمحو هذه السنّة القبيحة التى كانت ثلمة فى الإسلام وأهله «٩» . قلت: كم ترك الأول للآخر.
وتوفى الشيخ شمس الدين محمد بن خضر بن داؤد بن يعقوب الشهير بالمصرى، الحلبى الأصل الشافعى، أحد موقّعى الدّست بالقدس [الشريف] «١٠»، فى يوم الأحد النصف من [شهر] «١١» رجب؛ وكان ديّنا خيرا وله رواية عالية بسنن ابن ماجة وحدّث وأسمع سنين.
وتوفى شيخ الإسلام علامة الوجود علاء الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد ابن محمد بن محمد بن محمد «١٢» البخارى العجمى الحنفى، الإمام العالم الزاهد المشهور،
[ ١٥ / ٢١٤ ]
فى خامس [شهر] «١» رمضان بدمشق. [وسمّاه بعضهم عليّا وهو غلط] «٢»، ومولده فى سنة تسع وسبعين وسبعمائة ببلاد العجم، ونشأ بمدينة بخارى «٣»، وتفقّه بأبيه وعمه علاء الدين عبد الرحمن، وأخذ الأدبيات والعقليات عن العلامة سعد الدين التفتازانى وغيره، ورحل فى شبيبته فى طلب العلم إلى الأقطار، واشتغل «٤» على علماء عصره إلى أن برع فى المعقول والمنقول والمفهوم والمنظوم واللغة العربية، [وترقى فى التصوف والتسليك] «٥» وصار إمام عصره، وتوجه إلى الهند واستوطنه مدة «٦»، وعظم أمره عند ملوك الهند إلى الغاية، لما شاهدوه من غزير علمه وعظيم زهده وورعه.
ثم قدم إلى مكة المشرفة وأقرأ «٧» بها مدة، ثم قدم إلى الديار المصرية واستوطنها سنين كثيرة وتصدّى للإقراء والتدريس، وقرأ عليه غالب علماء عصرنا من كل مذهب وانتفع الجميع بعلمه وجاهه وماله، وعظم أمره بالديار المصرية بحيث أنه منذ قدم القاهرة إلى أن خرج منها لم يتردد إلى واحد من أعيان الدولة حتى ولا السلطان، وتردد إليه جميع أعيان أهل مصر من السلطان إلى من دونه؛ كل ذلك وهو مكب على الأشغال، مع ضعف كان يعتريه ويلازمه فى كثير من الأوقات، وهو لا يبرح عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والقيام فى ذات الله بكل ما تصل قدرته إليه.
ثم بدا له التوجه إلى دمشق فسار إليها، بعد أن سأله السلطان فى الإقامة «٨» بمصر [غير مرة] «٩» فلم يقبل؛ وتوجه [٧٤] إلى دمشق وسكنها إلى أن مات بها.
[ ١٥ / ٢١٥ ]
ولم يخلف بعده مثله، لأنه كان جمع بين العلم والعمل مع الورع الزائد والزهد والعبادة والتحرى فى مأكله ومشربه من الشبهة وغيرها، وعدم قبوله العطاء من السلطان وغيره، وقوة قيامه فى إزالة البدع ومخاشنته لعظماء الدولة فى الكلام، وعدم اكتراثه بالملوك واستجلاب خواطرهم، وهو مع ذلك لا يزداد إلا مهابة وعظمة فى نفوسهم، بحيث أن السلطان كان إذا دخل عليه لزيارته يصير فى مجلسه كآحاد الأمراء، من حين يجلس عنده إلى أن يقوم عنه، والشيخ علاء الدين يكلمه فى مصالح المسلمين ويعظه بكلام غير منمّق، خارج عن الحد فى الكثرة، والسلطان «١» سامع له مطيع. وكذلك لما سافر السلطان إلى آمد، أول ما دخل إلى دمشق ركب إليه وزاره وسلّم عليه، فهذا شئ لم نره وقع لعالم من علماء عصرنا جملة كافية. وهو أحد من أدركناه من العلماء الزهّاد العبّاد، ﵀ [تعالى] «٢» ونفعنا بعلمه وبركته.
وتوفى الشيخ الإمام العالم «٣» العلامة علاء الدين على بن موسى بن إبراهيم الرومى الحنفى فى قدمته الثانية إلى مصر، فى يوم الأحد العشرين من شهر رمضان بالقاهرة، وكان ولى مشيخة المدرسة الأشرفية المستجدة بخط العنبريّين بالقاهرة، ثم تركها وسافر إلى الروم، ثم قدم بعد سنين إلى مصر ثانيا وأقام بها إلى أن مات.
وكان بارعا فى علوم كثيرة محققا بحاثا إماما فى المعقول والمنقول، تخرّج بالشيخين: الشريف الجرجانى والسعد التفتازانى، إلى أن برع وتصدى للإقراء والتدريس مدة طويلة، ووقع له أمور طويلة مع فقهاء الديار المصرية، وتعصبوا عليه، وهو ينتصب عليهم وأبادهم، لأنه كان عارفا بعلم الجدل، كان يلزم أخصامه بأجوبة مسكتة، ولهذا حطّ عليه بعض علماء عصرنا بأن قال: كان يفحش فى اللفظ، ولم ينسبه إلى جهل بل ذكر عنه [العلم] «٤» الوافر، والفضل ما شهدت
[ ١٥ / ٢١٦ ]
به الأعداء؛ ولا أعلم فيه ما ينقصه غير أنه كان مستخفا بعلماء مصر، لا ينظر أحدا منهم فى درجة الكمال.
وكان مما يقطع به أخصامه فى المباحث أنه كان حضر عدة مباحث بين الجرجانى والتفتازانى وغيرهما من العلماء، وحفظ ما وقع بينهم من الأجوبة والأسئلة «١»، وصار يسأل الناس بتلك الأسئلة والقوم ليس «٢» فيهم من هو [فى] «٣» تلك الطبقة، فكلّ من سأله سؤالا من ذلك وقف وعجز عن الجواب المرضى وقصر، فيتقدم عند ذلك الشيخ علاء الدين ويذكر الجواب فيعجب كل أحد. وبالجملة فإنه كان عالما مفنّنا، ﵀ [تعالى] «٤» .
وتوفى القاضى ناصر الدين محمد بن بدر الدين حسن الفاقوسى الشافعى، أحد أعيان موقّعى الدّست بالديار المصرية، فى ليلة الاثنين تاسع شوال بالطاعون، عن بضع «٥» وسبعين سنة؛ وكان حشما وقورا، وله فضل وأفضال، وحدّث سنين، وسمع منه خلائق، وكان معدودا من الرؤساء «٦» بالديار المصرية. وكان مولده بالقاهرة فى ليلة الجمعة خامس عشرين صفر سنة ثلاث وستين وسبعمائة، والفاقوسى نسبة إلى قرية بالشرقية من أعمال مصر تسمى منية الفاقوس.
وتوفى الأمير سيف الدين آقبردى بن عبد الله الفجماسى نائب غزة بها، وكان أصله من مماليك الأمير قجماس والد إينال باى، ترقّى بعده إلى أن صار أمير عشرة بمصر ودام على ذلك سنين كثيرة، إلى أن ولى نيابة غزة بالبذل «٧» بعد أن قبض تمراز المؤيدى، فلم تطل مدته ومات، وكان تركى الجنس غير مشكور السيرة.
وتوفى دولات خجا الظاهرى، والى القاهرة ثم محتسبها، بالطاعون فى يوم السبت
[ ١٥ / ٢١٧ ]
أول ذى القعدة. وكان أصله تركى الجنس من أوباش مماليك الظاهر برقوق، أعرفه قبل أن يلى الوظائف وهو من جملة حرافيش المماليك السلطانية، ثم ولّاه [الملك] «١» الأشرف الكشف ببعض الأقاليم فأباد المفسدين وقويت حرمته، فمن يومئذ صار ينقله من وظيفة إلى أخرى، حتى ولى القاهرة مرتين وعدة أقاليم، ثم ولّاه حسبة [٧٥] القاهرة.
وقد تقدم من ذكره نبذة كبيرة فى ترجمة [الملك] «٢» الأشرف، وفى الجملة أنه كان ظالما فاجرا فاسقا غشوما شيخا جاهلا «٣» ضالا «٤» خبيثا، عليه من الله ما يستحقه، ولولا أنه شاع ذكره لكثرة ولاياته وأرّخه جماعة من أعيان المؤرخين، ما ذكرته فى هذا الكتاب ونزّهته عن ذكر مثله.
وتوفى الأمير- ثم القاضى- صلاح الدين محمد ابن الصاحب بدر الدين حسن ابن نصر الله الفوّىّ الأصل المصرى، كاتب السر الشريف بالديار المصرية، بالطاعون فى ليلة الأربعاء خامس ذى القعدة. [و] «٥» مولده فى [شهر] «٦» رمضان سنة تسعين وسبعمائة، ونشأ بالقاهرة تحت كنف والده الصاحب بدر الدين، وتزيّا بزى الجند وولى الحجوبية فى دولة [الملك] «٧» الناصر فرج، ثم ولى الأستادّارية فى الدولة المظفّرية ثم عزل، ثم أعيد إليها بعد سنين، ثم عزل بأبيه، وصودر ولزم داره سنين طويلة هو ووالده، إلى أن ولاه [الملك] «٨» الأشرف بعد سنة خمس وثلاثين حسبة القاهرة.
وأخذ صلاح الدين بعد ذلك يتقرب بالتحف والهدايا للسلطان ولخواصه، إلى أن اختص به ونادمه، وصار يبيت عنده فى ليالى البطالة بالقلعة، وحج أمير الركب
[ ١٥ / ٢١٨ ]
الأول، وعاد فولّاه كتابة السر على حين غفلة، بعد عزل القاضى محب الدين محمد بن الأشقر، من غير سعى، فى يوم الخميس ثانى عشرين ذى الحجة سنة أربعين وثمانمائة، وترك زىّ الجند ولبس زىّ الفقهاء، وصار يدعى بالقاضى بعد الأمير، فباشر كتابة السر بحرمة وافرة وعظم فى الدولة، فلم تطل أيامه ومات فى حياة والده، واستقر والده عوضه فى كتابة السر.
وكان صلاح الدين حشما متواضعا كريما، يكتب المنسوب، إلا أنه كان من الكذبة الذين «١» يضرب بكذبهم المثل، يحكى عنه من ذلك أشياء كثيرة، ورأيت أنا منه نوعا، غير أن الذي حكى [لى] «٢» عنه أغرب، وقد جربت أنا كذبه بأنه لا يضر ولا ينفع، وهو أن غالب كذبه كان على نفسه، فيما وقع له قديما وحديثا، فهذا شىء لا يضر أحدا، ولعل الله أن يسامحه فى ذلك.
وتوفى الشهابى أحمد بن [على] «٣» ابن الأمير سيف الدين قرطاى بن عبد الله سبط بكتمر الساقى، بالطاعون فى ليلة الاثنين عاشر ذى القعدة. ومولده فى يوم الأحد ثالث عشرين شعبان سنة ست وثمانين وسبعمائة بالقاهرة، ومات ولم يخلف بعده مثله فى أبناء جنسه، لفضائل جمعت فيه، من حسن كتابة ونظم القريض، وحلو محاضرة وجودة مذاكرة؛ وكان سمينا جدا لا يحمله إلا الجياد من الخيل، رحمه الله تعالى «٤» . [ومن شعره] «٥»: [المجتث]
حبىّ المعذّر وافى «٦» [من] «٧» بعد هجر بوصل
[ ١٥ / ٢١٩ ]
وقال:
صف لى عذارى فقلت: يا حبّ نملى «١»
وله [أيضا] «٢» فى مليح يسمى خصيب «٣»: [الطويل]
رعى الله أيام الرّبيع وروضها بها الورد يزهو مثل خدّ حبيبى
وإنّى وحقّ الحبّ «٤» ليس ترحّلى سوى لمكان ممرع وخصيب
وتوفى الأمير إسكندر بن قرا يوسف صاحب تبريز مشتتا عن بلاده بقلعة ألنجا «٥»، ذبحه ابنه شاه قوماط «٦» فى ذى القعدة خوفا من شره؛ وملك بعده البلاد أخوه جهان شاه بن قرا يوسف. وكان شجاعا مقداما «٧» قويا فى الحروب، أباد قرايلك فى مدة عمره، وتقاتل مع شاه رخ بن تيمور لنك غير مرة، وهو ينهزم على أقبح وجه. وكان إسكندر أيضا على قاعدة أولاد قرا يوسف: لا يتدين بدين، إلا أنه كان أحسن حالا من أخويه شاه محمد وأصبهان؛ وقد مرّ من ذكر إسكندر هذا وإخوته جملة كبيرة تعرف منها أحوالهم.
وتوفى نور الدين على بن مفلح وكيل بيت المال، وناظر البيمارستان [المنصورى] «٨» فى يوم الجمعة ثانى عشرين ذى القعدة، بالطاعون. وكان معدودا من بياض الناس «٩»، وله ترداد إلى الرؤساء، غير أنه كان عاريا من العلوم.
[ ١٥ / ٢٢٠ ]
وتوفى الأمير الكبير سودون من عبد الرحمن نائب [٧٦] الشام ثم أتابك العساكر بالديار المصرية بطّالا بثغر دمياط فى يوم السبت العشرين من ذى الحجة؛ لم يخلف بعده مثله حشمة ورئاسة وعقلا وتدبيرا وشكالة.
وقد مرّ من ذكره فى واقعة الأمير قانى باى نائب الشام فى الدولة المؤيدية أنه كان نائب طرابلس، ووافق قانى باى المذكور، وانهزم بعد قتل قانى باى إلى قرا يوسف بالشرق، وأنه كان ولى نيابة غزة فى الدولة الناصرية فرج، وتقدمة ألف بالقاهرة، وأنه قدم على الأمير ططر بعد موت المؤيد، واستقر بعد سلطنة [الملك] «١» الأشرف دوادارا كبيرا عوضا عن الأشرف المذكور، ثم نقل إلى نيابة دمشق بعد عصيان تنبك البجاسى فدام مدة يسيرة، ثم نقل إلى أتابكية العساكر بالديار المصرية عوضا عن جارقطلو [بحكم انتقال جارقطلو] «٢» إلى نيابة دمشق عوضه، ثم مرض وطال مرضه إلى أن أخرج عنه السلطان إقطاعه وعزله عن الأتابكية، ثم سيّره بعد مدة أشهر إلى ثغر دمياط بطّالا فدام به إلى أن مات. وكان أجلّ المماليك الظاهرية [برقوق] «٣»، وهو أحد من أدركناه من ضخماء الملوك وعظمائهم، مع حسن الشكالة والزى البهيج رحمه الله تعالى.
أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة وعشرون أصبعا؛ مبلغ الزيادة: عشرون ذراعا وخمسة عشر أصبعا «٤» .
[ ١٥ / ٢٢١ ]