ذكر سلطنة الملك المنصور عثمان على مصر السّلطان الملك المنصور أبو السّعادات فخر الدين عثمان ابن السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبى سعيد جقمق العلائى الظاهرىّ.
وهو الخامس والثلاثون من ملوك مصر الأتراك، والحادى عشر من الچراكسة.
تسلطن بعد أن خلع أبوه الملك الظاهر جقمق نفسه عن الملك، وحضر الخليفة القائم بأمر الله حمزة، والقضاة الأربعة، وجميع الأمراء، وأعيان الدولة بقاعة الدّهيشة «١» من قلعة الجبل، وبايعوه بالسلطنة في الثانية من نهار الخميس الحادى والعشرين من محرم سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وكانت البيعة له بالسلطنة في الثانية من نهار الخميس بعد طلوع الشمس بخمس وعشرين درجة، ولبس الخلعة على العادة، وركب من الدهيشة وعليه السواد الخليفتى بشعار الملك وأبهة السلطنة على نحو ثلاثين درجة من طلوع الشمس «٢» .
وسار وبين يديه الأمراء وأعيان المملكة «٣» إلى أن نزل بالقصر السلطانى، وحمل الأمير الكبير إينال العلائى الناصرى القبّة والطّير على رأسه، إلى أن جلس على تخت الملك، وقبّل الأمراء الأرض بين يديه، وخلع على الخليفة القائم بأمر الله حمزة، وعلى الأمير الكبير إينال المذكور، على كل منهما أطلسين متمّرا»
، وفرسا بسرج ذهب، وكنبوش «٥» زركش، وأنعم على الخليفة بألف دينار، وبإقطاع هائل زيادة على ما بيده.
[ ١٦ / ٢٣ ]
وتمّ أمره في السلطنة، ولقّب بالملك المنصور، وعمره يومئذ نحو الثمانى عشرة سنة تخمينا.
وكان الطالع عند بيعته بالسلطنة سبعا وعشرين درجة من برج الحوت، والغارب برج السّنبلة، والمتوسط برج القوس، والسّاعة ساعة المرّيخ، والقمر بالوجه الثالث من برج العقرب.
واستمرّ الملك المنصور بالقصر السلطانى ساعة، ثم عاد إلى منزله بالحوش السلطانى من قلعة الجبل، وهذا بخلاف عادة الملوك، لأن العادة جرت أنّ السّلطان إذا تسلطن يمكث بالقصر ثلاثة أيام بلياليها، وعنده أعيان الأمراء والخاصّكيّة، فأبطل ذلك كلّه الملك المنصور، وعاد من يومه، لكون والده على خطة وهو حاضر الحس، وفعل ذلك مراعاة لخاطره.
ثم في يوم السبت ثالث عشرين «١» المحرم جلس الملك المنصور على الدكّة بالحوش السلطانى «٢»، وحضر الأمير دولات باى المحمودى «٣» الدّوادار الكبير أمير حاج المحمل إلى بين يديه، وقبّل الأرض، وخلع عليه، ونزل إلى داره «٤» .
ثم أصبح يوم الأحد طلع المقام الغرسى خليل ابن السلطان الملك الناصر فرج «٥» إلى القلعة، وقد حضر أيضا من الحج، وسلّم على الملك المنصور، فأقبل عليه المنصور، وخلع عليه كامليّة صوف بنفسجى بمقلب بفرو سمّور «٦»، ثم خرج من عنده ودخل إلى
[ ١٦ / ٢٤ ]
الملك الظاهر جقمق، وعاده وسلّم عليه بقاعة الدّهيشة «١»، وقبل أن ينزل رسم له الملك المنصور بالتوجّه من يومه إلى ثغر دمياط.
وكان الملك الظاهر جقمق لما استقدمه من الإسكندرية للحج أطمعه بالسّكنى في القاهرة، فنزل خليل المذكور إلى تربة جدّه الملك الظاهر برقوق بالصحراء، وسافر منها ليلته إلى دمياط.
ثم في يوم الاثنين خامس عشرين المحرّم أنعم السّلطان الملك المنصور بإقطاعه الذي كان بيده أيام أبيه على الأمير تنم من عبد الرزّاق أمير مجلس.
وأنعم بإقطاع تنم- وهو أيضا تقدمة ألف- على الأمير يونس الأقبائى شاد الشّراب خاناه.
وأنعم بإقطاع يونس على الأمير جانبك القرمانى- الظاهرىّ برقوق- ثانى رأس نوبة، والإقطاع إمرة أربعين طبلخاناه.
وأنعم بإقطاع جانبك القرمانى على الأمير يشبك الناصرى «٢»، وهو أيضا إمرة أربعين.
وأنعم بإقطاع يشبك الناصرى- وهو إمرة عشرة- على الأمير كزل السودونى المعلّم، وكان بطّالا.
ثم في يوم الثلاثاء سادس عشرينه حضر الملك المنصور خدمة القصر على العادة قديما، لأن والده الملك الظاهر كان أبطل خدمتى السبت والثلاثاء من القصر.
[ ١٦ / ٢٥ ]
وخلع على الأمير لاجين الظاهرىّ الزّرد كاش ولالاة «١» الملك المنصور باستقراره شاد الشّراب خاناه عوضا عن يونس المقدّم ذكره.
وخلع على جانبك قرا الظاهرىّ- جقمق- أحد أمراء العشرات ورأس نوبة باستقرارة زرد كاشا عوضا عن لاجين المذكور.
ثم توجّه الملك المنصور من القصر إلى البحرة بالحوش السلطانى، وطلب به مباشرى الدولة، وحضر الأمير قانى باى الچاركسى الأمير آخور الكبير، والطّواشى فيروز الرّومى النّوروزى الزّمام والخازندار، وكلّمهم في أمر المماليك السلطانيّة، ومن أين تكون النفقة عليهم، لأن الملك الظاهر لم يدع في الخزائن شيئا، وطال جلوسهم عنده إلى قريب الظهر، وانفضّ المجلس بعد كلام طويل، واختلفت الأقوال فيما وقع فيه من الكلام، ومحصول ذلك كله أن السلطان شكا للجماعة قلّة وجود المال بالخزانة السلطانية، وسألهم في المساعدة في أمر النفقة، فدار الكلام بينهم في ذلك، إلى أن التزم كلّ منهم بحمل شىء مساعدة له في نفقة المماليك، وانفضّ المجلس بعد أمور حكيناها فى الحوادث.
ثم في يوم الخميس ثامن عشرين المحرّم خلع السلطان على الأمير جانبك الظّاهرىّ بالتكلم على بندر جدّة على عادته في كل سنة، وخلع على عدّة من الخاصّكيّة بالتوجّه إلى البلاد الشامية بالبشارة بسلطنة الملك المنصور عثمان «٢»، وهم:
جانم الأشرفىّ السّاقى البهلوان، توجّه إلى نائب الشام الأمير جلبّان.
وطوخ النّوروزى رأس نوبة الجمداريّة إلى نائب حلب الأمير قانى باى الحمزاوى.
وبرسباى الأشرفى الأمير آخور إلى نائب طرابلس الأمير يشبك النّوروزى.
[ ١٦ / ٢٦ ]
وقايتباى الأشرفى الأمير آخور إلى نائب حماة الأمير حاج إينال اليشبكى.
ودولات باى إلى نائب صفد الأمير بيغوت الأعرج المؤيّدى.
وتمر الأشرفى الخاصّكىّ إلى نائب قلعة دمشق وقضاتها وغيرهم.
وسودون يكرك «١» إلى نائب غزة جانبك التاجىّ.
وخشقدم مملوك قراجا الأشرفى إلى نائب الكرك والقدس.
وإينال الظاهرى- جقمق- إلى نائب الإسكندرية برسباى البجاسى.
ثم في يوم السبت سلخ المحرم أعاد السلطان الجمع بقاعة البحرة من قلعة الجبل بسبب نفقة المماليك «٢» السلطانية، وأعاد على مباشرى الدولة الكلام في أمر النفقة، فكثر الكلام بسبب ذلك، وكان زين الدين الأستادار قد تقرّب إلى الملك المنصور أيام والده، وصار أستاداره واختصّ به، ومهّد أموره معه، فلما تسلطن ظنّ أنه سيكون من أمره في دولته أضعاف ما كان له في دولة والده الملك الظاهر جقمق، وأخذ في هذا الجمع يمتنع من حمل ما قرّر عليه من الذهب برسم نفقة المماليك، وأنه في «٣» حمله بوظيفة الاستادارية، وأوسع وصمّم على مقالته، وكان في المجلس الأمير جانبك الظاهرى.
نائب جدّة- والناصرى محمد بن أبى الفرج نقيب الجيش- وهو أعدى عدوّ لزين الدين الأستادار- مع من حواه المجلس من الأمراء وأعيان المملكة، وكثر الكلام بسبب امتناع زين الدين من حمل المال، وتغيّر السلطان عليه بسبب ذلك، فأمر يمسكه وعزله، وتولية الأمير جانبك الظاهرى نائب جدّة للأستاداريّة، وأحضر في الحال
[ ١٦ / ٢٧ ]
خلعة الأستاداريّة وألبسها للأمير جانبك المذكور، ونزل إلى داره وبين يديه وجوه الدّولة، وسرّ الناس قاطبة بعزل زين الدين المذكور عن الأستادارية «١»، فإنه كان طال واستطال، وظلم وعسف، وأخذ عدّة إقطاعات من أخباز «٢» المماليك السلطانية والأمراء؛ استولى عليها بالشّوكة، وأضافها إلى الديوان المفرد «٣»، وحجر على غالب الأشياء، واستولى عليها من معايش الفقراء وأرباب التكسّب، وصار هو يأخذها ثم يبيعها بأضعاف ما أخذها، حتى جمع من هذا المال الخبيث أموالا كثيرة، وعمّر منها الجوامع والمساجد والسّبل، فكان حاله في ذلك كقول القائل:
[الطويل]
بنى جامعا لله من غير ماله فكان بحمد الله غير موفّق
كمطعمة الأيتام من كدّ فرجها لك الويل، لا تزنى ولا تتصدّقى
وقد حرّرنا أحواله من ابتداء أمره إلى يوم عزله في غير هذا المحل- والمقصود هنا الآن أخبار الملك المنصور- ثم رسم الملك المنصور بحبس زين الدين وإلزامه بخمسمائة ألف دينار.
ثم أنعم الملك المنصور على الأمير بردبك الظاهرى- جقمق- البجمقدار «٤»، أحد أمراء الخمسات بإمرة عشرة من الديوان السلطانى، وأنعم بإقطاع بردبك على سودون من سلطان الظاهرى البجمقدار حسابا عن إمرة عشرة ضعيفة، وأنعم على جانبك القجماسى الأشرفى المعروف بدوادار سيّدى بإمرة عشرة أيضا من الذخيرة من المتوفر «٥» .
[ ١٦ / ٢٨ ]
وفي عصر هذا النهار سلّم السلطان زين الدين يحيى الأستادار المنفصل إلى الأمير جانبك الظاهرى الأستادار المستقر في الأستادارية، وأمره بمعاقبته «١»، فنزل به من القلعة على أقبح وجه «٢»، فنعوذ بالله من زوال النّعم، وما ربّك بظلّام للعبيد، وازدحم الناس تحت القلعة لرؤيته، فما منهم إلا شامت أو متهكّم، فتفضّل عليه الأمير جانبك، وتنزّه عن عقوبته، رحمة عليه لا خوفا من عاقبته، وأعاده إلى القلعة في يوم الأربعاء، وقد حرّرنا ذلك كلّه في الحوادث.
ثم في يوم الاثنين ثانى صفر خلع السلطان على الأمير فيروز النّوروزىّ الزّمام الخازندار بإعادة الذخيرة «٣» إليه.
وخلع على الأمير قشتم الناصرىّ باستقراره في نيابة البحيرة على عادته أوّلا على كره منه، وهو أيضا أحد أعداء «٤» زين الدين الأستادار، وكان قشتم من محاسن الدهر.
وفيه أنعم الملك المنصور على السّيفى قانصوه المحمدى الساقى الأشرفى بإمرة عشرة من الذخيرة أيضا، وقانصوه أيضا من نوادر الدهر ومحاسنه.
ومات السلطان الملك الظاهر جقمق في تلك الليلة حسبما ذكرناه في خمس مواطن من مصنفاتنا، لا حاجة في ذكره هنا ثانيا.
ثم في يوم الأربعاء ثانى يوم دفن الملك الظاهر جقمق نودى بالقاهرة بالأمان والنّفقة فى المماليك السلطانيّة في آخر صفر.
[ ١٦ / ٢٩ ]
وفيه نقل زين الدين الأستادار إلى طبقة الخازندار فيروز «١» على حمل ما قرّر عليه.
وفيه «٢» خلع السلطان على جانبك الأشرفى «٣» اليشبكى والى القاهرة، وعلى ير على محتسب القاهرة، وعلى الناصرىّ محمّد بن أبى الفرج نقيب الجيوش المنصورة باستمرارهم «٤» .
وخلع «٥» على الأمير قراجا العمرى الناصرىّ «٦» كاشف الشرقيّة بالوجه البحرى، بعد عزل عبد الله عنها، فتزايد سرور الناس بعزل هذا الظالم أيضا.
ثم في هذا اليوم عوقب زين الدين الأستادار بالعصىّ والمعاصير، وضرب على سائر أعضائه، وحضر الناصرىّ محمد بن أبى الفرج عقوبته، وكان السلطان ألزمه باستخراج الخمسمائة ألف دينار منه.
ثم في يوم الثلاثاء استقرّ الزينى فرج بن النحّال «٧» كاتب المماليك في نظر الدولة «٨» وخلع السلطان على تنم «٩» الخاصّكىّ الظاهرى المعروف برصاص باستقراره في التّكلم على بندر جدّة عوضا عن الأمير جانبك الظاهرى الأستادار بسفارة جانبك.
ثم في يوم الخميس ثانى عشر صفر أمسك السلطان الملك المنصور- برأى مماليك أبيه- جماعة من الأمراء المؤيدية، وهم: الأمير دولات باى المحمودىّ المؤيدى
[ ١٦ / ٣٠ ]
الدّوادار الكبير، والأمير يرشباى «١» الإينالى المؤيدى أحد أمراء الطّبلخانات وأمير آخورثان، والأمير يلباى «٢» الإينالى أحد أمراء الطّبلخانات ورأس نوبة؛ وكان القبض على دولات باى بقاعة الدّهيشة، وعلى يرشباى بالإسطبل السلطانى، وعلى يلباى من سوق الخيل، وقيّدوا الجميع إلى بعد أذان الظهر، فأنزلوا بالقيود على البغال إلى النّيل، وحملوا إلى الإسكندرية، فسجنوا بها، وكان مسفّر دولات باى الأمير جانبك قرا الذي استقرّ زردكاشا، وقد تولّى نيابة الإسكندرية في الباطن عوضا عن برسباى البجاسى، وحمل إليه التقليد بعد يومين «٣»، فاتّضع بمسك هؤلاء قدر المؤيدية، وارتفع أمر الأشرفية.
ثم في يوم الاثنين سادس عشر صفر أنعم السلطان على الأمير قرقماس الأشرفى الجلب، أحد أمراء الطّبلخانات وقريب الأشرف برسباى بإمرة مائة وتقدمة ألف بالدّيار المصرية، عوضا عن دولات باى المحمودى بحكم حبسه، وأنعم بإمرة قرقماس المذكور على الأمير جانبك النّوروزى، المعروف بنائب بعلبك والقادم من مكة قبل تاريخه «٤» .
وفيه استقرّ الأمير تمربغا الظّاهرىّ الدّوادار الثانى وأحد أمراء العشرات دوادارا كبيرا، عوضا عن دولات باى، وأنعم عليه بإمرة أربعين، وهو إقطاع يرشباى الإينالى، وأنعم بإقطاعه على يشبك الظاهرى بعد أيام.
وفيه أيضا استقرّ الأمير أسنباى الجمالى الظاهرى أحد أمراء العشرات دوادارا ثانيا،
[ ١٦ / ٣١ ]
عوضا عن تمربغا على إقطاعه إمرة عشرة من غير زيادة، واستقرّ «١» الأمير سنقر العائق الأمير آخور الثالث أمير آخور ثانيا عوضا عن يرشباى «٢»، واستقرّ الأمير يردبك البجمقدار أمير آخور ثالثا، عوضا عن سنقر المذكور، واستقرّ الأمير جانبك اليشبكى والى القاهرة زردكاشا عوضا عن جانبك قرا المتوجّه إلى نيابة الإسكندرية، مضافا إلى ما بيده من الولاية والحجوبيّة وشدّ الدواوين، فعظم ما وقع في هذا اليوم من الولاية والتغايير على أعيان الأمراء، ونفرت القلوب من الظاهريّة في الباطن بسبب تولية تمربغا الدوادارية الكبرى، وكان الأمير أسنبغا الطّيّارى رأس نوبة النّوب رشّح لولايتها، وأن يكون الأمير جرباش المحمدى كرد رأس نوبة النّوب عوضه.
وبات الناس على ذلك، فأصبح وقع ما حكيناه، ومن يومئذ وقع الكلام في الدّولة ووجد من له غرض في إثارة الفتنة مدخلا يدخل منه، وترقّب الناس وقوع الفتنة، غير أن الناس في سكون، والبواطن مشغولة إلى ما سيأتى ذكره.
ثم في يوم الثلاثاء سابع عشره أنعم السلطان على الأمير سونجبغا اليونسى أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بإقطاع «٣» الأمير يلباى الإينالى بحكم حبسه بالإسكندرية وأنعم «٤» بإقطاع سونجبغا المذكور وإقطاع جانبك النّوروزى نائب بعلبك على قانى بك السّيفى يشبك بن أزدمر أحد الدوادارية، وعلى قوزى الظاهرى الساقى، واستقرّ سنطباى الظاهرى ساقيا عوضا عن قوزى، وخير بك الأشرفى صاحب تمراز المصارع دوادارا عوضا عن قانى بك.
وفيه أيضا عوقب زين الدين أشدّ عقوبة بحضرة الأمير جانبك الظاهرى الأستادار وغيره، وهو لا يظهر ماله من الذخائر غير ما أخذ له، وهو دون المائة ألف دينار، ذكرنا تفصيلها في غير هذا المحل.
[ ١٦ / ٣٢ ]
وفي هذه الأيام أشيع بوقوع فتنة، ووثوب المماليك السلطانية بسبب النفقة عليهم.
وفيه استعفى الأمير الوزير تغرى بردى القلاوى «١» الظاهرى من الوزر، فأعفى على أنّه يقوم بالكلف السلطانية في يومه ومن الغد.
ثم في يوم الأربعاء ثامن عشر صفر عقد مجلس بين يدى السلطان بالقضاة الأربعة بسبب أملاك زين الدين الأستادار الموقوفة عليه وعلى جوامعه ومساجده، ووقع بسبب ذلك أمور آل الأمر إلى بيعها.
ثم في يوم الخميس تاسع عشره خلع السلطان على الصاحب أمين الدين بن الهيصم «٢» باستقراره وزيرا على عادته، قلت: إذا أعطى القوس لراميه «٣» .
ثم في يوم السبت حادى عشرينه عمل السلطان الخدمة بالحوش السلطانى بسبب قصّاد ملك الحبشة، وكان أشاع أهل الفتن في أمسه أن السلطان يريد يعمل الخدمة بالحوش ليقبض على جماعة كبيرة من الأعيان، فانفضّ الموكب، ولم يقع شىء من ذلك.
ثم في يوم الاثنين ثالث عشرين صفر المذكور رسم السلطان للأمير جرباش الكريمى الظاهرى- برقوق- أمير سلاح بلزوم بيته بحكم كبر سنّه وعجزه عن الحركة، وكان جرباش من القبائح، وأنعم السلطان بإقطاعه على الأمير قراجا الظاهرى- جقمق- الخازندار، وصار من جملة أمراء الألوف، وقراجا المذكور من خيار أبناء جنسه دينا وعفّة وكرما، وأنعم بإقطاع قراجا ووظيفته على الأمير أزبك من
[ ١٦ / ٣٣ ]
ططخ الظاهرى- جقمق- الساقى أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، وأنعم بإقطاع أزبك على الأمير بتخاص العثمانى الظاهرى برقوق، وكان بطّالا.
وفيه أيضا استقر الأمير تنم من عبد الرّزاق المؤيدى أمير مجلس أمير سلاح عوضا عن جرباش الكريمى قاشق «١» بحكم لزومه داره.
وفيه خلع السلطان على الأمير تمربغا الظاهرى «٢» الدّوادار الكبير خلعة الأنظار المتعلقة بالدّواداريّة، ونزل بخلعته في موكب جليل، ولسان حاله ينشد:-[البسيط]
من راقب الناس مات غمّا وفاز باللذّة الجسور
ثم في يوم الثلاثاء رابع عشرينه خلع السلطان على الأمير تنبك البردبكى الظاهرى المعزول عن حجوبيّة الحجّاب «٣» قبل تاريخه، باستقراره أمير مجلس عوضا عن تنم المنتقل إلى إمرة سلاح، ومن الغريب أنه لما ولى إمرة مجلس، وطلع إلى القلعة بعد ذلك، وجلس في الموكب، قعد قانى باى الچاركسى الأمير آخور الكبير فوقه، وهذا شىء لم يعهد من أن أمير آخور يجلس فوق أمير مجلس، فعدّ ذلك من جنون قانى باى وقلّة أدبه، إذ [أن] «٤» تنبك المذكور في مقام أستاذه، لأنه خچداش چاركس،
[ ١٦ / ٣٤ ]
وأيضا أنه كان في الدّولة الأشرفيّة أمير مائة ومقدّم ألف، وقانى باى جندى بحياصة، فما ثمّ وجه من الوجوه لجلوسه فوقه.
وفيه أيضا عزل السلطان جماعة كبيرة من الخاصّكيّة البوّابين من المؤيّديّة، وولّى عوضهم جماعة من حواشيه، فزاد ما بالمؤيّديّة، وأخذوا في عمل الرّكوب فلم يكن لهم طاقة لذلك لقلّتهم؛ فلم يجدوا بدّا من مصالحة الأشرفية ليكونوا معا، فسعوا في ذلك في الباطن إلى ما يأتى ذكره.
ثم في يوم الأربعاء خامس عشرينه وصل إلى القاهرة مملوك الأمير قانى باى الحمزاوى نائب حلب، ومملوك نائب قلعتها، وحاجبها، وقبّلوا الأرض، وأخبر مملوك نائب حلب عن مخدومه أنه قبّل الأرض، وسرّ بسلطنة الملك المنصور إلى الغاية، فرحّب السلطان بهم وخلع عليهم.
ثم في يوم الخميس سادس عشرين صفر قرى تقليد السلطان الملك المنصور بالسلطنة بالقصر الكبير السلطانى من قلعة الجبل، فجلس السلطان على كرسى الملك، وجلس الخليفة القائم بأمر الله حمزة على الأرض على يمينه، فعظم ذلك على الخليفة، ولم يبده إلا بعد ركوب الأتابك إينال، وحضر القضاة الأربعة «١» وتولّى قراءة التقليد القاضى محبّ الدين بن الأشقر كاتب السّرّ، وبعد فراغ القراءة خلع السلطان الملك المنصور على الخليفة «٢» وعلى كاتب السّر، وخلع على القضاة الأربعة «٣» .
ثم في يوم السبت ثامن عشرين صفر خلع السلطان على قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى «٤» الشافعى بإعادته إلى قضاء القضاة، بعد عزل شرف الدين يحيى المناوى «٥»
[ ١٦ / ٣٥ ]
وفيه استقرّ السيفى يشبك القرمى الظاهرى والى القاهرة بحكم عزل جانبك اليشبكى، بحكم انتقاله إلى الزرد كاشية، حسبما تقدّم ذكره.
هذا وقد أخذت المؤيّدية في استمالة الأشرفيّة من يوم قبض الملك المنصور على خچداشيتهم «١» دولات باى ورفقته (٢)، ولا زالوا بهم حتى وافقوهم لحزازة كانت في نفوس الأشرفيّة أيضا من الملك الظاهر جقمق قديما، وقد تجدّد مع ذلك أيضا قول بعض أمراء الظاهرية للأشرفيّة في أخذ ابن أستاذهم الشّهابى أحمد ابن الملك الأشرف برسباى من عند عمّه زوج أمّه الأمير قرقماس الأشرفى، وإرساله إلى ثغر الإسكندرية ليقيم بها عند أخيه الملك العزيز يوسف، فعظم ذلك على أم الشّهابى أحمد، وعلى زوجها الأمير قرقماس، فكان ذلك من أكبر الأسباب لموافقة الأشرفيّة للمؤيّدية، ثم ساعدهم أيضا من له غرض في تغيير الدّول، لا رغبة في أحد بعينه بل حتى يناله ما قد أمّل، وقد صار ذلك عادة عند موت كلّ سلطان من عهد الملك المؤيد شيخ إلى يومنا هذا، بل إلى يوم القيامة؛ لعدم أهلية الملوك، ولغفلتهم عن هذا المعنى في أيام عزّهم، وأعجب من هذا أنّ أحدهم لا يزال في غفلة عن ذلك حتى يشرف على الموت، فيعهد «٢» لولده بالسلطنة مع معرفته وتحقّقه بما يفعلونه مع ولده من بعده، كما فعل بأمثاله، وقد قيل في المثل: «إذا أردت أن تنظر الدنيا بعدك انظرها بعد غيرك»؛ فلما انتظم الصلح بين الطائفتين سرّا تحالفوا واتفقوا على الركوب في يوم بعينه.
كلّ ذلك والمنصور ومماليك أبيه وحواشيه في غفلة عن ذلك، وأكبر همّهم في تفرقه الإقطاعات والوظائف، وفي ظنّهم أن دولتهم تدوم، وأن الملك قد صار بيدهم، هذا مع عدم التفاتهم لتقريب العقلاء، ومشاورة ذوى التدبير وأرباب التجارب ممن مارس تغيير الدّول والحروب والوقائع، وصار أحدهم إذا لوّح له بعض أصحابه بشىء مما
[ ١٦ / ٣٦ ]
يدلّ على ذلك يستخفّ عقله ويهزأ به، حتى لقد بلغنى من بعض أصحابنا الثقات أنه قال للأمير تمربغا مشافهة. «بلغنى أن الأشرفيّة في عزم الرّكوب على السلطان» فضحك تمربغا وقال: «هم نقطوا بعقلهم»؛ ازدراء بأمرهم واستخفافا بشأنهم، وليس هذا من شأن من قد صار أمور المملكة بيده في سائر أحوالها، وإنما شأن الذي يكون في هذه الرتبة أن يفحص دائما عن أخبار أصدقائه وأعدائه، ولا يكذّب مخبرا ولا ينهر منذرا، بل يسمع كلام كلّ ناصح نصحه، فيأخذ ما صلح بباله، ويترك ما لم يعجبه، من غير أن يفهم عنه لأحد من نصحائه عدم قبول كلامه، بل يشكره على ذلك ويثنى عليه، ويحرّضه على ما هو فيه، ويصغى لكلام كلّ قائل حتى يفهمه، ثم يفعل ما بدا له، هذا مع الاحتراز والتحرّى في أموره، واستجلاب الخواطر، وتأليف القلوب له ولسلطانه، ما دامت الدولة مضطربة كما هى عادة أوائل الدّول، فيصير بذلك فى غالب أموره على يقظة، فإن كان خيرا فيحمد الله على التوفيق، وإن كان شرّا فيتأهب لذلك قبل وقوعه، ثم بلقاه بعد استحكام واستعداد بقوة جنان، وبذل النفوس والأموال، وهيهات بعد ذلك إن تم الأمر أو لم يتم، فإن كان النصر فهو من عند الله، وإن كانت الأخرى فيكون لما سبق في الأزل، فيزول ملكه، وهو معذور مشكور، لاندمان مقهور، فأين هذا مما كان فيه هؤلاء القوم، وقد صار الناس عند الأمير الكبير إينال، ولبسوا السلاح، وأجمعوا على قتالهم، وهم إلى الآن في تكذيب الأخبار واستبعاد ما سيكون، فمن أساء لا يستوحش، والمفرّط أولى بالخسارة، وعدم التدبير هو أصل التدمير، وهو كما قيل:-[السريع]
ما يفعل الأعداء في جاهل ما يفعل الجاهل في نفسه
وبات الملك المنصور وأمراؤه في ليلة الاثنين مستهل شهر ربيع الأوّل على تفرقة النفقة على المماليك السلطانية في غده، وقد انبرم أمر القوم، وتجهزوا لما عساه يكون.
[ ١٦ / ٣٧ ]