هزيمة مسلم بن عقيل:
هنا تبرز أولى المؤشرات التي خافها أهل السنة على الحسين - ﵁ -، فقد نازل مسلم وأتباعه أتباع ابن زياد بقيادة القعقاع بن شور، وشبث بن ربعي في مكان يقال له الرحبة، وكان الأولى
_________________
(١) تاريخ الطبري ٦/ ٢٩١.
(٢) الطبقات ٥/ ٣٧٤.
[ ٤٤ ]
بمسلم عدم الدخول في هذه المنازلة وقد علم حال مناصريه، ولعدم التكافؤ بين الطرفين لم تدم المعركة إلا قليلا، فقد تنبه القعقاع بن شور إلى أن المقاتلين إنما يقاتلون لأجل النجاة، عند ذلك أمر بإفساح الطريق لهم، فهربوا نحو المسجد، ولما أمسى المساء تفرق الناس، وبقي مسلم بن عقيل وحيدًا في طرقات الكوفة (١)، وهنا بان الصبح لذي عينين، ولنا أن نتذكر نصائح الصحابة والتابعين للحسين - ﵁ - بعدم الخروج.
تحقق غدر الشيعة لمسلم بن عقيل ﵀، ولكنه غامر هو ومن معه، وما ذاك إلا لعلمه بعدم النجاة لو استسلم، ففضل المقاومة على الاستسلام ولاسيما والنتيجة واحدة، وقد أدرك ذلك حين قبض عليه ابن الأشعث بعد مقاومة من مسلم أعطي بها الأمان (٢)، وفي الطريق نحو ابن زياد بكى مسلم، فقيل له: إن من يطلب مثل ما تطلب لا يبكي إذا نزل به مثل الذي نزل بك.
_________________
(١) تاريخ الطبري ٦/ ٢٩٣.
(٢) السير ٣/ ٣٠٨.
[ ٤٥ ]
قال: إني والله ما لنفسي أبكي، ومالها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفًا، ولكني أبكي لأهلي المقبلين إلى الكوفة، أبكي حسينًا وآل الحسين.
وأقبل مسلم على محمد بن الأشعث فقال: يا عبد الله، إني والله أراك ستعجز عن أماني، فهل عندك خير تستطيع أن تبعث رجلًا على لساني يبلغ حسينًا عني رسالة؟ فإني لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم أو غدًا هو وأهل بيته، وإن ما تراه من جزعي لذلك، فتقول: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم أسير، لا يدري أيصبح أم يمسي حتى يقتل، وهو يقول لك: ارجع بأهلك ولا يغرنك أهل الكوفة، فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني، وليس لكاذب رأي.
فقال محمد بن الأشعث: والله لأفعلن، ولأعلمن ابن زياد أني قد أمنتك، ودعا ابن الأشعث إياس بن العباس الطائي، وقال له: اذهب فالق حسينًا فأبلغه هذا الكتاب، ثم أعطاه راحلة
[ ٤٦ ]
وتكفل له بالقيام بأهله وداره (١)، وأدخل محمد بن الأشعث مسلم بن عقيل على ابن زياد، وأخبره بما أعطاه من الأمان، فقال ابن زياد: ما بعثناك لتؤمنه ولم يقبل أمانه (٢)، وهذا برهان أبلج على ما أجمعت عليه نصائح الصحابة والتابعين للحسين - ﵁ - وأن القوم لا ذمة لهم ولا ولاء، وإنما هم عبيد الدنيا.