تأييد بعض الصحابة للحسين - ﵁ -:
أجمع الصحابة على مناصحة الحسين - ﵁ -، ولم يخالفوه في عدم صلاحية يزيد للولاية من كل وجه، ولكن خالفوه في أمور كان يجب عليه أن يدقق النظر فيها، وأن يستخلص منها العبر المفيدة، وعليها يبني خطة المواجهة، بحسابات دقيقة ومدروسة فالتوكل والثقة بالله أمر مطلوب في كل حال، ولكن مع عدم إغفال قول رسول الله - ﷺ -: «أعقلها وتوكل» (١) والأهلية وحدها لا تكفي، بل لابد من الشوكة، فكان يجب التالي:
١ - النظر في تاريخ الأنصار لاستخلاص قوة أو ضعف الولاء حين اشتداد البأس، وذلك أن الذين كاتبوه وطالبوا بخروجه إليهم ليبايعوه هم الذي قتلوا أباه الخليفة الراشد علي بن أبي طالب - ﵁ -، وطعنوا أخاه الحسن - ﵁ -، وهنا علامة استفهام كبيرة جدا حول الصدق في الولاء، وذلك أن الأنصار بعد الله - ﷿ - هم الأُس المهم في إظهار الحق وقمع الباطل.
_________________
(١) حديث حسن أخرجه الترمذي حديث (٢٥١٧).
[ ١٩ ]
٢ - النظر في قول عبد الله بن عباس ﵄: يا ابن عم إني أتصبَّر ولا اصبر، وإني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غدر، فلا تغترنَّ بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم، ثم أقدم عليهم، وإلا فسر إلى اليمن فإن به حصونًا وشعابًا، ولأبيك به شيعة، وكن عن الناس بمعزل، واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب (١).
إن دراسة هذا القول مهمة جدا لما يريد الحسين - ﵁ - الإقدام عليه، وما للحسين أن يتجاوزه بقوله - ﵁ -: يا ابن عم! والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق، ولكني قد أزمعت المسير (٢).
بهذه السرعة انتهى الموقف، وكان له - ﵁ - في الأمر أناة، وهو شديد الحاجة إليها.
٣ - كان يجب مراجعة القرار عندما أعاد عبد الله بن عباس ﵄ بصيغة أخرى تستحق التفكير فيها وإعطاءها
_________________
(١) الكامل لابن الأثير ٢/ ٥٢٦.
(٢) الكامل لابن الأثير ٢/ ٥٢٦.
[ ٢٠ ]
حقها من الدراسة والنظر، قال ابن عباس للحسين - ﵃ -: أخبرني إن كان وعدوك بعد ما قتلوا أميرهم، ونفوا عدوهم، وضبطوا بلادهم فسر إليهم، وإن كان أميرهم حي وهو مقيم عليهم قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال، ولا آمن عليك أن يستفزوا عليك الناس، ويقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الذي دعوك أشد الناس عليك (١).
وهي لفتة دقيقة لم يصغ لها الحسين - ﵁ - وكانت عقلانية صرفة، لا علاقة لها بالعاطفة والخوف على الحسين، وفيها إشارة إلى قوة يزيد وضعف من يريد الخروج عليه، وكان ابن عباس ﵄ أمينا ناصحا ذكيا، فلم يكن عالما بتأويل القرآن فحسب، بل أوتي من الفقه والعلم بمجريات الأحداث ما جعله يتكلم بنظر ثاقب، ورؤية دقيقة وحكمة بالغة، ولذلك ناظر الخوارج فأقام عليهم الحجة، ورجع منهم أربعة آلاف (٢)، ولو قدر للحسين - ﵁ - أن يأخذ بهذه النصيحة
_________________
(١) الكامل لابن الأثير ٢/ ٥٢٦.
(٢) البداية والنهاية ٧/ ٢٨٢.
[ ٢١ ]
لتغير مجرى الأحداث فيما بين السنة والشيعة بشأن الحسين - ﵁ -، ولكن نفذ القدر، فسبق السيف العذل.
٤ - إن استغلال تأمين والي يزيد للحسين - ﵁ - فرصة تتيح للحسين - ﵁ - اختبار القوم الذين وعدوه النصر على ضوء ما قال ابن عباس ﵄، فقد ساور الشك عبد الله بن جعفر - ﵁ - فظن أن سبب خروج الحسين الخوف من والي يزيد، عمرو بن سعيد بن العاص، فذهب إلى عمرو بن سعيد بن العاص وطلب منه أن يكتب كتابًا إلى الحسين - ﵁ - يؤمنه فيه ويعده بالخير، وكان رد عمرو بن سعيد أن قال لعبد الله بن جعفر - ﵁ -: اكتب ما شئت وائت به أختمه.
فكتب عبد الله بن جعفر:
بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي، أما بعد، فإني أسأل الله أن يصرفك عما يبوقك، وأن يهديك لما يرشدك، بلغني أنك قد توجهت إلى العراق، وإني أعيذك بالله من الشقاق، فإني أخاف عليك فيه الهلاك، وقد بعثت إليك عبد الله بن جعفر، ويحي بن سعيد، فأقبل إليّ معهما، فإن لك عندي الأمان والبر والصلة وحسن الجوار
[ ٢٢ ]
لك، والله بذلك شهيد وكفيل، ومراع ووكيل، والسلام عليك (١).