مقابلة الحسين - ﵁ - للحر بن يزيد:
لم يكتف عبيد الله بن زياد بذلك الطوق الأمني بل بعث الحر بن يزيد في ألف فارس ليقابل حسينا - ﵁ - في الطريق، وما زال الحسين - ﵁ - سائرا في طريقه إلى الكوفة من غير علم بما يجري لاستقباله، ولما بلغ الحاجز من بطن الرمة بعث قيس بن مسهر
_________________
(١) موضع قرب الكوفة مما يلي البصرة.
(٢) موضع بطريق مكة.
(٣) أنساب الأشرا - ﵁ - ف ٣/ ١٦٦، ٥٧٣.
[ ٥٥ ]
الصيداوي إلى الكوفة، وكتب معه إليهم برسالة يخبرهم فيها بقدومه (١)، ولكن الحصين بن تميم قبض على قيس بن مسهر مبعوث الحسين حين وصوله إلى القادسية (٢)، ثم بعث به إلى ابن زياد فقتله مباشرة (٣)، ثم بعث الحسين مبعوثًا إلى مسلم فوقع في يد الحصين بن تميم وبعث به إلى ابن زياد فقتله (٤).
هذا الطوق الأمني لم ينتج من فراغ بل من قوة في العمل السياسي، ودقة في التنفيذ، ولذلك العقاب الشنيع، وبتلك السرعة المدهشة، أثر في ضرب قلوب شيعة الحسين - ﵁ - بالرعب الشديد، ومن رأى أو علم بذلك العقاب لا بد أن يحسب لمناصرة الحسين - ﵁ - ألف حساب، ولاسيما والقوم أهل غدر لا وفاء لهم، ولم يدرك الحسين - ﵁ - إلا بعد أن أخبره
_________________
(١) البداية والنهاية ١١/ ٥١٢.
(٢) مواقف المعارضة: ص ٢٦٦.
(٣) الطبقات ٥/ ٣٧٦.
(٤) أنساب الأشراف ٣/ ١٦٨.
[ ٥٦ ]
الأعراب أن أحدًا لا يلج ولا يخرج من الكوفة مطلقًا (١)، واستمر التحذير من بعض رجال القبائل الذين مرّ بهم، وبينوا له ذلك الخطر الذي يقدم عليه، ولقد بان الصبح لذي عينين، فالحسين - ﵁ - لم يأخذ الحذر ابتداء، ولن ينجو من القدر في نهاية المطاف، وأنى له ذلك وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (٢).
قرب الحسين - ﵁ - من الكوفة، وأمر بالتزود من الماء، بعد أن تفرق الناس عنه ولم يبق معه إلا أهله وبنو عمه، وسار حتى منتصف النهار فإذا بطلائع خيل ابن زياد عليها الحر بن يزيد، وكان عددها ألف فارس، وقد أدرك الحر بن يزيد الحسين ومن معه قريبًا من شراف (٣)، وفعلا قابل الحسين - ﵁ - ولم ينازله، وأخذ الحُرُ يساير الحسين - ﵁ - وينصحه بعدم المقاتلة
_________________
(١) أنساب الأشراف ٣/ ١٦٨.
(٢) الآية (١٥٤) من سورة آل عمران.
(٣) شراف بين واقصة والقرعاء على ثمانية أميال (معجم البلدان ٣/ ٣٣١، ٣٥٦، والعباب الزاخر ١/ ٤٤٤).
[ ٥٧ ]
ويذكّره بالله، وبيّن له أنه إذا قاتل فسوف يقتل، وكان الحسين - ﵁ - يصلي بالفريقين إذا حضرت الصلاة (١)، وهنا نلاحظ أن الحسين - ﵁ - أدرك خطأه فيما أقدم عليه، وطلب من الحُر بن يزيد أن يرجع إلى المدينة، ولكن سبق السيف العذل، فإنه ذكر له أنه مأمور بملازمته حتى الكوفة، وقام الحسين - ﵁ - وأخرج خرجين مملوءين بالكتب التي تطلب منه القدوم إلى الكوفة، فأنكر الحُر والذين معه أي علاقة لهم بهذه الكتب، وهنا رفض الحسين - ﵁ - الذهاب مع الحُر بن يزيد إلى الكوفة وأصر على ذلك، فاقترح عليه الحُر أن يسلك طريقًا يجنبه الكوفة ولا يرجعه إلى المدينة، وذلك من أجل أن يكتب الحُر إلى ابن زياد بأمره، وأن يكتب الحسين - ﵁ - إلى يزيد بأمره، وبالفعل تياسر الحسين - ﵁ - عن طريق العذيب (٢)
_________________
(١) تاريخ الطبري ٦/ ٣٢٦، ٣٢٩.
(٢) من أرض العراق بعد القادسية بأربعة أميال (معجم لغة الفقهاء ١/ ٥٥).
[ ٥٨ ]
والقادسية (١) واتجه شمالًا على طريق الشام، وكانت خيل الحُر بن يزيد الدفعة الأولى ولم تكن الأخيرة لملاقاة الحسين - ﵁ - ومن بقي معه وهم أهل بيته فقط، وعدد قليل مقابل ألف فارس من جند ابن زياد، وفي ذلك لفت نظر للحسين أن الخصوم أعدوا للأمر عدته، ولاسيما والوالي على الكوفة عبيد الله بن زياد المعروف بالمكر والدهاء، وقوة البطش ولو بالحسين نفسه، ولا أدل على ذلك من قوله: أما حسين فإنه لم يردنا، ولا نريده، وإن أرادنا لم نكف عنه (٢)، وكان ابن زياد جهز الجيش الذي يقوده عمر بن سعد بن أبي وقاص مكونًا من أربعة آلاف مقاتل وكان موجها في الأصل إلى الري لجهاد الديلم، فلما طلب ابن زياد من عمر أن يذهب لمقاتلة الحسين رفض في البداية، ولكن ابن زياد هدده بالعزل إن لم ينفذ
_________________
(١) قادسية الكُوْفَة قَرْيَة على مرحلة منها، في طريق الحاج، ذاتُ نخل ومزارع (الأماكن أو ما اتفق لفظه وافترق مسماه من الامكنة ١/ ١٠١) ..
(٢) تاريخ الطبري ٦/ ٣٠٢.
[ ٥٩ ]
أمره، وبهدم داره وقتله، وأمام هذا الخيار رضي بمواجهة الحسين - ﵁ - (١)، ولما وصل الحسين - ﵁ - إلى كربلاء من منطقة الطف (٢) أدركته خيل عمر بن سعد بن أبي وقاص، ومعه شمر بن ذي الجوشن، والحصين بن تميم (٣)، وأحاطت الخيل بالحسين ومن معه، وأصبح الأمر خطيرا للغاية.