الطريق إلى الكوفة:
لم يكن الجانب السياسي واضحا في خطوات الحسين العملية، رغم بيانها في نصح ابن عباس له، وقد اجتمعت نصائح الصحابة والتابعين - ﵃ - حتى من لم ير بأسًا برفض الحسين بيعة يزيد أجمعوا على أنه لا يخرج إلى الكوفة، ولا يثق في أهلها، وكتب إليه المسور بن مخرمة - ﵁ - بأن لا يغتر بكتب أهل العراق، ونصحه بأن لا يبرح الحرم فإن كانت لهم حاجة فسيضربون إليه آباط الإبل حتى يوافوه فيخرج في قوة وعدة (١)، فلم يكن الحسين مكافئا في السياسة وأخذ الحيطة والحذر لخصومه، ولا ريب أن عندهم من الحنكة والمكر السياسي والدهاء ما لم يكن عند الحسين - ﵁ -، وقد يستخدمون من الحيل ما لا يستخدمه الحسين - ﵁ -، من باب الحرب خدعة، علاوة على أن الحسين - ﵁ - لم يسبق له العمل في السياسة، وكان خصومه من العلم بها وبأساليب المكر فيها والدهاء على
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٧/ ١٤٠.
[ ٥٣ ]
جانب كبير، فإن عشرين سنة من خلافة معاوية كافيه في أن يكتسب يزيد وغيره من رجال أبيه، مالا يعرفه شيعة الحسين بأسرهم، فمثلا الحسين - ﵁ - ترك الحبل على الغارب حينما خرج من مكة وخرج على ثقة بكتب قد لا تكون صحيحة، أرسلت إليه للتغرير به وإثارة الفتنة وشق عصى المسلمين، ولم يكن عنده من العيون ما يوفر له معلومات دقيقة، ولاسيما وكل من أخبره أنذره بخطر وهلاك، وسار في طريقه كأي مسافر لا يعلم عن خصومه ماذا أعدوا له، ولم يعلم بما في الكوفة من احتياطات أمنية ورقابة مشددة، فقد أحكم ابن زياد سيطرته على الكوفة، فقام بجمع المقاتلة وفرق عليهم العطاء حتى يضمن ولاءهم (١)، ثم بعث الحصين بن تميم صاحب شرطته حتى نزل بالقادسية، وقام بتنظيم الخيل ما بين القادسية إلى خفضان (٢)، وما بين القادسية إلى القطقطان (٣)،
_________________
(١) الطبقات ٥/ ٣٧٦.
(٢) أو خفان موضع قرب الكوفة ..
(٣) موضع قريب من القادسية؟
[ ٥٤ ]
وإلى لعلع (١). ثم أصدر أوامره إلى الحصين بن تميم بأن يقبض على كل من ينكره، ثم أمر ابن زياد بأخذ كل من يجتاز بين واقصة (٢)، إلى طريق الشام، إلى طريق البصرة فلا يترك أحدا يلج ولا يخرج (٣)، وبهذا الإجراء ضرب ابن زياد طوقا أمنيا بين الكوفة والحسين - ﵁ -، فكان الحسين في مسيره في عزلة تامة عن أخبار أنصاره في الكوفة.