قوة الخوف على الحسين - ﵁ -:
خرج الحسين - ﵁ - إلى الكوفة ضاربا بكل نصيحة قدمت له عرض الحائط، معتمدا على تلك الرقاع التي حوت العدد الكبير من أسماء المبايعين من الشيعة في الكوفة (٣)، وكان خروجه - ﵁ - يوم التروية الثامن من ذي الحجة سنة ستين (٨/ ١٢/٦٠) من الهجرة، أدرك والي مكة عمرو بن سعيد بن العاص خطورة الموقف، فأرسل وفدًا إلى الحسين، على رأسهم
_________________
(١) البداية والنهاية ١١/ ٤٩٠.
(٢) تاريخ الطبري ٦/ ٣٠٢.
(٣) انظر: الطبقات ٥/ ٣٧١.
[ ٤٩ ]
أخوه يحي بن سعيد بن العاص، فحاولوا أن يثنوه عن عزمه ولكنه رفض، فنادوه: يا حسين، ألا تتقي الله تخرج عن جماعة المسلمين وتفرق بين هذه الأمة، فردَّ الحسين بقول الله تعالى: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١).
وتوجه إلى العراق في أهل بيته وستين شيخًا من أهل الكوفة (٢)، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وقد خاف أهل السنة على الحسين - ﵁ - من عاقبة ما هو مقدم عليه خوفا شديدا، فلم يأل الصحابة والتابعون جهدا في مناصحته، وبيان خطئه فيما هو مقدم عليه، لا من حيث التصور ولا من حيث التجربة، فإن تصور الحسين - ﵁ - كان مبنيا على ما بلغه من عاطفة الشيعة، فظن أن ذلك سيكون دعما كبيرا لنيل النصر، وكان تصوره خطأ محضا، فالدولة التي يريد تقويضها قائمة الأركان، تملك الأمصار بكل مقومات الدولة السياسية والاقتصادية
_________________
(١) من الآية (٤١) من سورة يونس.
(٢) تاريخ الطبري ٦/ ٣٠٩.
[ ٥٠ ]
والعسكرية، ولم يكن عند الحسين - ﵁ - من مقومات النصر شيء سوى وعود لا تسمن ولا تغني من جوع، ولم تكن للقوم سابقة وفاء، فهم أهل غدر وخيانة، وما قتلُ علي وطعنُ ابنه الحسن ﵄ ببعيد عن ذاكرة الحسين - ﵁ -، وقد ذُكِّر به مرارا، ولكنه لم يتخذ من ذلك عبرة، وكان خوف أهل السنة على الحسين - ﵁ - كبيرا جدا لعلمهم بغدر الشيعة وكذبهم الذي لا يقف عند حد، فقال الصحابة ما قالوا، وقال التابعون ما قالوا، حتى الولاة ليزيد لم يكن الحسين - ﵁ - عندهم هينا، فقد قال عبيد الله بن زياد على ما فيه من بطش وجبروت: أما حسين فإنه لم يردنا، ولا نريده، وإن أرادنا لم نكف عنه (١)، وكتب مروان بن الحكم إلى ابن زياد: أما بعد فإن الحسين بن علي قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، وتالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين، وإياك أن تُهيج على نفسك ما لا يسده شيء ولا ينساه العامة، ولا يدع ذكره، والسلام عليك (٢)، وكتب
_________________
(١) تاريخ الطبري ٦/ ٣٠٢.
(٢) تهذيب الكمال ٦/ ٤٢٢ ..
[ ٥١ ]
إليه عمرو بن سعيد بن العاص ينهاه عن التعرض للحسين ويأمره بأن يكون حذرًا في تعامله مع الحسين: قائلًا له: أما بعد فقد توجه إليك الحسين وفي مثلها تعتق أو تعود عبدًا تسترق كما يسترق العبيد (١)، وكتب يزيد إلى ابن زياد يحذره ويقول: بلغني أن حسينًا قد سار إلى الكوفة وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلاد وابتليت به من بين العمال وعندها تعتق أو تعود عبدًا كما تُعتبد العبيد (٢)، وما كتابته إلى ابن عباس في بادئ الأمر إلا لمعرفته بحق الحسين - ﵁ - ومكانته، وإذا اختار المواجهة فالأمر متخلف تماما، وبيد من يقاتل الحسين - ﵁ - ورقة أنه منشق على أمر قائم وبيعة معقودة، ولا تعفيه مكانته الرفيعة، وفضله الكبير من مسئولية ذلك، وقد اختار لنفسه ومن معه المواجهة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
_________________
(١) تهذيب الكمال ٦/ ٤٢٢.
(٢) المعجم الكبير للطبراني ٣/ ١١٥.
[ ٥٢ ]