التابعون لا يرون الخروج:
أجمع التابعون على نصح الحسين - ﵁ - بعدم الخروج إلى الكوفة، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ﵀ منبها الحسين - ﵁ - إلى حقيقة غدر الطالبين قدومه فقال: يا ابن
_________________
(١) الكامل لابن الأثير ٢/ ٥٢٦.
(٢) واد معروف بهذا حتى اليوم، وهو يبعد عن المدينة بخمسين كيلا، على السمال الغربي منها.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ٧/ ١٣٩.
[ ٢٦ ]
عَمِّ إن الرحم تظأرُني (١) عليك، وما أدري كيف أنا عندك في النصيحة لك؟ قال: يا أبا بكر ما أنت ممن يُستغشُّ ولا يُتَّهمُ، فقل.
قال: قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم، وهم عبيد الدنيا، فيُقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فأُذكِّرك الله في نفسك.
فقال: جزاك الله يا ابن عمِّ خيرًا، ومهما يقضي الله من أمر يكن.
فقال أبو بكر: إنا لله، عند الله نحتسب أبا عبد الله (٢).
وقال سعيد بن المسيب ﵀: لو أن الحسين لم يخرج لكان خيرا له (٣).
وقال عبد الله بن مطيع ﵀: إني فداك أبي وأمي! متعنا
_________________
(١) تجعلني أعطف عليك؟؟؟
(٢) البداية والنهاية ١١/ ٥٠٤.
(٣) السير ٣/ ٢٩٦.
[ ٢٧ ]
بنفسك، ولا تسر إلى العراق، فو الله لئن قتلك هؤلاء القوم، ليتخذنا خولا وعبيدا (١).
وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص ﵀: إني أسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يصرفك عمّا يرديك، بلغني أنك قد اعتزمت على شخوص إلى العراق، فإني أعيذك بالله من الشّقاق (٢).
وأخيرا لقيه الشاعر الفرزدق بالصّفاح (٣)، فسأله الحسين عمّا وراءه، فلخص له ما سبق أن سمعه من الصحابة والتابعين، فقال: أنت أحب النّاس إلى النّاس، والقضاء في السماء، والسيوف مع بني أمية (٤).
وفي خبر آخر أنّه قال: قلت له: يخذلونك، لا تذهب إليهم فلم
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٧/ ١٣٩.
(٢) تاريخ دمشق ١٤/ ٢٠٩.
(٣) موضع قرب مكة.
(٤) مختصر تاريخ دمشق ٧/ ١٤٤.
[ ٢٨ ]
يطعني (١)، وفي رواية: فسأله الحسين بن علي عن تصوره لما يقوم به أهل الكوفة حياله، ثم أراد أن يعطي الفرزدق إيضاحًا أكثر وقال: هذه كتبهم معي، فرد عليه الفرزدق: يخذلونك فلا تذهب فإنك تأتي قومًا قلوبهم معك وأيديهم عليك (٢)، فهذا إجماع من الصحابة - ﵃ - ومن التابعين ﵏ على خطأ الحسين - ﵁ - فيما اجتهد فيه، وعقد الأمر على تدبير المولى - ﷿ - فقال: مهما يقضي الله من أمر يكن، وفعلا كان ما أراد الله - ﷿ -، ومن إرادته تعالى عدم قبول الحسين - ﵁ - تلك المحاولات الجادة لثنيه عن الخروج إلى الكوفة.