الفاجعة الكبرى:
تحقق ما أجمع عليه كل من نصح الحسين - حتى من لم ير بأسًا برفضه بيعة يزيد - على أن لا يخرج للعراق ولا يثق في أهل الكوفة، فقد كتب إليه المسور بن مخرمة - ﵁ - بأن لا يغتر
_________________
(١) تاريخ الطبري ٦/ ٣٤٢.
(٢) تاريخ الطبري ٦/ ٣٤٦.
[ ٦٦ ]
بكتب أهل العراق، ونصحه بأن لا يبرح الحرم فإن كانت لهم حاجة فسيضربون إليه آباط الإبل حتى يوافوه فيخرج في قوة وعدة (١)، وتحقق ما توقعوا من هلاك الحسين - ﵁ - وأهل بيته، وما تضمنت عبارات وداعهم له، اعتنقه ابن عمر ﵄ وقال: استودعك الله من قتيل (٢)، غلبنا الحسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له ألا يتحرك ما عاش وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير (٣)، وقال أبو سعيد الخدري - ﵁ -: غلبني الحسين على الخروج، وقد قلت له: اتق الله في نفسك والزم بيتك، ولا تخرج على إمامك (٤)، وقال ابن عباس ﵄: فو الله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٧/ ١٤٠.
(٢) السير ٣/ ٢٩٢.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ٧/ ١٣٨.
(٤) تهذيب الكمال (٦/ ٤٦١)، الطبقات (١/ ٤٤٥)
[ ٦٧ ]
علي وعليك الناس أطعتني وأقمت لفعلت ذلك (١).
ولم يكن هذا الإصرار من الناصحين إلا عن علم وتجربة، فالعلم: عدم جواز الخروج على من عقد المسلمون له البيعة على وجه لا يرفضه الشرع، وهذا حاصل في بيعة يزيد، والتجربة: ما شهدوا منها في عهد عثمان وعلي ﵄، وما وقع فيها من استغلال لتحقيق مآرب وأهواء، وما نتج عن ذلك من فرقة ودمار حتى العقيدة وقع فيها من الخلل ما وقع بسبب ذلك الطيش، وتلك الأهواء.
حدثت الفاجعة الكبرى استشهاد الحسين - ﵁ - في صباح يوم الجمعة سنة (٦١ هـ) حيث نظم الحسين - ﵁ - أصحابه وعزم على القتال وكان معه اثنان وثلاثون فارسًا، وأربعون راجلًا، فجعل زهير بن القين في ميمنته وحبيب بن مظاهر في الميسرة، وأعطى رايته العباس بن علي، وجعل البيوت وراء ظهورهم، وأمر الحسن بحطب وقصب فجعله من وراء البيوت، وأشعل فيه النار مخافة أن يأتوهم من خلفهم.
_________________
(١) الكامل في التاريخ (٢/ ٥٤٦).
[ ٦٨ ]
وأما عمر بن سعد فقد نظم جيشه، وجعل على الميمنة عمرو بن الحجاج الزبيدي، بدلًا من الحر بن يزيد الذي انضم إلى الحسين، وجعل على الميسرة شمر بن ذي الجوشن وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجال شبت بن ربعي الرياحي، وأعطى الراية ذويدًا مولاه.
وبدأت المعركة سريعة وكانت مبارزة في بداية الأمر، وجُوبه جيش عمر بن سعد بمقاومة شديدة من قبل أصحاب الحسين - ﵁ -، حيث أن مقاتلتهم اتسمت بالفدائية فلم يعد لهم أمل في الحياة (١)، وكان الحسين - ﵁ - في البداية لم يشترك في القتال، وكان أصحابه يدافعون عنه ولما قتل أصحابه لم يجرؤ أحد على قتله، وكان جيش عمر بن سعد يتدافعون ويخشى كل فرد أن يبوء بقتله وتمنوا أن يستسلم، ولكن الحسين - ﵁ - لم يبد شيئًا من الليونة، بل كان - ﵁ - يقاتلهم بشجاعة نادرة، عندئذ خشي شمر بن ذي الجوشن من انفلات زمام الأمور فصاح بالجند وأمرهم بقتله، فحملوا عليه، وضربه زرعة بن شريك
_________________
(١) تاريخ الطبري ٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠.
[ ٦٩ ]
التميمي ثم طعنه سنان بن أنس النخعي واحتز رأسه، ويقال إن الذي قتله عمرو بن بطار التغلبي، وزيد بن رقادة (١)، ويقال أن المتولي الإجهاز عليه شمر بن ذي الجوشن الضبي، وحمل رأسه إلى ابن زياد خولي بن يزيد الأصبحي (٢)، وهؤلاء هم من أشر الناس على وجه الأرض، وكان قتل الحسين - ﵁ - في محرم في العاشر منه سنة إحدى وستين (١٠/ ١/٦١) من الهجرة (٣)، وهم والله الأشقياء، وبيد الله التدبير والقضاء.