الصحابة - ﵃ - لا يرون الخروج: والخروج نريد به هنا أمرين:
١ - الخروج على يزيد وخلع الطاعة وهذا لم يوافق الحسين - ﵁ - عليه أحد من الصحابة - ﵃ - إلا عبد الله بن الزبير - ﵁ -.
وتقدمت مبررات الحسين - ﵁ - لهذا الخروج، وإن وافقه على كونها صحيحة لكنها، غير كافية لخلع طاعة يزيد ومحاربته.
٢ - خروج الحسين - ﵁ - من مكة إلى الكوفة، لم يوافقه عليه أحد حتى عبد الله بن الزبير - ﵁ -.
أما مبرر الحسين - ﵁ - لهذا الخروج فإنه قال: لإن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي مكة (٢)، فأصر على
_________________
(١) تاريخ الطبري ٦/ ٣١٢.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٥/ ٩٥.
[ ٢٣ ]
الخروج مؤمنا بالمواجهة مع يزيد، وبادر بالخروج خوفا أن يعاجله يزيد بمن يقتحم عليه مكة فتستباح أرض الحرمين، فظن أن خروجه أقدر له على مواجهة جيش يزيد بعيدا عن الحرمين، ولم تكن نظرة الحسين - ﵁ - أبعد من هذا.
قال ابن خلدون ﵀: ظن الحسين - ﵁ - القدرة على ذلك، ظنها من نفسه بأهليته وشوكته - الموعود بها - فأما الأهلية فكانت كما ظن وزيادة، وأما الشوكة فغلط يرحمه الله فيها، لأن عصبية مضر كانت في قريش، وعصبية قريش في عبد مناف، وعصبية عبد مناف إنما كانت في بني أمية، تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس، ولا ينكرونه وإنما نُسي ذلك أول الإسلام لِمَا شغل الناس من الذهول بالخوارق، وأمر الوحي وتردد الملائكة لنصرة المسلمين، فأغفلوا أمور عوائدهم، وذهبت عصبية الجاهلية ومنازعها ونُسيت، ولم يبق إلا العصبية الطبيعية في الحماية والدفاع، ينتفع بها في إقامة الدين وجهاد المشركين، والدين فيها محكّم والعادة معزولة، حتى إذا انقطع أمر النبوة والخوارق المهولة تراجع الحكم بعض الشيء للعوائد، فعادت العصبية كما كانت ولمن كانت، وأصبحت
[ ٢٤ ]
مضر أطوع لبني أمية من سواهم بما كان لهم من ذلك قبل (١).
وهذا في نظري تحليل جيد لهذه الفقرة، ولذا خاف الصحابة - ﵃ - والتابعون ﵏ على الحسين - ﵁ - الهلاك، فكرروا النصح للحسين، واجتهدوا في ثنيه عن مراده لما فيه من خطورة عليه وعلى أهل بيته بالدرجة الأولى، ولمعرفتهم بغدر الشيعة، ولمخالفتهم إياه في قضية الخروج على يزيد ولو كان فاسقا في نظرهم، فإن ابن عم الحسين عبد الله بن جعفر - ﵃ - توقع له الهلاك في هذا الأمر، وليس هذا من علم الغيب، ولكنه من العلم بغدر القوم فهم عبيد دنيا كما قال أبو بكر، ولم ير عبد الله بن جعفر - ﵁ - الهلاك قاصرا على الحسين - ﵁ - بل قد يستأصل أهل بيته، فكتب إليه كتابا أرسل به ابنيه محمد وعون فقال: أما بعد، فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي، فإني مشفق عليك من الوجه التي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك (٢)، وقال ابن جده:
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون ١/ ١١٣.
(٢) تاريخ الطبري ٦/ ٣١١.
[ ٢٥ ]
عبد الله بن عباس - ﵃ -: فإن كنت ولا بد سائرًا فلا تسر بأولادك ونسائك، فو الله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه (١)، قال أبو واقد الليثي - ﵁ -: بلغني خروج الحسين، فأدركته بملل (٢)، فناشدته الله ألا يخرج، فإنّه يخرج في غير وجه خروج، إنما يقتل نفسه، فقال: لا أرجع (٣).