صحوة وفاجعة:
بان للحسين - ﵁ - يقينا صدق الناصحين من الصحابة والتابعين، وصواب ما حذروا منه، وزاده يقينا ما سمع من الأخبار عبر طريقه، فما تلقى بشيرا بنصر، ولا مشجعا على المسير، وجاءه النبأ المفجع خبر تخاذل شيعته، ومقتل ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ﵀، وهانئ بن عروة، وكان المعول عليهما
_________________
(١) تاريخ الطبري ٦/ ٣٣٥، بتصرف
(٢) تقدم بيانه.
(٣) أنساب الأشراف ٣/ ١٦٦، بتصرف.
[ ٦٠ ]
في جمع الناس وأخذ البيعة، والتحضير لقدوم الحسين - ﵁ -، وكان لهذا الخبر المفجع المؤلم وقعه الشديد على الحسين - ﵁ -، فهؤلاء أقرب الناس إليه قد قتلوا، والشيعة في الكوفة تخاذلوا عن نصرته (١)، فبادر إلى التخلص من كتم الخبر عن مرافقيه، وقال: من أحب أن ينصرف فلينصرف، فتفرق الناس عنه يمينًا وشمالًا (٢)، وقال له بعض من ثبتوا معه: ننشدك الله إلا ما رجعت من مكانك، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك.
فوثب بنو عقيل إخوة مسلم بن عقيل بن أبي طالب وقالوا: والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم (٣).
وهنا لم يكن أمام الحسين - ﵁ - وقد مُنع من العودة، وقوبل بهذا الحشد من العدد والعدة، وتلك الأخبار السيئة عن شيعته، الذين لم يفوا إلا باستقدامه لهلاكه ومن معه، ليس له إلا أحد
_________________
(١) موقف المعارضة: ص ٢٦٧.
(٢) تاريخ الطبري ٦/ ٣٢٣.
(٣) تاريخ الطبري ٦/ ٣٢٢.
[ ٦١ ]
أمرين أحلاهما مر:
١ - الدخول في مفاوضات مع ابن زياد علها تكون سببا لصلح ينقذ الحسين به نفسه ومن معه، وإن حدث هذا فهو مخرج سيقبله الحسين - ﵁ - على مضض، ولاسيما وقد رفض نصائح الصحابة والتابعين بعدم الخروج، ولكنه دون شك أخف من المواجهة التي هي محسومة من البداية بهلاك الحسين - ﵁ - ومن معه، وفعلا أقدم الحسين - ﵁ - على هذه الخطوة، وبدأ بالتفاوض مع عمر بن سعد بن أبي وقاص، وبيّن الحسين - ﵁ - أنه لم يأت إلى الكوفة إلا بطلب من أهلها، وأبرز لعمر بن سعد الدليل على ذلك، أسماء المبايعين والداعين للحسين، وكتب عمر بن سعد لابن زياد بما سمعه من الحسين وقال:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي، فسألته عما أقدمه وماذا يطلب؟، فقال: كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم، فسألوني القدوم ففعلت، فأما إذا كرهوني، فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرف عنهم.
فلما قرئ على ابن زياد تمثل قول الشاعر:
[ ٦٢ ]
الآن إذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولاة حين مناص
وكتب ابن زياد لعمر بن سعد:
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية وجميع أصحابه فإذا فعل ذلك رأينا رأينا والسلام.
ولما اطلع عمر بن سعد على جواب بن زياد ساءه ما يحمله الجواب من تعنت وصلف، وعرف أن ابن زياد لا يريد السلامة (١).
ولم يكن هذا الموقف حسنا من ابن زياد فقد غلا في القسوة، واختار السوء والأذى للحسين - ﵁ - ولمن معه، وكان الأجدر به أن يعامل الحسين بما يليق بمقامه - ﵁ -، ولا أقل من العمل بقول الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
_________________
(١) من الآية (١٣٤) من سورة آل عمران.
[ ٦٣ ]
لِلصَّابِرِينَ﴾ (١) والحسين حتى اللحظة لم يرق قطرة دم، ولكن حب البطش بالخصم، أوقع ابن زياد في هذا الموقف الذي لم يحمد عليه، وقد علم بعزة الحسين - ﵁ -، وأنه لن يقبل هذا العرض، وهنا يكون لابن زياد شأن آخر.
رفض الحسين - ﵁ - ما عرضه ابن زياد، ثم لما رأى خطورة الموقف طلب من عمر بن سعد مقابلته، وعرض على عمر بن سعد عرضًا آخر يتمثل في إجابته واحدا من ثلاثة أمور:
الأول: ما كان نصحه به الصحابة والتابعون - ﵃ - ويرجع من حيث أتى.
الثاني: العودة على عرض ابن زياد فيذهب إلى الشام فيضع يده في يد يزيد بن معاوية.
الثالث: أن يسيّروه إلى أي ثغر من ثغور المسلمين فيكون واحدًا منهم له ما لهم وعليه ما عليهم (٢)، وقد أكد الحسين - ﵁ -
_________________
(١) الآية (١٢٦) من سورة النحل.
(٢) المحن لأبي العرب.
[ ٦٤ ]
موافقته للذهاب إلى يزيد (١)، وكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بكتاب أظهر فيه أن هذا الموقف المتأزم قد حُلّ، وأن السلام قد أوشك، وما على ابن زياد إلا الموافقة (٢)، وكاد ابن زياد أن يوفي بما عرضه على الحسين - ﵁ - من الذهاب إلى يزيد لمبايعته، وكاد يرسله إلى يزيد، لولا تدخل شمر بن ذي الجوشن الذي كان جالسًا في المجلس حين وصول الرسالة فقد اعترض على رأي ابن زياد في أن يرسله إلى يزيد، وبيّن لابن زياد أن الأمر الصائب هو أن يطلب من الحسين أن ينزل على حكمه، حتى يكون هو صاحب الأمر المتحكم فيه (٣)، وكان جليس سوء لم
_________________
(١) أنساب الأشراف ٣/ ١٧٣، ٢٢٤.
(٢) تاريخ الطبري ٦/ ٣٤٠.
(٣) تاريخ الطبري ٦/ ٣٤٠.
[ ٦٥ ]
يوفق إلى خير، فقبل ابن زياد مشورة شمر، فكان شمر هذا بابا من أبواب الشر، ومشورته وبال يحمل وزرها بين يدي الله - ﷿ -، فقد استبدل الخير بالشر، ومال إلى إشعال الفتنة.
أخذ ابن زياد برأي شمر المشئوم، وعرض على الحسين - ﵁ - النزول على حكمه، فقال: لا والله لا أنزل على حكم عبيد الله بن زياد أبدا (١)، وقال لأصحابه الذين معه أنتم في حل من طاعتي، ولكنهم أصرّوا على مصاحبته والمقاتلة معه حتى الشهادة (٢).