حسن الظن في أمور:
قال ابن خلدون ﵀:
الأول منها: ما حدث في يزيد من الفسق أيام خلافته، فإياك أن تظن بمعاوية - ﵁ - أنه علم ذلك من يزيد، فإنه أعدل من ذلك وأفضل، بل كان يعذله أيام حياته في سماع الغناء وينهاه عنه، وهو أقل من ذلك، وكانت مذاهبهم فيه مختلفة، ولما حدث في يزيد ما حدث من الفسق اختلف الصحابة حينئذ في شأنه، فمنهم من رأى الخروج عليه ونقض بيعته من أجل ذلك، كما فعل الحسين وعبد الله بن الزبير ﵄ ومن اتبعهما في ذلك، ومنهم من أباه لما فيه من إثارة الفتنة وكثرة القتل مع العجز عن الوفاء به، لأن شوكة يزيد يومئذ هي عصابة بني أمية، وجمهور أهل الحل والعقد من قريش،
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون ١/ ١٠٩.
[ ٧٤ ]
وتستتبع عصبية مضر أجمع، وهي أعظم من كل شوكة، ولا تطاق مقاومتهم، فأقصروا عن يزيد بسبب ذلك، وأقاموا على الدعاء بهدايته والراحة منه، وهذا كان شأن جمهور المسلمين، والكل مجتهدون ولا ينكر على أحد من الفريقين، فمقاصدهم في البر وتحري الحق معروفة وفقنا الله للاقتداء بهم.
والأمر الثاني: هو شأن العهد من النبي - ﷺ - وما تدعيه الشيعة من وصيته لعلي - ﵁ -، وهو أمر لم يصح، ولا نقله أحد من أئمة النقل، والذي وقع في الصحيح من طلب الدواة والقرطاس ليكتب الوصية وأن عمر منع من ذلك فدليل واضح على أنه لم يقع، وكذا قول عمر - ﵁ - حين طعن وسئل في العهد فقال: إن أعهد لقد عهد من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير مني - يعني النبي - ﷺ - لم يعهد - وكذلك قول علي للعباس ﵄ حين دعاه للدخول إلى النبي - ﷺ - يسألانه عن شأنهما في العهد، فأبى علي من ذلك وقال: إنه إن منعنا منها فلا نطمع فيها إلى آخر الدهر، وهذا دليل على أن عليًا علم أنه لم يوص، ولا عهد إلى أحد، وشبهة الإمامية في ذلك إنما هي كون الإمامة من أركان
[ ٧٥ ]
الدين كما يزعمون، وليس كذلك، وإنما هي من المصالح العامة المفوضة إلى نظر الخلق، ولو كانت من أركان الدين لكان شأنها شأن الصلاة، ولكان يستخلف فيها كما استخلف أبا بكر في الصلاة، ولكان يشتهر كما اشتهر أمر الصلاة.
واحتجاج الصحابة على خلافة أبي بكر بقياسها على الصلاة في قولهم: ارتضاه رسول الله - ﷺ - لديننا أفلا نرضاه لدنيانا، دليل على أن الوصية لم تقع، ويدل ذلك أيضًا على أن أمر الإمامة والعهد بها لم يكن مهمًا كما هو اليوم، وشأن العصبية المراعاة في الاجتماع والافتراق في مجاري العادة لم يكن يومئذ بذلك الاعتبار، لأن أمر الدين والإسلام كان كله بخوارق العادة من تأليف القلوب عليه، واستماتة الناس دونه، وذلك من أجل الأحوال التي كانوا يشاهدونها في حضور الملائكة لنصرهم، وتردد خبر السماء بينهم وتجدد خطاب الله في كل حادثة تتلى عليهم، فلم يحتج إلى مراعاة العصبية لما شمل الناس من صبغة الانقياد والإذعان، وما يستفزهم من تتابع المعجزات الخارقة، والأحوال الإلهية الواقعة، والملائكة المترددة التي وجموا منها، ودهشوا من تتابعها.
[ ٧٦ ]
فكان أمر الخلافة والملك والعهد والعصبية، وسائر هذه الأنواع مندرجًا في ذلك القبيل، كما وقع، فلما انحصر ذلك المدد بذهاب تلك المعجزات، ثم بفناء القرون الذين شاهدوها، فاستحالت تلك الصبغة قليلًا قليلًا وذهبت الخوارق وصار الحكم للعادة كما كان، فاعتبر أمر العصبية ومجاري العوائد فيما ينشأ عنها من المصالح والمفاسد، وأصبح الملك والخلافة والعهد بهما مهمًا، من المهمات الأكيدة كما زعموا، ولم يكن ذلك من قبل.
فانظر كيف كانت الخلافة لعهد النبي - ﷺ - غير مهمة، فلم يعهد فيها، ثم تدرجت الأهمية زمان الخلافة بعض الشيء بما دعت الضرورة إليه في الحماية والجهاد وشأن الردة والفتوحات، فكانوا بالخيار في الفعل والترك كما ذكرنا عن عمر - ﵁ -، ثم صارت اليوم من أهم الأمور للألفة على الحماية، والقيام بالمصالح، فاعتبرت فيها العصبية التي هي سر الوازع عن الفرقة والتخاذل، ومنشأ الاجتماع والتوافق، الكفيل بمقاصد الشريعة وأحكامها (١).
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون ١/ ١١٠.
[ ٧٧ ]