[ ٧٢ ]
ذكر حركته إلى مصر في الدفعة الأولى صحبة عمه أسد الدين، سبب ذلك أن شاور وزير المصريين كان قد خرج عليه إنسان يقال له الضرغام وكان يروم منصبه ومكانه فجمع له جموعًا كثيرة لم يكن له بها قبل وغلب عليه وأخرجه من القاهرة وقتل ولده واستولى على المكان وولي الوزارة. وكانت عادة المصريين أنه إذا غلب شخص صاحب المنصب وعجز عن دفعه وعرفوا عجزه وقعوا للقاهر منهم ورتبوه ومكنوه فإن قوتهم إنما كانت بعسكر وزيرهم وهو ملقب عندهم بالسلطان وما كانوا يرون المكاشفة وقواعدهم مستقرة من أول زمانهم على هذا المثال فلما قهر شاور وأخرج من القاهرة اشتد في طلب الشام قاصدًا خدمة نور الدين ابن زنكي مستصرخًا به مستنصرًا على أعدائه بعسكره فتقدم نور الدين إلى أسد الدين شيركوه بالخروج إلى مصر المحروسة قضاءً لحق الوافد المستصرخ وحفظًا للبلاد وتطلعًا إلى أحوالها وذلك في شهور سنة ثمان
[ ٧٥ ]
وخمسين وخمسمائة فتأهب أسد الدين شيركوه وسار إلى مصر فاستصحبه معه ﵀ عن كراهية منه لمكان افتقاره إليه وجعله مقدم عسكره وصاحب رأيه وساروا حتى وصلوا إلى مصر وشاور معهم في الثاني من جمادى الآخر سنة ثمان المذكورة. وكان لوصولهم إلى مصر وقع عظيم وخافه أهل مصر ونصر شاور على خصمه وأعاده إلى منصبه ومرتبته وقرر قواعده واستقر أمره وشاهد البلاد وعرف أحوالها وعاد منها وقد غرس في قلبه الطمع في البلاد وعرف أنها بلاد بغير رجال، تمشي الأمور فيها بمجرد الإيهام والمحال، وكان ابتداء رحلته عنها متوجهًا إلى الشام في السابع من ذي الحجة سنة ثمان المذكورة. وكان لا يفصل أمرًا ولا يقرر رحالًا إلا بمشورته ورأيه لما لاح له من آثار الإقبال والسعادة والفكرة الصحيحة واقتران النصر بحركاته وسكناته فأقام بالشام مدبرًا لأمره مفكرًا في كيفية رجوعه إلى البلاد المصرية محدثًا بذلك نفسه مقررًا قواعد ذلك مع الملك العادل نور الدين زنكي إلى سنة اثنتين وستين وخمسمائة.