وذلك أنه لما كان يوم الأربعاء الحادي والعشرون تحركت عساكر
[ ١٧٠ ]
الإفرنج حركة لم تكن لهم بمثلها عادة فارسهم وراجلهم وكبيرهم وصغيرهم فاصطفوا خارج خيمهم قلبًا وميمنة وميسرة وفي القلب الملك وبين يديه الإنجيل محمولًا مستورًا بثوب أطلس مغطى يمسكه أربعة أنفس بأربعة أطراف وهم يسيرون بين يدي الملك وامتدت الميمنة في مقابلة الميسرة التي لعسكر الإسلام من أولها إلى آخرها وكذلك ميسرة العدو في مقابلة ميمنتنا إلى آخرها وملكوا رؤوس التلال وكان طرف ميمنتهم إلى النهر وطرف ميسرتهم إلى البحر. وأما العسكر الإسلامي المنصور فإن السلطان أمر الجاويش أن نادى في الناس يا للإسلام وعساكر الموحدين فركب الناس وقد باعوا أنفسهم بالجنة ووقفوا بين أيدي خيامهم وامتدت الميمنة إلى البحر والميسرة إلى النهر كذلك أيضًا وكان ﵀ قد أنزل الناس في الخيم ميمنة وميسرة وقلبًا تعبية الحرب حتى إذا وقعت صيحة لا يحتاجون إلى تجديد ترتيب وكان هو في القلب وفي ميمنة القلب ولده الملك الأفضل ثم عسكر المواصلة يقدمهم ظهر الدين بن البلنكري ثم
[ ١٧١ ]
عسكر ديار بكر في خدمة قطب الدين بن نور الدين صاحب الحصن ثم حسام الدين بن لاجين صاحب نابلس ثم الطواشي قايماز النجمي وجموع عظيمة متصلين بطرف الميمنة وكان في طرفها الملك المظفر تقي الدين بجحفله وعسكره وهو مطل على البحر، وأما أوائل الميسرة فكان مما يلي القلب سيف الدين علي المشطوب وعلي بن أحمد من كبار ملوك الأكراد ومقدميهم والأمير علي وجماعة المهرانية والهكارية ومجاهد الدين برتقش مقدم عسكر سنجار وجماعة من المماليك ثم مظفر الدين بن زين الدين بجحفله وعسكره وأواخر الميسرة كبار المماليك الأسدية كسيف الدين يازكج ورسلان بغا وجماعة الأسدية الذين يضرب بهم المثل ومقدم القلب الفقيه عيسى وجمعه، هذا والسلطان يطوف على الأطلاب بنفسه يحثهم على القتال، ويدعوهم إلى النزال، ويرغبهم في نصر دين الله ولم يزل القوم يتقدمون، والمسلمون يقدمون حتى علا النهار ومضى فيه مقدار أربع ساعات وعند ذلك تحركت ميسرة العدو على ميمنة المسلمين فأخرج لهم الملك المظفر الجاليش وجرى بينهم قلبات كثيرة وتكاثروا على الملك المظفر وكان في طرف الميمنة على البحر فتراجع عنهم شيئًا إطماعًا لهم لعلهم يبعدون عن أصحابهم فينال منهم غرضًا فلما رأى السلطان ذلك ظن به ضعفًا وأمدّ بأطلاب عدة من القلب حتى قوي جانبه وتراجعت ميسرة العدو واجتمعت على تل مشرف على البحر
[ ١٧٢ ]
ولما رأى الذين في مقابلة القلب ضعف القلب ومن خرج منه من الأطلاب داخلهم الطمع وتحركوا نحو ميمنة القلب وحملوا حملة الرجل الواحد راجلهم وفارسهم ولقد رأيت الرجالة تسير سير الخيالة وهم يسبقون حينًا وجاءت الحملة على الديار البكرية كما شاء الله تعالى وكان بهم غرة عن الحرب فتحركوا بين العدو وانكسروا كسرة عظيمة وسرى الأمر حتى انكسر معظم الميمنة واتبع العدو المنهزمين إلى العياضية فإنهم استداروا حول التل وصعد طائفة من العدو إلى خيمة السلطان فقتلوا طشت دار كان هناك، وفي ذلك اليوم استشهد إسماعيل المكبس وابن رواحة رحمهما الله، وأما الميسرة فإنها ثبتت لأن الحملة لم تصادفها وأما السلطان فأخذ يطوف على الأطلاب فينهضهم ويعدهم الوعود الجميلة ويحثهم على الجهاد وينادي فيهم يا للإسلام ولم يبق معه إلا خمسة أنفس وهو يطوف على الأطلاب ويخرق الصفوف ويأوي إلى تحت التل الذي كان عليه الخيام، وأما المنهزمون من العسكر فإنهم بلغتهم هزيمتهم إلى الفخوانة قاطع جسر
[ ١٧٣ ]
طبرية وأم منهم قوم محروسة دمشق فأما المتبعون لهم فإنهم اتبعوهم إلى العياضية فلما رأوهم قد صعدوا إلى الجبل رجعوا عنهم وجاءوا عائدين إلى عسكرهم فلقيهم جماعة من الغلمان والخزيندية والساسة منهزمين على بغال الحمل فقتلوا منهم جماعة ثم جاءوا على رأس السوق فقتلوا جماعة وقتل منهم جماعة فإن السوق كان عظيمًا ولهم سلاح، وأما الذين صعدوا إلى الخيام السلطانية فإنهم لم يلتمسوا فيها شيئًا أصلًا سوى أنهم قتلوا من ذكرنا وهم ثلاثة نفر رأوا ميسرة الإسلام ثابتة فعلموا أن الكسرة لا تتم فعادوا منحدرين من التل يطلبون عسكرهم، وأما السلطان فإن كان واقفًا تحت التل ومعه نفر يسير وهو يجمع الناس ليعودوا إلى المحلة على العدو فلما رأوا الإفرنج نازلين من التل أرادوا
لقاءهم فأمرهم بالصبر إلى أن ولوا ظهورهم واشتدوا يطلبون أصحابهم فصاح في الناس فحملوا عليهم فطرحوا منهم جماعة فاشتد الطمع فيهم وتكاثر الناس وراءهم حتى لقوا أصحابهم والطرد وراءهم فلما رأوهم منهزمين والمسلمون وراءهم في عدد كثير ظنوا أن من حمل منهم قد قتل وإنهم إنما نجا منهم هذا النفر فقط وأن الهزيمة قد عادت عليهم فاشتدوا في الهرب والهزيمة وتحركت الميسرة عليهم وعاد الملك المظفر بجمعه من الميمنة وتجمعت الرجال وتداعت وتراجع الناس من كل جانب وكذب الله الشيطان ونصر الإيمان وظل الناس في قتل وطرح وضرب وجرح إلى أن اتصل المنهزمون السالمون إلى عسكرهم فهجم عليهم في الخيام فخرج منهم أطلاب كانوا أعدوها خشية من
[ ١٧٤ ]
مثل هذا الأمر مستريحة فردوا المسلمين وكان التعب قد أخذ من الناس والعرق قد ألجمهم فرجع الناس عنهم بعد صلاة العصر يخوضون في القتلى ودمائهم إلى خيامهم فرحين مسرورين وجلسوا في خيمته يتداركون من فقد الغلمان وكان مقدار من فقد من الغلمان المجهولين مائة وخمسين نفرًا ومن المعروفين استشهد ظهر الدين أخو الفقيه عيسى ولقد رأيته وهو جالس يضحك والناس يعزونه وهو ينكر عليهم ويقول هذا يوم الهناء لا يوم العزاء وكان هو قد وقع عن فرسه وركبه فرأيته وقتل عليه جماعة من أقاربه وقتل في ذلك اليوم الأمير مجلئ هذا الذي قتل من المسلمين وأما من العدو المخذول فحزر قتلاهم بسبعة آلاف نفر ورأيتهم وقد حملوهم إلى شاطئ النهر ليلقوا فيه فحزرتهم بدون سبعة آلاف، ولما تم على المسلمين من الهزيمة ما تم ورأى الغلمان خلو الخيام عمن يعترض عليهم فإن العسكر انقسم إلى قسمين منهزمين ومقاتلين فلم يبق في الخيام أحد وراءنا فظنوا أن الكسرة تتم وأن العدو ينهب جميع ما في الخيام فوضعوا أيديهم في الخيام ونهبوا جميع ما كان فيها وذهب من الناس أموال عظيمة وكان ذلك أعظم من الكسرة وقعًا. ولما عاد السلطان إلى الخيم ورأى ما قد تم على الناس من نهب الأموال والهزيمة سارع إلى الكتب والرسل في رد المنهزمين وتتبع من شذ من العسكر والرسل تتابع في هذا المعنى حتى بلغت عقبة فيتق وأخذوهم بالكرة إلى عسكر المسلمين فعادوا
[ ١٧٥ ]
وأمر بجمع الأقمشة من أكف الغلمان إلى خيمته جلالات الخيل والمخالي بين يديه في خيمته وهو جالس ونحن حوله وهو يتقدم إلى كل من عرف شيئًا وحلف عليه يسلم إليه وهو يلقى هذه الأحوال بقلب صلب. وصدر رحب. ووجه منبسط ورأى مستقيم غير مختبط. واحتساب لله تعالى وقوة عزم في نصرة دين الله، وأما العدو المخذول فإنه عاد إلى خيمة وقد قتل شجعانهم وطرحت مقدموهم وفقدت ملوكهم فأمر السلطان أن خرج من عكا عجل يسحبون عليه القتلى منهم إلى طرف النهر ليلقوا فيه، ولقد حكى لي بعض من ولي أمر العجل أنه أخذ خيطًا وكان كلما أخذ قتيلًا عقد عقدة فبلغ عدد قتلى الميسرة أربعة آلاف ومائة وكسور وبقي قتلى الميمنة وقتلى القلب لم يعدهم فإنه ولي أمرهم غيره وبقي من العدو بعد ذلك من حمى نفسه وأقاموا في مخيمهم لم يكترثوا بجحافل المسلمين وعساكرهم وتشتت من عساكر المسلمين خلق كثير بسبب الهزيمة فإنه ما رجع منها إلا رجل معروف يخاف على نفسه والباقون وهربوا في حال سبيلهم وأخذ السلطان في جمع الأموال المنهوبة وإعادتها إلى أصحابها وأقام المناداة في العساكر وقرن النداء بالوعيد والتهديد وهو يتولى تفرقتها بين يديه واجتمع من الأقمشة عدد كثير في خدمته حتى أن الجالس في أحد الطرفين لا يرى الجالس في الطرف الآخر وأقام من ينادي على من ضاع منه شيء فحضر الخلق وسار من عرف شيئًا وأعطى علامته حلف
[ ١٧٦ ]
وأخذه من الحبل والمخازة إلى الهميان والجوهر ولقي من ذلك مشقة عظيمة ولا يرى ذلك إلا نعمة من الله تعالى يشكر عليها. ويسابق بيد القبول إليها. ولقد حضرت يوم تفرقت الأقمشة على أربابها فرأيت سوقًا للعدل قائمة لم ير في الدنيا أعظم منها وكان ذلك في يوم الجمعة الثالث والعشرين من شعبان وعند انقضاء هذه الواقعة وسكون ثأرتها أمر السلطان بالثقل حتى تراجع إلى موضع يقال له الخروبة خشية على العسكر من روائح القتلى وآثار الوخم من الوقعة وهو موضع قريب من مكان الوقعة إلا أنه أبعد عنها من المكان الذي كان نازلًا فيه بقليل وضربت له خيمة عند الثقل وأمر اليزك أن يكون مقيمًا في المكان الذي كان نازلًا فيه وذلك في التاسع
والعشرين واستحضر الأمراء وأرباب المشورة في سلخ الشهر ثم أمرهم بالإصغاء إلى كلامه وكنت من جملة الحاضرين ثم قال بسم الله والحمد لله والصلاة على رسول الله. اعلموا أن هذا عدو الله وعدونا قد نزل في بلدنا وقد وطء أرض الإسلام. وقد لاحت لوائح النصر عليه وإن شاء الله تعالى وقد بقي في هذا الجمع اليسير ولا بد من الاهتمام بقلعه والله قد أوجب علينا ذلك وأنتم تعلمون أن هذه عساكرنا ليس وراءنا نجدة ننتظرها سوى الملك العادل وهو واصل وهذا العدو إن بقي وطال أمره إلى أن يفتح البحر جاءه مدد عظيم والرأي كل الرأي عندي مناجزتهم فلينجزنا كل منكم ما عنده في ذلك، وكان ذلك في ثالث عشر تشرين من الشهور الشمسية وامتخضت الآراء وجرى تجاذب في أطراف الكلام وانفصلت آراؤهم على أن المصلحة تأخير العسكر إلى الخروبة وأن يبقى العسكر أيامًا حتى يستجم من حمل السلاح وترجع النفوس إليهم فقد أخذ التعب منهم واستولى على
[ ١٧٧ ]
نفوسهم الضجر وتكليفهم أمرًا على خلاف ما تحمله القوي لا تؤمن غائلته والناس لهم خمسون يومًا تحت السلاح وفوق الخيل والخيل قد ضجرت من عرك اللجم وسئمت نفوسها ذلك. وعند أخذ حظ من الراحة ترجع نفوسها إليها ويصل الملك العادل ويشاركنا في الرأي والعمل وسنعيد من شذ من العساكر ونجمع الرجالة ليقفوا في مقابلة الرجالة وكان بالسلطان التياث مزاجي قد عراه من كثرة ما حمل على قلبه وما عاناه من التعب يحمل السلاح والفكر في تلك الأيام فوقع ما قالوه ورأوه مصلحة. وكان انتقال العسكر إلى الثقل ثالث رمضان وانتقال السلطان تلك الليلة وأقام يصلح مزاجه ويجمع العساكر وينتظر أخاه إلى عاشر رمضان. ين واستحضر الأمراء وأرباب المشورة في سلخ الشهر ثم أمرهم بالإصغاء إلى كلامه وكنت من جملة الحاضرين ثم قال بسم الله والحمد لله والصلاة على رسول الله. اعلموا أن هذا عدو الله وعدونا قد نزل في بلدنا وقد وطء أرض الإسلام. وقد لاحت لوائح النصر عليه وإن شاء الله تعالى وقد بقي في هذا الجمع اليسير ولا بد من الاهتمام بقلعه والله قد أوجب علينا ذلك وأنتم تعلمون أن هذه عساكرنا ليس وراءنا نجدة ننتظرها سوى الملك العادل وهو واصل وهذا العدو إن بقي وطال أمره إلى أن يفتح البحر جاءه مدد عظيم والرأي كل الرأي عندي مناجزتهم فلينجزنا كل منكم ما عنده في ذلك، وكان ذلك في ثالث عشر تشرين من الشهور الشمسية وامتخضت الآراء وجرى تجاذب في أطراف الكلام وانفصلت آراؤهم على أن المصلحة تأخير العسكر إلى الخروبة وأن يبقى العسكر أيامًا حتى يستجم من حمل السلاح وترجع النفوس إليهم فقد أخذ التعب منهم واستولى على نفوسهم الضجر وتكليفهم أمرًا على خلاف ما تحمله القوي لا تؤمن غائلته والناس لهم خمسون يومًا تحت السلاح وفوق الخيل والخيل قد ضجرت من عرك اللجم وسئمت نفوسها ذلك. وعند أخذ حظ من الراحة ترجع نفوسها إليها ويصل الملك العادل ويشاركنا في الرأي والعمل وسنعيد من شذ من العساكر ونجمع الرجالة ليقفوا في مقابلة الرجالة وكان بالسلطان التياث مزاجي قد عراه من كثرة ما حمل على قلبه وما عاناه من التعب يحمل السلاح والفكر في تلك الأيام فوقع ما قالوه ورأوه مصلحة. وكان انتقال العسكر إلى الثقل ثالث رمضان وانتقال السلطان تلك الليلة وأقام يصلح مزاجه ويجمع العساكر وينتظر أخاه إلى عاشر رمضان.