ولما كان يوم الأربعاء العشرون من جمادى الآخرة علم عدو الله أن العساكر قد تفرقت وأن الميمنة قد خفت لأن معظم من سافر كان منها يحكم قرب بلادهم من طريق العدو فأجمعوا رأيهم واتفقت كلمتهم على أنهم يخرجون بغتة ويهجمون على طرف الميمنة فجأة وتلاعبت بهم آمالهم فخرجوا ظهيرة النهار وامتدوا ميمنة وميسرة وقلبًا وانبثوا في الأرض وكانوا عددًا عظيمًا واستخفوا طرف الميمنة وكان فيها مخيم الملك العادل فلما بصر الناس بهم قد خرجوا في تعبية القتال صاح صائحهم وخرجوا من خيامهم كالأسود من آجامها وركب السلطان ونادى مناديه يا للإسلام وركبت الجيوش وطلبت الأطلاب ولقد رأيته ﵀ قد ركب من خيمته وحوله
[ ١٩٧ ]
نفر يسير من خواصه والناس لم يستتم ركوبهم وهو كالفاقدة ولدها. الثاكلة واحدها. ثم ضرب الكؤس وأجابته كؤسات الأمراء من أماكنها وركب الناس، وأما الإفرنج فإنهم سارعوا في القصد إلى الميمنة حتى وصلوا إلى خيمة الملك العادل ودخلوا في راقة وامتدت أيديهم في السوق وأطراف الخيم بالنهب والغارة وقيل وصلوا إلى خيمة الخاص وأخذوا من شراب خاناتها شيئًا وأما الملك العادل فإنه لما علم بذلك ركب وخرج من خيمته واستركب من يليه بالميمنة كالطواشي قايماز النجمي ومن يجراه من أسود الإسلام ووقف وقوف مخادع حتى يوغل بهم طمعهم في الخيم ويشتغلوا في النهب وكان كما ظن فإنهم عاثت أيديهم في الخيام والأقمشة والفواكه والمطاعم فلما علم اشتغالهم بذلك صاح بالناس وحمل بنفسه وحمل حملته من كان يليه عن الميمنة واتصل الأمر بجميع الميمنة حتى وصل الصائح إلى عسكر الموصل وهجموا على العدو هجمة الأسود على فريستها وأمكنهم الله منهم ووقعت الكسرة فعادوا يشتدون نحو خيامهم هاربين. وعلى أعقابهم ناكصين. وسيف الله فيهم يلتقط الأرواح من الأشباح ويفصل بين الأجساد والرؤوس. ويفرق بين الأبدان والنفوس. ولما بصر السلطان باصطلاء الحرب قد ارتفع مما يلي خيام أخيه ثارت في قلبه نار الإشفاق وحركت الحمية أخوته. وأنهضت لرغبة في نصرة دين الله والخوف على أوليائه عزيمته، وصاح صائحه في الناس يا للإسلام وأبطال
[ ١٩٨ ]
الموحدين هذا عدو الله قد أمكن الله منه وقد داخله الطمع حتى غشي خيامكم بنفسه فكان من المبادرين إلى إجابة دعوته جماعة من مماليكه وخاصته وخلقته ثم طلب عسكر الموصل يقدمهم علاء الدين ثم عسكر مصر يقدمهم سنقر الحلبي وتتابعت العساكر وتجاوبت الأبطال ووقف ﵀ في القلب خشية أن يستضعف العدو القلب بحكم ما أنفذ منه من العساكر فينال غرضًا فتواصلت العساكر واتصل الضرب وقامت سوق الحرب فلم يكن إلا ساعة حتى رأيت القوم صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية وامتدوا مطروحين من خيام الملك العادل إلى خيامهم أولهم في الخيم الإسلامية وآخرهم في خيم العدو صرعى على التلول والوهاد وسرت السيوف من دمائهم حتى رويت، وأكلت أسد الوغى بأسنان الظفر منهم حتى شبعت. وأظهر الله كلمته. وحقق لعبد نصرته. وكان مقدار ما امتد فيه القتلى فيما بين الخيامين فرسخًا وربما زاد على ذلك ولم ينج من القوم إلا النادر. ولقد خضت في تلك الدماء بدابتي واجتهدت في أن أعدهم فما قدرت على ذلك لكثرتهم وتفرقهم وشاهدت فيهم امرأتين مقتولتين وحكى لي من شاهد أربعة نسوة يقاتلن وأسر منهن اثنتان وأسر من الرجال في ذلك اليوم نفر يسير فإن السلطان كان أمر الناس أن لا يستبقوا أحدًا هذا كله في الميمنة وبعض القلب وأما الميسرة فما اتصل الصائح بهم إلا وقد تجز الأمر وقضى القضاء على العدو ما بين الظهر والعصر فإن العدو ظهر في قائم الظهيرة وانفصلت الحرب بعد صلاة العصر وانكسر القوم حتى دخلت طائفة من المسلمين وراءهم إلى مخيمهم على ما قيل ولم يفقد من
[ ١٩٩ ]
المسلمين أحد في ذلك اليوم سوى عشرة أنفس غير معروفين. ولما أحس جند الله بعكا بما جرى من الوقعة فإنهم كانوا يشاهدون الوقعة من أعالي السور خرجوا إلى مخيم العدو وجرت بينهم مقتلة عظيمة وكانت النصرة للمسلمين بحيث هجموا على خيام العدو ونهبوا منها جمعاُ من النسوان والأقمشة حتى القدور فيها الطعام ووصل كتاب من المدينة يخبر بذلك وكان يومًا على الكافرين عسيرًا واختلف الناس في عدد القتلى منهم فذكر قوام أنهم ثمانية آلاف. ولق شاهدت منهم خمسة صفوف أولها في خيم العادل وآخرها في خيم العدو لقد لقيت إنسانًا
جنديًا عاقلًا جنديًا يسعى بين صفوف القتلى ويعدهم فقلت له كم عددت فقال لي ها هنا أربعة آلاف ونيف وستون قتيلًا وكان قد عد صفين وهو في الصف الثالث لكن ما مضى من الصفوف كان أكثر عددًا من الباقي وانجلى يوم الأربعاء المذكور بأحسن ما ينجلي عنه الإسلام ولما كان يوم الخميس الحادي والعشرون من جمادى المذكورة ورد في عصره نجاب من حلب له خمسة أيام يتضمن كتابه أن جماعة عظيمة من العدو الشمالي خرجوا لنهب أطراف البلاد الإسلامية ونهض العسكر الإسلامي من حلب إليهم وأخذ عليهم الطريق ولم ينج منهم إلا من شاء الله وكان وقع هذه الواقعة المباركة واقعًا عظيمًا وضربت البشائر ولم ير صبيحة لتلك العروس أحسن من هذه الصبيحة. وجاءنا بقية ذلك اليوم من اليزك قايماز الحراني وذكر أن العدو قد سأل من جانب السلطان من يصل إليهم ليسمع منه حديثًا في سؤال الصلح لضعف حل بهم ولم يزل عدو الله من حينه مكسور الجناح من الجانبين حتى وصلهم كند يقال له كندهري. نديًا عاقلًا جنديًا يسعى بين صفوف القتلى ويعدهم فقلت له كم عددت فقال لي ها هنا أربعة آلاف ونيف وستون قتيلًا وكان قد عد صفين وهو في الصف الثالث لكن ما مضى من الصفوف كان أكثر عددًا من الباقي وانجلى يوم الأربعاء المذكور بأحسن ما ينجلي عنه الإسلام ولما كان يوم الخميس الحادي والعشرون من جمادى المذكورة ورد في عصره نجاب من حلب له خمسة أيام يتضمن كتابه أن جماعة عظيمة من العدو الشمالي خرجوا لنهب أطراف البلاد الإسلامية ونهض العسكر الإسلامي من حلب إليهم وأخذ عليهم الطريق ولم ينج منهم إلا من شاء الله وكان وقع هذه الواقعة المباركة واقعًا عظيمًا وضربت البشائر ولم ير صبيحة لتلك العروس أحسن من هذه الصبيحة. وجاءنا بقية ذلك اليوم من اليزك قايماز الحراني وذكر أن العدو قد سأل من جانب السلطان من يصل إليهم ليسمع منه حديثًا في سؤال الصلح لضعف حل بهم ولم يزل عدو الله من حينه مكسور الجناح من الجانبين حتى وصلهم كند يقال له كندهري.
[ ٢٠٠ ]