ولمّا أحسّ سيف الدين صاحب الموصل بما جرى علم أنّ الرجل قد استفحل أمره وعظم شأنه وعلت كلمته، وخاف أنه إن غفل عنه استحوذ على البلاد واستقرّ قدمه في الملك وتعدّى الأمر إليه، فجهّز عسكرًا وافرًا وجيشًا عظيما، وقدّم عليه أخاه عز الدين مسعودا، وساروا يريدون لقاء السلطان، وضرب المصاف معه ووده عن البلاد. ولمّا بلغ السلطان ذلك رحل عن حلب مستهل رجب من السنة المذكورة عائدًا إلى حماة، وسار إلى حمص فاشتغل بأخذ قلعتها، فأخذها، ثم وصل عز الدين إلى حلب، وانضمّ إليه من كان بها من العسكر وخرجوا بجمع عظيم.
[ ٩٣ ]
ولمّا عرف هو بسيرهم سار حتى وافاهم في قرون حماة، وراسلهم وراسلوه واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه، ورأوا أنّ المصاف ربما نالوا به الغرض الأكبر، والمقصود الأوفر. والقضاء يجر إلى أمور هم بها لا يشعرون. وقام المصاف بين العسكرين بقضاء الله فانكسروا بين يديه وأسر جماعة منهم، ومنّ عليهم وأطلقهم، وذلك في تاسع عشر رمضان سنة سبعين أيضا. ثم سار عقيب انكسارهم ونزل على حلب، وهي الدفعة الثانية، وصالحوه على أن أخذ المعرّة وكفر طاب وأخذ بارين، وذلك في أواخر هذه السنة.