وذلك أن العدو لما رأى آلاته قد تمت واستكملت شرع في الزحف على البلد ومقاتلته من كل جانب، وأهل البلد كلما رأوا ذلك اشتدت عزائمهم في نصرة دين الله وقويت قلوبهم على المصابرة. ولما كان يوم الإثنين ثالث شهر رمضان من السنة المذكورة وهي التي قدمت به العساكر من الشام
[ ٢١٤ ]
في أحسن زي وأجمل ترتيب وأكمل عدّة مع ولده صاحب حلب وسابق الدين صاحب شيزر ومجد الدين صاحب بعلبك، وكان السلطان التاث مزاجه الكريم بحمى صفراوية، فركب في ذلك اليوم وكان عيدًا من وجوه متعددة، وفي ذلك اليوم زحف العدو على البلد في خلق لا يحصي عددهم إلاّ الله، فأهملهم أهل البلد وشجعان المقاتلة الذين فيه وذوو الآراء المثقفة من مقدمي المسلمين حتى نشبت مخاليب أطماعهم في البلد وسحبوا آلاتهم المذكورة حتى قاربوا أن يلصقوها بالسور، وتحصن منهم في الخندق جماعة عظيمة، وأطلقوا عليهم سهام الجروح وأحجار المنجنيق وأقواس الرمي والنيران وصاحوا عليهم صيحة الرجل الواحد وفتحوا الأبواب وباعوا نفوسهم لخالقها وبارئها. ورضوا بالصفقة الموعود بها، وهجموا على العدو من كل جانب وكبسوهم في الخنادق، وأوقع الله الرعب في قلب العدو، وأعطه ظهره الهزيمة وأخذوا مشتدين هاربين. على أعقابهم ناكصين. يطلبون خيامهم والاحتماء بأسوارهم
[ ٢١٥ ]
لكثرة ما شاهدوا وذاقوا من الجرح والقتل، وبقي في الخندق خلق عظيم وقع فيهم السيف وعجل الله بأرواحهم إلى النار، ولما رأى المسلمون ما نزل بالعدو من الخذلان والهزيمة هجموا على كبشهم فألقوا فيه النار والنفط وتمكّنوا من حريقه فأحرقوه حريقًا شنيعًا، وظهرت له لهبة عظيمة نحو السماء، وارتفعت الأصوات بالتكبير والتهليل. والشكر للقوي الجليل. وسرت نار الكبش بقوّتها إلى السنور فاحترق، وعلق المسلمون في الكبش الكلاليب الحديدية المصنوعة في السلاسل فسحبوه وهو يشتعل حتى حصلوه عندهم في البلد وكان مركبًا من آلات هائلة عظيمة ألقى الماء عليه حتى برد حديده بعد أيام. وبلغنا من اليزك أن وزن ما كان عليه من الحديد يبلغ مائة قنطار بالشامي، والقنطار مائة رطل، والرطل الشامي بالبغدادي أربعة أرطال وربع رطل. ولقد أنفذ رأسه إلى السلطان ومثل بين يديه، وشاهدته وقلبته، وشكله على مثل السفود الذي يكون بحجر المدار، قيل أنه ينطح به فيهدم ما يلاقيه. وكان ذلك من أحسن أيام الإسلام، ووقع على العدو خذلان عظيم، ورفعوا ما سلم من آلاتهم، وسكنت حركاتهم التي ضيعوا فيها نفقاتهم وتحيرت أبصار حيلهم، واستبشر السلطان بغرة ولده واستبارك بها حيث وجد النصر مقرونًا بقدومه مرّة بعد أخرى، وثانية بعد أولى.
[ ٢١٦ ]
ولما كان يوم الأربعاء الخامس عشر رمضان خرج أصحابنا من الثغر المحروس في شوان على بغتة من العدو، وضربوا البطسة المعدة لأخذ برج الذباب بقوارير نفط فاحترقت وارتفع لهبها في البحر ارتفاعًا عظيمًا، وحزن الألمان لذلك حزنًا شديدًا، وغشيته كآبة عظيمة ووقع عليهم خذلان عميم. ولما كان يوم الخميس السادس عشر الشهر وصل كتاب طائر في طي كتاب وصل من حماة قد طار به الطائر من حلب يذكر فيه أن البرنس صاحب أنطاكية خرج بعسكر نحو القرى الإسلامية التي تليه لشن الغارات عليها، فبصرت به العساكر ونواب الملك الظاهر، فكمنت له الكمينات، فلم يشعر بهم إلاّ والسيف قد وقع فيهم، فقتل منهم خمسة وسبعون نفرا، وأسر خلق عظيم، واستعصم لنفسه في موضع يسمى شيحا، حتى اندفعوا وسار إلى بلده.
[ ٢١٧ ]
وفي أثناء العشر الأوسط ألقت الريح بطستين فيهما رجال وصبيان ونساء وميرة عظيمة وغنم كثيرة قاصدين نحو العدو فغنمها المسلمون. وكان العدو قد ظفر منا بزورق فيه نفقة ورجال أرادوا الدخول إلى البلد فأخذوه، فوقع الظفر بهاتين الطستين ماحيًا لذلك وجابرًا له، ولم تزل الأخبار بعد ذلك تتواصل على ألسنة الجواسيس والمستأمنين أن العدو قد عزم على الخروج إلى العسكر الإسلامي خروج مصاف ومنافسه، والتاث مزاج السلطان بحمى صفراوية فاقتضى الحال تأخر العسكر إلى جبل سفرعم.
[ ٢١٨ ]
وكان انتقاله تاسع عشر رمضان، فنزل السلطان على أعلى الجبل، ونزل الناس على رؤوس التلال للاستعداد للشتاء والاستراحة من الوحل. وفي ذلك اليوم مرض زين الدين يوسف بن زين الدين صاحب إربل مرضًا شديدًا بحميين مختلفي الأوقات، واستأذن في الرواح فلم يؤذن له، فاستأذن في الانتقال إلى الناصرة، فأذن
له في ذلك اليوم وأقام الناصرة أيامًا عديدة بمرض نفسه، فاشتد به المرض إلى ليلة الثلاثاء ثامن عشر رمضان، وتوفي ﵀ وعنده أخوه مظفر الدين يشاهده، وحزن الناس عليه لمكان شبابه وغربته، وأنعم السلطان على أخيه مظفر الدين ببلده، واستنزله عن بلاده التي كانت في يده وهي حرّان والرّها وما يتبعهما من البلاد والأعمال، وضمّ إليه بلد
[ ٢١٩ ]
شهر زور أيضًا، واستدعى الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه ليكون نازلًا مكانه جابرًا لخلل غيبته، وأقام مظفر الدين في نظرة قدوم تقي الدين. ولما كان ضحاء نهار ثالث شوّال قدم وقد عاد صحبة معز الدين. في ذلك اليوم وأقام الناصرة أيامًا عديدة بمرض نفسه، فاشتد به المرض إلى ليلة الثلاثاء ثامن عشر رمضان، وتوفي ﵀ وعنده أخوه مظفر الدين يشاهده، وحزن الناس عليه لمكان شبابه وغربته، وأنعم السلطان على أخيه مظفر الدين ببلده، واستنزله عن بلاده التي كانت في يده وهي حرّان والرّها وما يتبعهما من البلاد والأعمال، وضمّ إليه بلد شهر زور أيضًا، واستدعى الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه ليكون نازلًا مكانه جابرًا لخلل غيبته، وأقام مظفر الدين في نظرة قدوم تقي الدين. ولما كان ضحاء نهار ثالث شوّال قدم وقد عاد صحبة معز الدين.