وأما نور الدين فإنّه خلف ولده الملك الصالح إسماعيل
[ ٩١ ]
وكان بدمشق. وكان بقلعة حلب ابن الداية شمس الدين علي وشاذ بخت. وكان قد حدّث نفسه بأمور، فسار الملك الصالح من دمشق إلى حلب، فوصل ظاهرها ثاني المحرّم ومعه سابق الدين، فخرج بدر الدين للقائه، فقبض على سابق الدين. ولمّا دخل الملك الصالح القلعة قبض على شمس الدين وأخيه حسن وأودع الثلاثة السجن. وفي ذلك اليوم قتل ابن الخشاب أبو الفضل لفتنة جرت بحلب، ذكروا أنه قتل قبل إمساك أولاد الداية بيوم لأنهم تولّوا ذلك. ولمّ تحقق السلطان وفاة نور الدين وكان ولده طفلًا لا ينهض بأعباء الملك ولا يستقل بدفع عدوّ الله عن البلاد، تجهز للخروج إلى الشام، إذ هو أصل بلاد الإسلام، فتجهّز بجمع كثير من العساكر، وخلف في الديار المصرية من يستقل بحفظها وحراستها ونظم أمورها وسياستها، وخرج هو سائرًا مع جمع من أهله وأقاربه وهو يكاتب أهل البلاد وأمراءها، واختلفت كلمة أصحاب الملك الصالح واختلّت تدابيرها وخاف بعضهم من بعض، وقبض على جماعة منهم، وكان ذلك سبب خوف الباقين من فعل ذلك وسببًا لتغيير قلوب الناس عن الصبي، فافتقر الحال أن كاتب شمس الدين بن المقدم السلطان، ووصل البلاد مطالبًا بالملك الصالح ليكون هو الذي يتولّى أمره ويرقب حاله فيقوّم له ما اعوجّ من أمره، فوصل
[ ٩٢ ]
دمشق ولم يشق عليه عصا، ودخلها بالتسليم في يوم الثلاثاء سلخ ربيع الآخر سنة سبعين، وتسلّم قلعتها. وكان أوّل دخوله إلى دار أبيه، واجتمع الناس إليه وفي جوابه، وأنفق في ذلك اليوم في الناس مالًا طويلًا، وأظهر الفرح والسرور بالدمشقيّين، وأظهروا الفرح به، وصعد القلعة، واستقرّ قدمه في ملكها، فلم يلبث أن طلب حلب، فنازل حمص فأخذ مدينتها في جمادى الأولى سنة سبعين، ولم يشتغل بقلعتها، وسار حتى أتى حلب، ونازلها في يوم الجمعة سلخ الشهر المذكور وهي الوقعة الأولى.