وهي التي ملكوها فيها وجرى ما جرى في شهور سنة أربع وستين وخمسمائة
ملك نور الدين قلعة المنيظرة بعد سير أسد الدين في رجب وخرب قلعة أكاف بالبرية. وفي رمضان منها اجتمع نور الدين وأخواه قطب الدين وزين الدين بحماة للغزاة وساروا إلى بلاد الإفرنج فخربوا هونين في شوال منها وفي ذي القعدة كان عود أسد الدين من مصر. وكان سبب ذلك أن الإفرنج خذلهم الله جمعوا راجلهم وفارسهم وخرجوا يريدون الديار المصرية ناكثين لجميع ما استقر مع المصريين وأسد الدين من الصلح والقواعد طمعًا في البلاد فلما بلغ ذلك نور الدين وأسد الدين لم يسعهما الصبر دون أن يسارعا إلى قصد البلاد، أما نور الدين فبالمال والرجال ولم يسر بنفسه خوفًا على البلاد من الإفرنج ولأنه قد حدث نظره إلى جانب الموصل بسبب وفاة زين الدين ابن يكتكين فإنه توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وخمسمائة وتسلم ما كان في يده من الحصون إلى قطب الدين ما عدا إربل فإنها كلها كانت له من أتابك زنكي ﵀ فحدث لنور الدين إلى ذلك الجانب الطمع بهذا السبب فسير العسكر.
[ ٧٨ ]
وأما أسد الدين فبسيفه وملكه وأهله ورجاله ولقد قال لي السلطان قدس الله روحه كنت أكره الناس للخروج في هذه الواقعة وما خرجت مع عمي باختياري وهذا معنى قوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم. وكان شاور لما أحس بخروج الإفرنج إلى مصر على تلك القاعدة أنفذ إلى أسد الدين يستصرخه ويستنجده فخرج مسرعًا. وكان وصولهم إلى مصر في أثناء ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة، ولما علم الإفرنج وصول أسد الدين إلى مصر عن اتفاق بينه وبين أهلها رحلوا راجعين وعلى أعقابهم ناكصين. وأقام أسد الدين بها يتردد إليه شاور في الأحيان. وكان وعدهم بمال مقابلة ما خسروه من النفقة فلم يوصل إليهم شيئًا وعلقت مخاليب أسد الدين في البلاد وعلم أن الإفرنج متى وجدوا فرصة أخذوا البلاد وترددهم إليها في كل وقت لا يفيد وإن شاور يلعب بهم تارة وبالإفرنج تارة أخرى وعلموا أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور فأجمعوا أمرهم على قبضه إن خرج إليهم وكانوا هم يترددون إلى خدمته دون أسد الدين وهو يخرج في بعض الأحيان إلى أسد الدين يجتمع به.
[ ٧٩ ]
وكان يركب على قاعدة وزرائهم بالطبل والبوق والعلم فلم يتجاسر على قبضه من الجماعة إلا السلطان بنفسه. وذلك أنه لما سار إليهم تلقاه راكبًا وسار إلى جانبه أخذ بتلابيبه وأمر العسكر أن أخذوا على أصحابه ففروا ونهبهم العسكر وقبض على شاور وأنزل إلى خيمة مفردة وفي الحال جاءه التوقيع من المصريين على يد خادم خاص لا بد من رأسه جريًا على عادتهم في وزرائهم في تقرير قاعدة فيمن قوي منهم على صاحبه فحزت رقبته وأنفذ رأسه إليهم وأنفذ إلى أسد الدين خلعة الوزارة فلبسها وسار ودخل القصر ورتب وزيرًا وذلك في سابع عشر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة ودام آمرًا ناهيًا والسلطان ﵀ مباشر الأمور مقرر لها وزمام الأمر والنهي مفوض إليه لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة