روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية.
ولقد كان رحمه الله تعالى من عظماء الشجعان قوي النفس شديد البأس عظيم الثبات لا يهوله أمر ولقد رأيته يعطي دستورًا في أوائل الشتاء ويبقى في شرذمة يسيرة في مقابلة عددهم الكثير وقد سألت باليان بن بارزان وهو من كبار ملوك الساحل وهو جالس بين يديه ﵀ يوم انعقاد الصلح عن عدتهم فقال الترجمال عنه أنه يقول كنت أنا وصاحب صيدا وكان أيضًا من ملوكهم وعقلائهم قاصدين عسكرنا من صور فلما أشرفنا عليه تحازرناه فحزرهم هو خمس مائة ألف
[ ٥٠ ]
وحزرتهم أنا بستمائة ألف أو قال عكس ذلك قلت فكم هلك منهم فقال أما بالقتل فقريب من مائة ألف وأما بالموت والغرق فلا نعلم وما رجع من هذا العالم إلا الأقل.
وكان لا بد له من أن يطوف حول العدو في كل يوم مرة أو مرتين إذا كنا قريبًا منهم. ولقد وصل في ليلة واحدة منهم نيف وسبعون مركبًا على عكا وأنا أعدها من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وهو لا يزداد إلا قوة نفس.
وكان رحمه الله تعالى إذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين ومعه صبي واحد على يده جنيب ويخرق العساكر من الميمنة إلى الميسرة ويرتب الأطلاب ويأمرهم بالتقدم والوقوف في مواضع يراها. وكان يشارف العدو ويجاوره ﵀. ولقد قرئ عليه جزآن من الحديث بين الصفين وذلك أني قلت له قد سمع الحديث في جميع المواطن الشريفة ولم ينقل أنه سمع بين الصفين فإن رأى المولى أن يؤثر عنه ذلك كان حسنًا فأذن في ذلك فأحضر جزءه كما أحضر من له به سماع فقرأ عليه ونحن على ظهور الدواب بين الصفين نمشي تارة ونقف أخرى.
وما رأيته استكثر العدو أصلًا ولا استعظم أمرهم قط وكان مع ذلك في حال التفكر والتدبير تذكر بين يديه الأقسام كلها ويرتب على كل قسم بمقتضاه من غبر حدة ولا غضب يعتريه. ولقد انهزم المسلمون في يوم المصاف الأكبر بمرج عكا حتى القلب ورجاله ووقع الكؤس والعلم وهو ﵁ ثابت القدم في نفر
[ ٥١ ]
يسير حتى انحاز إلى الجبل بجمع الناس ويردهم ويخجلهم حتى يرجعوا ولم يزل كذلك حتى نصر عسكر المسلمين على العدو في ذلك اليوم وقتل منهم زهاء سبعة آلاف ما بين راجل وفارس ولم يزل ﵀ مصابرًا لهم وهم في العدة الوافرة إلى أن ظهر له ضعف المسلمين فصالح وهو مسؤول من جانبهم فإن الضعف والهلاك كان فيهم أكثر ولكنهم كانوا يتوقعون النجدة ونحن لا نتوقعها وكانت المصلحة في الصلح وظهر ذلك لما أبدت الأقضية الإلهية والأقدار ما في مكنونها. وكان ﵀ يمرض ويصح وتعتريه أحوال مهولة وهو مصابر مرابط وتتراءى الناران ونسمع منهم صوت الناقوس ويسمعون منا صوت الأذان إلى أن انقضت الوقعة على أحسن حال وأيسره قدس الله روحه ونور ضريحه.
[ ٥٢ ]