قال ﷺ إذا عثر الكريم فإن الله آخذ بيده وفي الكرم أحاديث، وكرمه قدس الله روحه كان أظهر من أن يسطر، وأشهر من أن يذكر لكن نبهت عليه جملة، وذلك أنه ملك ما ملك ومات ولم يوجد في خزانته من الفضة إلا سبعة وأربعون درهمًا ناصرية ومن الذهب إلا جرم واحد صوري ما علمت وزنه وكان ﵀ يهب الأقاليم وفتح آمد وطلبها منه ابن قره أرسلان فأعطاه إياه.
ورأيته قد اجتمع عنده جمع من الوفود بالقدس الشريف وكان قد
[ ٤٧ ]
عزم على التوجه إلى دمشق ولم يكن في الخزانة ما يعطى للوفود فلم أزل أخاطبه في معناهم حتى باع أشياء من بيت المال وفضضنا ثمنها عليهم ولم يفضل منه درهم واحد.
وكان ﵀ يعطي في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة. وكان نواب خزائنه يخفون عنه شيئًا من المال حذرًا أن يفاجئهم معهم لعلمهم بأنه متى علم به أخرجه وسمعته يقول في معرض حديث جرى: يمكن أن يكون في الناس من ينظر إلى المال كما ينظر إلى التراب فكأنه بذلك أراد نفسه رحمه الله تعالى.
وكان يعطي فوق ما يؤمل الطالب فما سمعته قط يقول أعطينا لفلان.
وكان يعطي الكثير ويبسط وجهه للعطاء بسطه لمن لم يعطه شيئًا. وكان ﵀ يعطي ويكرم أكثر مما يعطى وكان قد عرفه الناس فكانوا يستزيدونه في كل وقت وما سمعته قط يقول قد زدت مرارًا فكم أزيد.
وأكثر الرسائل كانت تكون في ذلك على لساني ويدي وكنت أخجل منه من كثرة ما يطلبون ولا أخجل منه من كثرة ما أطلبه لهم لعلمي بعدم مؤاخذته في ذلك وما خدمه أحد إلا وأغناه عن سؤال غيره.
[ ٤٨ ]
وأما تعداد عطاياه وتعداد صنوفها فلا تطمع فيها حقيقة أصلًا وقد سمعت من صاحب ديوانه يقول لي قد تجاربنا عطاياه فحصرنا عدد ما وهب من الخيل بمرج عكا فكان عشرة آلاف فرس. ومن شاهد مواهبه يستقل هذا القدر. اللهم إنك ألهمته الكرم وأنت أكرم منه فتكرم عليه برحمتك ورضوانك يا أرحم الراحمين.
[ ٤٩ ]