وصل ابن قره أرسلان نور الدين إلى حلب ثامن عشر صفر سنة ثمانين فأكرمه الملك العادل إكرامًا عظيمًا وأصعده إلى القلعة وباسطه ورحل معه طالبًا دمشق في السادس والعشرين منه. وكان السلطان قد مرض أيامًا ثم شفاه الله، ولما بلغه وصول قره أرسلان خرج إلى لقائه وكان السلطان يكارم الناس مكارمة عظيمة فالتقاه على عين الجسر بالبقاع وذلك في تاسع ربيع الأول ثم عاد إلى دمشق وخلف نور الدين واصلًا مع الملك العادل فتأهب للغزاة وخرج مبرزًا إلى جسر الخشب في منتصف ربيع الأول
[ ١١٣ ]
وفي الرابع والعشرين منه وصل الملك العادل ومعه ابن قره أرسلان إلى دمشق فأقاما فيها أيامًا ثم رحلا يلتحقان بالسلطان من رأس الماء طالبًا للكرك فأقام قريبًا منها أيامًا ينتظر وصول الملك المظفر من مصر إلى تاسع عشر ربيع الآخر فوصل إلى خدمته ومعه بيت الملك العادل وخزانته فسيرهم إلى الملك العادل وتقدم إليه وإلى بقية العساكر بالوصول إليه إلى الكرك فتتابعت العساكر إلى خدمته حتى أحدقوا بالكرك وذلك في رابع جمادى الأولى وركب المناجيق على المكان وقد التقت العساكر المصرية والشامية والجزرية أيضًا مع قره أرسلان، ولما بلغ الإفرنج ذلك خرجوا براجلهم وفارسهم إلى الذب عن الكرك وكان على المسلمين منه ضرر عظيم فإنه كان يقطع عن قصد مصر بحيث كانت القوافل لا يمكنها الخروج إلا مع العساكر الجمة الغفيرة فاهتم السلطان بأمره ليكون الطريق سابلة إلى مصر. ولما بلغ السلطان خروج الإفرنج تعبأ للقاء وأمر العساكر أن خرجت ظاهر الكرك وسير الثقل نحو البلاد وبقي العسكر جريدة ثم سار السلطان ينصد للعدو. وكان الإفرنج قد نزلوا بموضع يقال له الواله وسار حتى نزل
[ ١١٤ ]
على قرية يقال لها حسبان قبالة الإفرنج ورحل منها إلى موضع يقال له ماء عين والإفرنج مقيمون بالواله إلى السادس والعشرين من جمادى الأولى ثم رحلوا قاصدين الكرك فسار بعض العساكر وراءهم فقاتلهم إلى آخر النهار ولما رأى قدس الله روحه تصميم الإفرنج على الكرك أمر العساكر أن دخلوا الساحل لخلوه عن العساكر فهجموا نابلس ونهبوها وغنموا ما فيها ولم يبق فيها إلا حصناها وأخذوا جانين والتحقوا بالسلطان برأس الماء وقد نهبوا وأسروا وحرقوا وخربوا واتفق دخول السلطان دمشق يوم السبت سابع جمادى الآخرى ومعه الملك العادل ونور الدين ابن قره أرسلان فرحًا مسرورًا وأكرمه واحترمه وأحسن إليه. وفي هذا الشهر وصل رسول الخليفة ومعه الخلع فلبسها السلطان وألبس أخاه الملك العادل وابن أسد الدين خلفًا جاءت لهم وفي الرابع عشر من هذا الشهر خلع السلطان خلعة الخليفة على ابن قره أرسلان وأعطاه دستورًا وأعطاه للعساكر وفي ذلك التاريخ وصلت رسل ابن زين الدين مستصرخًا إلى السلطان يخبر أن عسكر الموصل وعسكر قزل نزلوا مع مجاهد الدين قايماز وأنهم نهبوا وأحرقوا وأنه نصر عليهم وكسرهم.
[ ١١٥ ]