[ ١٦٥ ]
ولما كانت صبيحة السبت أصبح الناس على القتال وأنفذ السلطان طائفة من شجعان المسلمين إلى البحر من شمالي عكا ولم يكن هناك للعدو خيم لكن العسكر كان قد امتد جريدة إلى البحر فحملوا عليهم فانكسروا بين أيديهم كسرة عظيمة وقتلوا منهم جمعًا كثيرًا وانكف السالمون منهم إلى خيامهم وهجم المسلمون خلفهم إلى أوائل خيامهم وانفتح الطريق إلى عكا من باب القلعة المسماة بقلعة الملك إلى باب قراقوش الذي جدده وصار الطريق مهيعًا يمر فيه السوقي ومعه الحوائج ويمر به الرجل الواحد والمرأة واليزك بين الطريق وبين العدو مانعًا من يخرج من عسكرهم أو يدخل ودخل السلطان في ذلك اليوم إلى عكا ورقي على السور ونظر إلى عسكر العدو تحت السور وفرح المسلمون بنصر الله وخرج العسكر الذي كان في خدمة السلطان واستدار العسكر الإسلامي حول المعسكر الإفرنجي وأحدقوا بهم من كل جانب، ولما استقر به ذلك تراجع الناس عن القتال وذلك بعد الظهر لسقي الدواب وأخذ الراحة وكان نزولهم على أنهم إذا أخذوا حظًا من الراحة عادوا إلى القتال لمناجزة القوم وضاق
[ ١٦٦ ]
الوقت وأخذ الضجر والتعب من الناس فلم يرجعوا إلى القتال في ذلك اليوم وبات الناس على أنهم يصبحونهم بكرة الأحد إلى القتال رجاء المناجزة بالكلية واختفى العدو في خيامهم بحيث لم يظهر منهم أحد. ولما كانت بكرة الأحد ثالث شعبان تعبى الناس للقتال وأحدقوا بالعدو وعزموا على مهاجمة القوم وعلى أن يترجل الأمراء ومعظم العسكر ويقاتلوا العدو في خيامه فلما تهيئوا لذلك رأى بعض الأمراء تأخير ذلك إلى بكرة الاثنين رابع شعبان وأن يدخل الراجل كله إلى داخل عكا ويخرجوا مع العسكر المقيم بالبلد من أبواب البلد على العدو من ورائه وتركب العساكر الإسلامية من خارج من سائر الجوانب ويحملوا حملة الرجل الواحد والسلطان يوالي هذه الأمور بنفسه ويكافحها بذاته لا يتخلف عن مقام من هذه المقامات وهو من شدة حرصه ووفور همته كالوالدة الثكلى، ولقد أخبرني بعض أطبائه أنه بقي من يوم الجمعة إلى يوم الأحد لم يتناول من الغذاء إلا شيئًا يسيرًا لفرط اهتمامه وفعلوا ما كان عزم عليه واشتدت منعة العدو وحمى نفسه في خيامه ولم تزل سوق الحرب قائمة تباع فيها النفوس بالنفائس، وتمطر سماء حربها الرؤوس من كل رئيس ومترائس حتى كان يوم الجمعة ثامن شعبان.