ولما تسلم عسقلان والأماكن المحيطة بالقدس شمّر عن ساق الجدّ والاجتهاد في قصده، واجتمعت عليه العساكر التي كانت متفرقة في الساحل بعد انقضاء لبانها من النهب والغارة فسار نحوه معتمداّ على الله معوضًا أمره إليه منتهزًا فرصة فتح باب الخير الذي حثّ عليه ﷺ بقوله: من فتح باب خير فلينتهز بأنه لا يدري متى يغلق دونه، وكان نزوله عليها في الخامس عشر من رجب سنة ثلاثة وثمانين المباركة، فنزل في الجانب الغربي، وكان مشحونًا بالمقاتلة والخيانة والرجالة. ولقد تحازر أهل الخبرة عدة من كان فيه من المقاتلة بما يزيد على ستين ما عدا النساء والصبيان. ثم انتقل ﵀ لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي ونصب عليه المناجيق، وضايقه بالزحف
[ ١٣٤ ]
والقتال وكثرة الرماة حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم في قرنة شمالية. ولما رأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا يندفع عنهم وظهرت لهم أمارات نصرة الحق على الباطل وكان قد ألقى في قلوبهم الرعب مما جرى على أبطالهم ورجالهم من السبي والقتل والأسر، وما جرى على حصونهم من الاستيلاء والأخذ علموا أنهم إلى ما صاروا إليه صائرون. وبالسيف الذي قتل به إخوانهم مقتولون، فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان، واستقرت القاعدة بالمراسلة بين الطائفتين، وكان تسلمه القدس قدس الله روحه في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب وليلة كانت المعراج المنصوص عليها في القرآن المجيد. فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب كيف يسّر الله عوده إلى أيدي المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم ﷺ وهذه علامة قبول هذه الطاعة من الله تعالى، وكان فتوحًا عظيمًا شهده من أهل العلم خلق عظيم ومن أرباب الحرف والطرق، وذلك أن الناس لما بلغهم ما يسّر الله على يده من فتوح الساحل، وشاع قصده القدس، قصده العلماء من مصر ومن الشام بحيث لم يتخلف معروف من الحضور، وارتفعت الأصوات بالضجيج والدعاء والتهليل والتكبير، وخطب فيه، وصليت فيه الجمعة يوم فتحه. وحطّ الصليب الذي كان على قبة الصخرة وكان شكلا عظيما، ونصر الله الإسلام نصر عزيز مقتدر. وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على أنفسهم عن كل رجل عشرة
[ ١٣٥ ]
دنانير وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية وعن كل صغير ذكر أو أنثى دينارًا واحدًا فمن أحضر القطيعة سلم نفسه وإلا أخذ أسيرًا أو فرج الله عمن كان أسيرًا من المسلمين وكان خلقًا عظيمًا زهاء ثلاثة آلاف أسير وأقام ﵀ يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء والعلماء وإيصال من دفع قطيعته منهم إلى مأمنه وهو صور. ولقد بلغني أنه رحل عن القدس ولم يبق له من ذلك الملك شيء وكان مائتي ألف دينار وكان رحيله يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان.