وكان بين السلطان وملك قسطنطينية مراسلة ومكاتبة وكان وصل منه رسول إلى باب السلطاني بمرج عيون هم رجب سنة خمس وثمانين وخمسمائة في جواب رسول كان أنفذه السلطان إليه بعد تقرير القواعد وإقامة قانون الخطبة في جامع قسطنطينية فمضى الرسول وأقام الخطبة ولقي احترامًا عظيمًا وإكرامًا زائدًا وكان قد أنفذ معه في المراكب الخطيب والمنبر وجمعًا من المؤذنين والقراء وكان يوم دخولهم القسطنطينية يومًا عظيمًا من أيام الإسلام شاهده جمع كثير من التجار ورقي الخطيب المنبر واجتمع إليه المسلمون المقيمون بها والتجار أقام الدعوة الإسلامية العباسية ثم عاد فعاد معه هذا الرسول يخبرنا بانتظار الحال في ذلك فأقام مدة. ولقد شاهدته يبلغ الرسالة ومعه ترجمان يترجم عنه وهو شيخ أحسن ما يفرض أن يكون من صور المشايخ وعليه زيهم الذي يختص بهم ومعه كتاب وتذكرة مختوم والكتاب بذهب ولما مات وصل إلى ملك قسطنطينية خبر وفاته فأنفذ هذا الرسول في تتمة ذلك ووصل معه الكتاب في جواب ذلك. وصورة ما فسر من الكتاب الواصل معه ووصفه أنه كان كتابًا مدرجًا عرضًا وهو دون عرض كتاب بغداد مترجمًا ظاهره وبلطنه بسطرين بينهما فرجة وضع فيها الختم والختم من ذهب مطبوع كما يطبع الخاتم في الشمع على ختمه صورة ملك وزن الذهب خمسة عشر دينارًا مضمون السطرين المكتوبين ما هذا صورته: من إيساكيوس الملك المؤمن بالمسيح الإله المتوج من الله المنصور العالي أبدًا أففقوس المدبر من الله
[ ٢٠٢ ]
القاهر الذي لا يغلب ضابط الروم بذاته أنكلوس إلى النسيب سلطان مصر صلاح الدين والحمية والمودة. قد وصل خط نسبتك الذي أنفذت إلى ملكي وقرأناه وعلمناه من أن رسولنا توفي وحزنا عليه حيث أنه توفي في بلد وريب وما قدر أن يتم كل ما رسم له ملكي وأمره أن يتحدث به مع نسبتك ويقول في حضرتك ولا بد لنسبتك أن تهتم بإنفاذ رسول إلى ملكي مع رسول المتوفى والقماش الذي خلقه ويوجد بعد موته لنعطيه أولاده وأقاربه وما أظن أنه يسمع من نسبتك أخبارًا ودية وأنه قد سافر في بلادي الألمان ولا عجب فإن الأعداء يرجفون بأشياء مكذوبة على قدر أغراضهم ولو تشتهي أن تسمع الحق فإنهم قد تأذوا وتعبوا كثيرًا أكثر مما أوذي فلاحو بلادك وقد خسروا كثيرًا من المال والدواب والرجال ومات منهم وقتلوا وبالشدة قد تخلصوا من أيدي أجناد بلادي وقد ضعفوا بحيث أنهم لا يصلون إلى بلادك فإن وصلوا كانوا ضعافًا بعد شدة كبيرة لا ينفعون جنسهم ولا يضرون نسبتك. وبعد ذلك كيف نسيت الذي بيني وبينك وكيف ما عرفت لملكي شيئًا من المقاصد والمهمات. ما ربح ملكي من محبتك إلا عداوة الإفرنج وجنسهم،
[ ٢٠٣ ]
فوقف ﵀ على هذه الترجمة وأكرم الرسول وأحسن مثواه. وكان شيخًا حسن الخلق نبيهًا عارفًا بالعربية والرومية والإفرنجية، ثم إن الإفرنج شدوا في حصار البلد وضايقوه لما قد حدث لهم من القوة بوصول الكندهري فإنه وصل على ما ذكر والله أعلم في عشرة آلاف مقاتل ووصلتهم نجدة أخرى في البحر قويت بها قلوبهم ونازلوا البلد بالقتال.