قال النبي ﷺ: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وكان ﷺ إذا صافحه الرجل لا يترك يده حتى يكون الرجل هو التارك الذي يبدأ بذلك. ولقد كان السلطان كثير المروءة ندي اليد كثير الحياء مبسوط الوجه لمن يرد عليه من الضيوف حتى يطعم لا يرى أن يفارقه الضيف حتى يطعم عنده ولا يخاطبه بشيء إلا وينجزه وكان يكرم الوافد عليه وإن كان كافرًا. ولقد وفد عليه البرنس صاحب إنطاكية فما أحس به إلا وهو واقف على باب خيمته بعد وقوع الصلح في شهر شوال سنة ثمان وثمانين وخمس مائة عند منصرفه من القدس إلى دمشق عرض له في الطريق وطلب منه شيئًا فأعطاه العمق وهي بلاد كان أخذها منه عام فتح الساحل وهو سنة أربع وثمانين.
ولقد رأيته وقد دخل عليه صاحب صيدا بالناصرة فاحترمه وأكرمه وأكل معه الطعام ومع ذلك عرض عليه الإسلام فذكر له طرفًا من محاسنه وحثه عليه.
وكان يكرم من يرد عليه من المشايخ وأرباب العلم والفضل وذوي الأقدار وكان يوصينا بأن لا نغفل عمن يجتاز بالخيم من المشايخ المعروفين حتى يحضرهم عنده وينالهم من إحسانه.
[ ٦٦ ]
ولقد مر بنا سنة أربع وثمانين وخمس مائة رجل جمع بين العلم والتصوف وكان من ذوي الأقدار وأبوه صاحب توريز فأعرض هو عن فن أبيه واشتغل بالعلم والعمل وحج ووصل زائرًا لبيت الله المقدس ولما قضى لبانته منه ورأى آثار السلطان ﵀ فيه وقع له زيارته فوصل إلينا إلى المعسكر المنصور فما أحسست به إلا وقد دخل علي في الخيمة فلقيته ورحبت به وسألته عن سبب ذلك ووصوله فأخبرني بذلك وأنه يؤثر زيارة السلطان لما رأى له من الآثار الحميدة الجميلة فعرفت السلطان بذلك في ليلة وصول هذا الرجل فاستحضره وروى عنه حديثًا ثم انصرفنا وبات عندي في الخيمة فلما صليت الصبح أخذ يودعني فقبحت له المسير بدون وداع السلطان فلم يلتفت ولم يلو على ذلك وقال قد قضيت حاجتي منه ولا عرض لي فيما عدا رؤيته وزيارته وانصرف من ساعته ومضى على ذلك ليال فسأل السلطان عنه فأخبرته بفعله فظهر عليه آثار الغضب كيف لم أخبره برواحه وقال كيف يطرقنا مثل هذا الرجل وينصرف عنا من غير إحسان يمسه منا وشدد النكير علي في ذلك فما وجدت بدًا من أن أكتب كتابًا إلى محيي الدين قاضي دمشق كلفته فيه السؤال عن حال الرجل وإيصال رقعة كتبتها إليه طي كتابي أخبره فيها بإنكار السلطان رواحه من غير اجتماعه به وحسنت له فيها العود وكان بيني وبينه صداقة تقتضي مثل ذلك فما أحسست به إلا وقد عاد إلي فرحب به السلطان وانبسط معه وأمسكه
[ ٦٧ ]
أيامًا ثم خلع عليه خلعة حسنة وأعطاه مركبًا لائقًا وثيابًا كثيرة يحملها إلى بنيه وأتباعه وجيرانه وانصرف عنه وهو أشكر الناس وأخلصهم دعاءً لأيامه.
ولقد رأيته وقد مثل بين يديه أسير إفرنجي قد أصابه كرب بحيث أنه ظهرت عليه أمارات الخوف والجزع فقال للترجمان من أي شيء يخاف فأجرى الله على لسانه أن قال كنت أخاف قبل أن أرى هذا الوجه فبعد رؤيتي له وحضوري بين يديه أيقنت أنه ما أرى إلا الخير. فرق له ومن عليه وأطلقه ولقد كنت راكبًا في خدمته في بعض الأيام قبالة الإفرنج وقد وصل بعض اليزكية ومعه امرأة شديدة التخوف كثيرة البكاء متواترة الدق على صدرها قال اليزكي إن هذه خرجت من عند الإفرنج فسألت الحضور بين يديك وقد أتينا بها فأمر الترجمان أن يسألها عن قصتها فقالت اللصوص المسلمون دخلوا البارحة إلى خيمتي وسرقوا ابنتي وبت البارحة أستغيث إلى بكرة النهار فقال لي المملوك السلطان هو أرحم ونحن نخرجك إليه تطلبين ابنتك منه فأخرجوني إليك وما أعرف ابنتي إلا منك. فرق لها ودمعت عينه وحركته مروءته وأمر من ذهب إلى سوق
[ ٦٨ ]
العسكر يسأل عن الصغيرة من اشتراها ويدفع له ثمنها ويحضرها وكان قد عرف قضيتها من بكرة يومه فما مضت ساعة حتى وصل الفارس والصغيرة على كتفه فما كان إلا أن وقع نظرها عليها فخرت إلى الأرض تعفر وجهها في التراب والناس يبكون على ما نالها وهي ترفع طرفها إلى السماء ولا نعلم ما تقول فسلمت ابنتها إليها وحملت حتى أعيدت إلى عسكرهم.
وكان لا يرى الإساءة إلى من صحبه وإن أفرط في الخيانة ولقد أبدل في خزائنه كيسان من الذهب المصري بكيسين من الفلوس فما عمل بالنواب شيئًا سوى أن صرفهم من عملهم لا غير.
ولقد دخل البرنس أرناط صاحب الكرك مع ملك الإفرنج بالساحل لما أسرهما في وقعة حطين في شهور سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة والواقعة مشهورة تجيء مشروحة في موضعها إن شاء الله تعالى وكان قد أمر بإحضارهما وكان أرناط هذا اللعين كافرًا عظيمًا جبارًا شديدًا وكانت قد اجتازت به قافلة من مصر حين كان بين المسلمين وبينهم هدنة فغدرها وأخذها ونكل بهم وعذبهم وأسكنهم المطامير والحبوس الحرجة وذكروا له حديث الهدنة فقال قولوا لمحمدكم يخلصكم فلما بلغه ﵀ ذلك عنه نذر أنه متى أظفره الله به قتله بنفسه فلما أمكنه الله منه في ذلك اليوم قوى عزمه على قتله وفاءً بنذره فأحضره مع الملك فشكا الملك العطش فأحضر له قدحًا من شراب فشرب منه ثم ناوله أرناط فقال السلطان للترجمان قل للملك أنت الذي سقيته وأما أنا فما أسقيه من شرابي ولا أطعمه من طعامي
[ ٦٩ ]
فقصد ﵀ أن من أكل من طعامي فالمروءة تقتضي أن لا أؤذيه ثم ضرب عنقه بيده وفاءً بنذره وأخذ عكا وأخرج الأسرى كلهم من ضيق الأسر وكانوا زهاء أربعة آلاف أسير وأعطى كل واحد منهم نفقة يصل بها إلى بلده وأهله. هكذا بلغني على ألسنة جماعة لأني لم أحضر هذه الواقعة.
وكان حسن العشرة لطيف الأخلاق طيب الفكاهة حافظًا لأنساب العرب ووقائعهم عارفًا بسيرهم وأحوالهم حافظًا لأنساب خيلهم عالمًا بعجائب الدنيا ونوادرها بحيث كان يستفيد محاضره منه ما لا يسمع من غيره.
وكان حسن الخلق يسأل الواحد منا عن مرضه ومداواته ومطعمه ومشربه وتقلبات أحواله.
وكان طاهر المجلس لا يذكر بين يديه أحد إلا بخير السمع فلا يحب أن يسمع عن أحد إلا الخير وطاهر اللسان فما رأيته ولع بشتم قط، وكان حسن العهد والوفاء فما أحضر بين يديه يتيم إلا وترحّم على مخلفيه وجبر قلبه وأعطاه وجبر مصابه وإن كان له من أهله كبير يعتمد عليه سلمه إياه وإلا أبقى له من الخير ما يكف حاجته وسلمه إلى من يعتني بتربيته ويكفلها.
وكان لا يرى شيخًا إلا ويرق له ويعطيه ويحسن إليه ولم يزل على هذه الأخلاق إلى أن توفاه الله إلى مقر رحمته ومكان رضوانه.
[ ٧٠ ]
فهذه نبذ من محاسن أخلاقه ومكارم شيمه اقتصرت عليها خوف الإطالة والسآمة وما سطرت إلا ما شاهدته أو أخبرني الثقة به وحققته وهذا بعض ما اطلعت عليه في زمان خدمتي له وهو يسير فيما اطلع عليه غيري ممن طالت صحبته وتقدمت خدمته ولكن هذا القدر يكفي الأديب في الاستدلال على طهارة تلك الأخلاق والخلال، وحيث نجز هذا القسم فنشرع الآن في القسم الثاني من الكتاب في بيان تقلبات أحواله ووقائعه وفتوحاته في تواريخها قدس الله روحه. ونور بنور رحمته ضريحه.
[ ٧١ ]