ولمّا وقعت هذه الواقعة كان سيف الدين على سنجار يحاصر أخاه عماد الدين بقصد أخذها منه ودخوله في طاعته، وكان قد أظهر أخوه الانتماء إلى السلطان، واعتصم بذلك، واشتد سيف الدين في حصار المكان، وضربه بالمنجنيق حتى انهدم من سوره ثلم كثيرة، وأشرف على الأخذ، فبلغه وقوع هذه الوقعة فخاف أن يبلغ ذلك أخاه فيشتدّ أمره، فراسله إلى الصلح، فصالحه، ثم سار من وقته إلى نصيبين، واهتم بجمع العساكر والإنفاق فيها، وسار حتى أتى الفرات، وعبر بالبيرة، وخيّم على جانب الفرات الشامي، وراسل
[ ٩٤ ]
كمشتكين والملك الصالح حتى تستقر قاعدة يصل عليها إليهم، ووصل كمشتكين إليه، وجرت مراجعات كثيرة، وعزم فيها إلى العود مرارًا حتى استقرّ اجتماعه بالملك الصالح وسمحوا به، وسار ووصل حلب، وخرج الملك الصالح إلى لقائه بنفسه، فالتقاه قريب القلعة واعتنقه وضمه إليه وبكى، ثم أمره بالعود إلى القلعة، فعاد إليها وسار هو حتى نزل بعين المباركة، وأقام بها مدّة، وعسكر حلب يخرج إلى خدمته في كل يوم، وصعد القلعة جريدة وأكل فيها خبزًا، ونزل وسار راحلًا إلى تل السلطان ومعه الديار البكرية وجمع كثير، والسلطان قد أنفد في طلب العساكر من مصر وهو يترقب وصولها، وهؤلاء يتأخرون في أمورهم وتدبيرهم وهم لا يشعرون أنّ في التأخير تدبيرا، حتى وصل عسكر مصر، فسار ﵀ حتى أتى قرون حماة، فبلغهم أنه قارب عسكره، فأخرجوا اليزك وجهزوا من يكشف الأخبار، فوجدوه قد وصل جريدة إلى جناب التركمان، وتفرق عسكره يسقي، فلو أراد الله نصرتهم لقصدوه في تلك الساعة، ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولا، فصبروا عليه حتى سقى خيله هو وعسكره، واجتمعوا وتعبّوا تعبية القتال، وأصبح القوم على مصاف، وذلك في بكرة الخميس العاشر من شوّال سنة إحدى وسبعين، فالتقى العسكران، وتصادما، وجرى قتال عظيم، وانكسرت ميسرة السلطان بابن زين الدين مظفّر الدين فإنه كان في ميمنة سيف الدين، وحمل السلطان عليه بنفسه، فانكسر القوم واسر منهم جمعًا عظيمًا من كبار الأمراء منهم فخر الدين عبد المسيح، فمنّ عليهم وأطلقهم، وعاد سيف الدين إلى حلب المحروسة، فأخذ منها خزانة، وسار حتى عبر الفرات، وعاد إلى بلاده،
[ ٩٥ ]
وأمسك هو ﵀ عن تتبّع العسكر، ونزل في بقيّة ذلك اليوم في خيام القوم، فإنهم كانوا قد أبقوا الثّقل على ما كان عليه والمطابخ قد عملت، ففرّق الإصطبلات ووهب الخزائن، وأعطى خيمة سيف الدين عز الدين فخر وشاه، وسار إلى منبج، وتسلّمها في بقيّة الشهر المذكور. وسار حتى نزل قلعة إعزاز يحاصرها، وذلك في رابع ذي القعدة سنة إحدى وسبعين، وعليها وثب الإسماعيلية عليه، فنجّاه الله من كيدهم، وظفر بهم، ولم يفل ذلك عزمه، وأقام عليها حتى أخذها، وذلك في رابع عشر ذي القعدة من السنة، وسار حتى نزل على حلب في سادس عشر منه، فأقام مدة ثم سار عنها، فأخرجوا إليه ابنة لنور الدين صغيرة، وسألت منه إعزاز، فوهبها إيّاها. وفي بقية الشهر أيضًا وصل شمس الدولة أخوه من اليمن إلى دمشق وأقام بها مدة ثم عاد إلى الديار المصرية، وتوفّي بإسكندرية مستهل صفر سنة ست وسبعون. ثم إنّ السلطان عاد إلى الديار المصرية ليتفقد أحوالها ويقرّر قواعدها، وكان مسيره إليها في ربيع الأوّل من شهور سنة اثنتين وسبعين، واستخلف أخاه شمس الدولة بدمشق، فأقام ﵀ بها يقرّر قواعدها ويسدّ خللها، وأراح العسكر ثم تأهّب للغزاة، وخرج يطلب الساحل، حتى وافى الإفرنج على الرملة، وذلك في أوائل جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين.
[ ٩٦ ]