قال الله ﷾: " والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ". لقد كان متجاوزًا قليل الغضب ولقد كنت في خدمته بمرج عيون قبل خروج الإفرنج إلى عكا يسر الله فتحها وكان من عادته أن يركب في وقت الركوب ثم ينزل فيمد الطعام ويأكل مع الناس ثم ينهض إلى خيمة خاصة له ينام فيها ثم يستيقظ من منامه ويصلي ويجلس خلوة وأنا في خدمته نقرأ شيئًا من الحديث أو شيئًا من الفقه، ولقد قرأ علي كتابًا مختصرًا تصنيف الرازي يشتمل على الأرباع الأربعة من الفقه ونزل يومًا على عادته ومد الطعام بين يديه ثم عزم على النهوض فقيل له أن وقت الصلاة قد قرب فعاد إلى الجلوس وقال نصلي وننام ثم جلس يتحدث حديث متضجر وقد أخلا المكان إلا ممن لزم فتقدم إليه مملوك كبير محترم عنده وعرض عليه قصة لبعض المجاهدين فقال هل أنا الآن ضجران أخرها ساعة فلم يفعل وقدم القصة إلى قريب من وجهه الكريم بيده وفتحها بحيث يقرأها فوقف على الاسم المكتوب في رأسها فعرفه فقال رجل مستحق فقال يوقع المولى له فقال ليست الدواة حاضرة الآن
[ ٦٢ ]
وكان ﵀ جالسًا في باب الخركاه بحيث لا يستطيع أحد الدخول إليها والدواة في صدرها والخركاه كبيرة فقال له المخاطب هذه الدواة في صدر الخركاه وليس لهذا معنى إلا أمره إياه بإحضار الدواة لا غير فالتفت ﵀ فرأى الدواة فقال والله لقد صدق ثم امتد على يده اليسرى ومد يده اليمنى فأحضرها ووقع له فقلت قال الله تعالى في حق نبيه ﷺ وإنك لعلى خلق عظيم. وما أرى المولى إلا قد شاركه في هذا الخلق فقال ما ضرنا شيئًا قضينا حاجته وحصل الثواب ولو وقعت هذه المواقعة لآحاد الناس وأفرادهم لقام وقعد ومن الذي يقدر أن يخاطب أحدًا هو تحت حكمه بمثل ذلك وهذا غاية الإحسان والحلم والله لا يضيع أجر المحسنين.
ولقد كانت طراحته تداس عند التزاحم عليه لعرض القصص وهو لا يتأثر لذلك ولقد نفرت يومًا بلغتي من الجمال وأنا راكب في خدمته فزحمت وركه حتى آلمته وهو يتبسم ﵀. ولقد دخلت بين يديه في يوم ريح مطير إلى القدس الشريف وهو كثير الوحل فنضحت البغلة عليه من الطين حتى أتلفت جميع ما كان عليه وهو يتبسم وأردت التأخر عنه بسبب ذلك فما تركني.
[ ٦٣ ]
ولقد كان يسمع من المستغيثين والمتظلمين أغلظ ما يمكن أن يسمع ويلقى ذلك بالنشر والقبول. وهذه حكاية يندر أن يسطر وذلك أنه كان قد اتجه أخو ملك الإفرنج خذلهم الله إلى يافا فإن العسكر كان قد رحل عنهم وبعد وتراجع إلى النطرون وهو مكان بينه وبين يافا للعسكر مرحلتان للمجدّ وثلاث معتادة وجمع ﵀ العسكر ومضى إلى قيسارية يلتقي نجدتهم عساه يبلغ منهم غرضًا وعلم الإفرنج الذين كانوا بيافا ذلك وكان بها الأنكتار ومعه جماعة فجهز معظم من كان عنده في المراكب إلى قيسارية خشية على النجدة أن يتم عليها أمر وبقى الأنكتار في نفر يسير لعلمهم ببعده ﵀ عنهم وبعد العسكر، ولما وصل ﵀ إلى قيسارية ورأى النجدة قد وصلت إلى البلد واحتمت به وعلم أنه لا ينال منهم غرضه سرى من ليلته في أول الليل إلى آخره حتى أتى يافا صباحًا والأنكتار في سبعة عشر فارسًا وثلاثمائة راجل نازلًا خارج البلد في خيمة له فصبحه العسكر صباحًا فركب الملعون وكان شجاعًا باسلًا صاحب رأي في الحرب وثبت بين يدي العسكر ولم يدخل البلد فاستدار العسكر الإسلامي بهم إلا من جهة البحر وتعبى العسكر تعبية القتال وأمر السلطان العسكر بالحملة انتهازًا للفرصة فأجابه بعض الأكراد بكلام فيه خشونة تعتب لعدم التوفير في إقطاعه فعطف ﵀ عنان فرسه كالمغضب لعلمه أنهم
[ ٦٤ ]
لا يعملون في ذلك اليوم شيئًا وتركهم وانصرف راجعًا وأمر بخيمته التي كانت منصوبة أن قلعت وانفضوا متيقنين أن السلطان في ذلك اليوم ربما صلب جماعة، ولقد حكى لي ولده الملك الظاهر أعز الله أنصاره أنه خاف منه في ذلك اليوم حتى أنه لم يتجاسر أن يقع في عينيه مع أنه حمل في ذلك اليوم وأوغل ولم يزل سائرًا حتى نزل بسازور وما من الأمراء إلا من يرعد خفية ومن يعتقد أنه مأخوذ مسخوط عليه قال ولم تحدثني نفسي بالدخول عليه خفية منه حتى استدعاني قال فدخلت عليه وقد وصله من دمشق المحروسة فاكهة كثيرة فقال اطلبوا الأمراء حتى يأكلوا شيئًا قال فسرى عني ما كنت أجده وطلبت الأمراء فحضروا وهم خائفون فوجدوا من بشره وانبساطه ما أحدث لهم الطمأنينة والأمن والسرور وانصرفوا على عزم الرحيل كأن لم يجر شيء أصلًا فانظر إلى هذا الحلم الذي لا يتأتى في مثل هذا الزمان ولا يحكى عمن تقدم من أمثاله رحمة الله عليه.
[ ٦٥ ]