ولما دخلت عليه هذه السنة المباركة رأى الاشتغال بالحصون الباقية لهم مما يضعف قلوب من في صور وينهي أمرها به فاشتغل بذلك ونزل على كوكب في أوائل محرم وكان سبب بداءته بكوكب أنه قد جعل حولها جماعة يحفظونها من أن تدخل إليهم قوة فخرج الإفرنج ليلًا وأخذوا غرتهم وكبسوهم
[ ١٣٨ ]
بعفربلا وقتلوا مقدمهم وكان من الأمراء ويعرف بسيف الدين أخي الجاولي وأخذوا أسلحتهم فسار ﵀ من عكا ونزل عليها بمن معه من خواصه فإنه كان قد أعطى العساكر دستورًا وعاد أخوه إلى مصر وولده إلى حلب ولقي في طريقه شدة من الثلج والبرد فحملته مع ذلك الحمية على النزول عليها وأقام يقاتلها مدة. وفي تلك المنزلة وصلت إلى خدمته فإني كنت قد حججت سنة ثلاث وثمانين وكانت وقعة ابن المقدم وجرح يوم عرفة على عرفة لخلف جرى بينه وبين أمير الحاج طستكين على ضرب الكؤوس والدبدبة فإن أمير الحاج نهاه عن ذلك فلم ينته ابن المقدم وكان من أكبر أمراء الشام وكان كثير الغزاة فقدر الله أن جرح بعرفة يوم عرفة ثم حمل إلى منى مجروحًا ومات بمنى يوم الخميس يوم عيد الله الأكبر وصلي عليه في مسجد الخيف في بقية ذلك اليوم ودفن بالمعلا وهذا من أتم السعادات وبلغ ذلك السلطان فشق عليه ثم اتفق لي العود من الحج إلى الشام لقصد القدس وزيارته والجمع بين زيارة النبي ﷺ وزيارة إبراهيم ﵊ فوصلت إلى دمشق ثم خرجت إلى القدس فبلغه خبر وصولي فظن أني وصلت من جانب الموصل في حديث فاستحضرني عنده وبالغ في الإكرام والاحترام. ولما ودعته ذاهبًا إلى القدس خرج لي بعض خواصه وأبلغني تقدمه إلي بأن أعود أتمثل في خدمته عند العود من القدس فظننت أنه يوصيني بمهم إلى الموصل وانصرفت إلى القدس
[ ١٣٩ ]
يوم رحيله عن كوكب ورحل لأنه علم أن هذا الحصن لا يؤخذ إلا بجمع العساكر عليه وكان حصنًا قويًا وفيه رجال شداد من بقايا السيف وميرة عظيمة فرحل إلى دمشق وكان دخوله إليها في سادس ربيع الأول. وفي ذلك اليوم اتفق دخولي إليها عائدًا من القدس وأقام بها خمسة أيام فكان له عنها ستة عشر شهرًا وفي اليوم الخامس بلغه خبر الإفرنج أنهم بحبيلا واغتالوها فخرج مسرعًا ساعة بلوغ الخبر وكان قد سير إلى العساكر يستدعيها من سائر الجوانب وسار يطلب حبيلا فلما عرف الإفرنج بخروجه كفوا عن ذلك. وكان بلغه وصول عماد الدين وعسكر الموصل ومظفر الدين إلى حلب قاصدين الخدمة للغزاة فسار نحو حصن الأكراد في طلب الساحل الفوقاني.